فادي عميرة ( عين القدس )


 

فادي عميرة (عين القدس) هذا الشابُّ رأى القدس من منظورٍ آخرَ يكاد يفُوق الأبعاد كلّها حيث إنّ كلّ صورةٍ تلِدُها عدسة الكاميرا خاصّته، تبوح بسرٍّ جديدٍ من أسرار القدس وقبّة الصّخرة المُشرّفة، يستحق أن تُلفّ يده بالحرير، فقد وثّق على مدار العقد المنصرم آلاف الصّور الفريدة التي تعكس عبقَ القدس وتراثها ورائحة زُقاقها ودفء بيوتها وقِدم حاراتها، فما من زاويةٍ تبصُرها عينه حتى ينسخها في حضرة جمال المدينة، لقد اختصر المكان والزمان في أُطر لوحاته الفنيّة التي اختزلت الحكايات القابعة في ضواحيها، فلم يترك نافذةً ولا شرفةً ولا باباً مطلّاً عليها إلّا والتقط من خلاله صورةً، ولكن ثمّة سحرٍ في صوره تكاد العين لا تملّ من مطالعته، وما إن تسرج الخيال في مخيّلتك لمتابعة فحواها إلّا وانتقلت إلى فلسطينَ؛ لتشمّ رائحة المطر العالقة في ترابها، والياسمين المعتِّق في باحاتها، والزّيتون الذي يسيج أبوابها، وتسمع في صوره كلّ أذانٍ يصّدح في أركانها، وكلّ صرخةٍ مرّت على جدرانها، وكلّ شهقةٍ تجلّت أمام عظمتها.

برع المصوّر المقدسيّ "فادي عميرة" في إنشاء لوحاتٍ فنيّةٍ من عدسات كاميرته التي تنقل الإحساس الكامن في مدينة السّلام وجامعة الأديان والحضارات على مرّ التاريخ، فالمدينة المقدّسة أولى القبلتين التي لا يبرح المرء يراها حتى تتساقط عَبَراته مثل حَبِّ المطر، ففي قلب كلّ محبٍ لها لوعة تشتاق إلى الصّلاة في أحضانها، لكنّ "فادي" استطاع تجسيد ذلك الشّوق بأسلوبٍ فريدٍ يجعل الرائي كلّما أطال النّظر في صوره وقع في أسْر الصمت ومحراب العظمة وطهارة المكان؛ ليستجمع ماضياً مكبّلًا بحاضرٍ يكشف المصوّر من خلاله ما خفي عنه من جمالٍ وروعةٍ أحاطت بهذا المكان وقدسيته، كما أنّ الإيمان الذي أستوحيه من صوره يجعلني أقف حائراً أمام تفاصيل الصّور وكأنّ القدس قد سمحت له ولعينه باختلاس النّظر إليها ليرى في محتواها مضموناً آخر لم يره أحدٌ من قبله.

أجد في صوره أسلوباً غريباً في التأْطير وكأنّ القدس زهرةٌ راسخةُ في تلّةٍ عاليةٍ تبوح بشيءٍ منها كلّما التقط لها صورةً، حيث إنّه يبدع في التقاط زواياها ويعبّر عن مشاعرها المختلطة بذوقٍ خاصٍ، فأرى فيها الهجر والعناق والحبّ والفراق رابضاً في كافّة أرجائها، تارةً تراها فرِحةً باحتضان المصلّين الذين يزيّنون باحاتها ويعكسون هالتها المقدّسة، وتارةً تراها حزينةً تشكي هَمّ احتلالها ووجع استيطانها، وكما قال البعض وراء كلّ صورةٍ حكاية، إلّا أنّ صور هذا الشّابّ حقيقةً تلمس الرًوح والوجدان وكأنّها تُنقلك عبر الأثير المغناطيسيّ من مكانٍ إلى آخرَ عبر كلّ الأزمنة لترى القدس في صورِه فتاةً وعروساً وعجوزاً تحكي للناظر آلاف القصص التي مرّت عليها.

نتمنى في نهاية المقال أن يكون لكلّ مدينة فنّانها الذي يجعل وقته مرهوناً بكشف جمالها، فأنا أعتقد أنّ النظر إلى المدن العتيقة والمقدّسة يزيد الرّوح طهراً والقلب إيماناً والحنين شجناً، كما يحق لفادي أن يلقّب بعين القدس.

بقلم الكاتب


باحث وكاتب افلام


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

باحث وكاتب افلام