أين حدود القراءة؟ وماذا يمكن للمناهج الحديثة أن تقدم لنا برفض القراءات الجاهزة والمعلبة أحادية البعد؟ وكيف نصل إلى قراءة تشخيصية تطمئننا حول تحديد عيوب الكلام؟
وهل يجب أن نرسم خطوط طريقة معينة كما يفعل المفككون عندما يحددون العلاقة بين النص والقارئ وفقًا لطبيعة القراءة وليس وفقًا لما يقوله؟
دون الدخول في أروقة المدارس والطوائف المختلفة، نجد أن القراءة الخاصة لا تنفي القراءة النقدية القائمة على الذوق والعمل على فحص الأنماط في شكلها الكلي، بناءً على التحكم في الهياكل الأساسية في النص.
اقرأ ايضاً أهمية القراءة وعلاقتها بالتفكير
أهميتة القراءة وفيما ترتكز؟
والقراءة كعملية نشطة ترتكز في أهميتها على الإفصاح، لأنها توفر مسندًا جديدًا قائمًا على التفاعل، ولأن البنيويون يميلون إلى دراسة العلاقات الداخلية للنص من خلال الاهتمام بتوزيع الهياكل الموجودة في هذا النص.
في حين أن المفككين ينظرون إلى تنوع المعنى في النص، وليس الخصوصية؛ لأن المعنى يمثل حقًا أساسيًّا للقارئ بناءً على مفهوم أن القارئ هو منتج النص يعرض نصه فتتنوع معانيه ويقترب من حدود الوهم.
إن فعل القراءة يجعل من الممكن توزيع العلاقات والمسافات بين النص والقارئ، مُمثلة في الاختلافات بين القراء أنفسهم، سواء على مستوى الخصوصية الثقافية، أم عضوية المجموعة، أم الفروق الفردية إضافة إلى اهتمام النص بالقارئ، أو مدى الاهتمام بمنطق القراءة.
وثم يمثل المعنى العنصر المهيمن في طبيعة العلاقات القائمة بين وحدات الإنتاج الإبداعي، لكن الاتجاه يأخذ بعدًا للقراءة عندما يؤخذ مربع المعنى في الاعتبار، والذي يكون منحازًا بوضوح نحو الأنشطة المتعلقة بالقراءة.
اقرأ ايضاً فوائد القراءة والاستمتاع بالكتب
القراءة والفكر النقدي
ما الذي يمكن أن يفعله الناقد عندما يكون وجهًا لوجه مع النص، فهو مسلح، وإذا كان بوسع المرء أن يعبر عن علمه وتصوراته ووعيه الذاتي للوصول إلى فضاء تعريف المعاني وليس ناتجها، فإنه يسعى جاهدًا للتوافق مع النص، والتفاعل معه، وتبني بعض الافتراضات التي يقدمها، ولا يمكنه بأي حال التهرب من المحاكاة أو حتى الابتعاد عنها.
سنتحدث شئنا أم أبينا عن فعل القراءة، حيث يتم تأسيس الفكر النقدي، وتأسيسه يبدأ من اللقاء بين القارئ والمؤلف دون مواربة أو تملق، لقاءٍ مباشر وصريح وواضح مبني على أساس من الوعي.
وتبين لنا الحقيقة أن القارئ ليس كمًا مهملاً، ولا مهمشًا ومقلوبًا من قيمته، إن أي عمل من أعمال الإبداع الأدبي يجب أن يحتل فيه القارئ مكانة عزيزة ومحبوبة، لكونه من الأسس التي توجه العالم إلى آليات وعي المؤلف.
إن مشاركة القارئ حق لا جدال فيه، وهو يحمل في طياته إثراء النص، وستكون العملية برمتها اكتشافًا يتم من خلاله تشخيص أعراض النص وفهم آلياته بمعنى أوسع وطريق أوضح.
اقرأ ايضاً فوائد القراءة.. تعرف على أهميتها فى الحياة
خصائص الخطاب وما المناهج الحديثة
عند دراسة عروض المناهج الحديثة نجد تنوعًا في طبيعة القراءة والتعددية في تحديد خصائص الخطاب، فعلى سبيل المثال يسعى البنيويون إلى تفريغ أعماق النص كشفًا عن العلاقات الداخلية وتحديد البنى القائمة، أما بالنسبة للمفككين فهم يسعون بجد من أجل تنوع المعاني، ولا يهتمون كثيرًا بتعريف المعاني.
في هذا الصدد يؤكد (دريدا) أن المعنى حق مشروع للقارئ؛ لأن النص هو نتاج القارئ نفسه، في حين الكاتب غارق في هوة من الاختلافات والأوهام يسعى إلى إنتاج علاقات ومعانٍ مرتبطة بالمفاهيم والمحتويات التي يعرفها ويفهمها، ووسيلة التواصل مع الجمهور المتلقي هي النص الذي يكتبه ويعرضه، فهو الواجهة التي يراها، ويظهر للآخرين واجهة تعبر عنه، وتكشف عن معظم الأفكار التي يعرفها.
بما أهتم العلماء في النص
اهتمَّ العلماء بتوزيع العلاقات في النص ومالوا إلى ذلك، وفي هذا كان بعضهم مهتمًا بعلاقات الأجزاء الموجودة في العمل الأدبي أكثر من الانغماس في تفاصيل الشخصية، وفي هذا السياق يقترح (Grimas) ثلاث وظائف يحددها بهيكل العقد، وهيكل الأداء، وربط أو كسر الهيكل.
حينها نجد أن الحدس يقوم على الاهتمام بتفسير القارئ، في حين المعاني المباشرة في النص مهمة مؤجلة، وفي الواقع يولِّد فعل القراءة عدة مناطق يمكن التحكم بها بين النص والقارئ اعتمادًا على التنوع الثقافي، وخصوصيات كل فئة أو قارئ فردي، والاهتمام بالنص للقارئ ومنطق القراءة نفسه وعمليات إنتاج النص، وهي ممارسة تستند إلى المحاولة المستمرة للحصول على علاقات غير ملحوظة، ولكنها وصفية، والتي من خلالها تبدأ ممارسة القراءة العامة في النص من أجل استنتاج الأشكال أو المعاني الموجودة والموزعة خلال النص.
يجب أن ندرك هنا أن الصيغ المنبعثة ليست سوى نتائج أو آثار قراءة واسعة وشاملة هدفها السعي إلى نقل المعاني والتماثلات الشكلية لا أن يكون موجهًا بكل ثقله نحو قيامة الخلافات بأي طريقة ممكنة أو بأي وسيلة متاحة، والهدف هو السعي لفك رموز هذه الاختلافات، وتوزيعاتها، وجمعياتها، وانتماءاتها.
ويمنحه تحليل النص متغيرًا جديدًا وهو الانتقال من حالة إلى أخرى، وهذا يبدو واضحًا من خلال التحولات التي تظهر من البسيط إلى العام، وهذا يدخل في تفسير التحولات خاصة في مجال تحديد عناصر العلاقات القائمة في الظاهرة، ولا يتخذ التحليل شكلًا واحدًا، بل يظهر في عدة مستويات وأشكال، مع ضرورة الانتباه إلى أن هذه المستويات ترتبط أساسيًّا بالموضوعات التي توجَّه إليها.
والمواضيع التي يغلب عليها التجريد تعتمد على التحليل القائم على مستوى الصياغة الرسمية، وهذا واضح في الرياضيات.
ويوجد تحليل تاريخي يقوم على اختبار تصورات معرفية مختلفة عن المعقول واللامعقول، أو الخطأ والصحيح، أو العلمي أو اللاعلمي، في حين يميل التنظير المعرفي إلى وصف الممارسات الخطابية.
ما النظريات الموجهه من القارئ؟
وتسعى النظريات الموجهة من القارئ إلى التأكد من أن المنتج الأدبي يدرك وجوده فقط عندما يُقرأ، ولا يمكن الوصول إلى المعنى إلا من قبل القراء الذين يسعون جاهدين لنقله بتفسيرات مختلفة، وبما أن الوظيفة الشعرية التي يقدمها المنتج الأدبي مرتبطة بالوظيفة المعدنية المرتبطة بالشيفرة التي تمثلها اللغة الوصفية، والتي نبعثها دون وعي في اللغة اليومية فإننا بالتالي سنواجه قوة المعنى على حساب قوة الفعل؛ لأن القارئ بشكل عام يوفر بناء المعنى، لذا يظل أي نشاط بناء مرتبطًا بالمعرفة السابقة، والقدرة على الاختيار بعناية وسد الفجوة في الإنتاج الإبداعي.
وفي هذا سيكون المتلقي عاملًا إيجابيًّا في الوصول إلى المعنى وليس مجرد مستقبل سلبي للمعاني التي أعدها الخالق، وكل هذا لا يعقّد دور المتلقي، بل يبسطه، بدءًا من معالجة النصوص القائمة على الفاعل، والتي يعرّفها (جاكوبسون) على أنها المرسل أو المبدع، والمتلقي، والرسالة التي تمثل الوسيط، وهي رمز مشترك وقناة تمثل أداة الاتصال.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.