غسل الأموال هو العمود الفقري المالي للجريمة المنظمة العالمية، والجريمة العملية التي تختفي فيها المصادر غير القانونية للأموال لجعلها تبدو وكأنها مكتسبة من مصادر مشروعة. في هذا المقال نخبرك بكل ما تحتاج معرفته عن مفهوم غسل الأموال، وأكثر الطرق المتبعة، وآثار غسيل الأموال المدمرة، إضافة إلى جهود مكافحة غسل الأموال دوليًّا.
تستحق جريمة غسيل الأموال أن تحصل على لقب جريمة العصر الحديث، على الرغم من أنها من الجرائم التي يُمارسها الناس منذ زمن بعيد، فإنها أصبحت أكثر شيوعًا وتعقيدًا مع تطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال، وبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، أصبحت تُمارَس في نطاق جغرافي واسع وبخلال شبكات منظمة قادرة على استغلال القوانين وثغرات الرقابة في الدول التي تنشط فيها.
مفهوم غسل الأموال
غسل الأموال جريمة كبيرة يعاقب عليها القانون في كل بلدان العالم، ويوجد تعاون دولي لمواجهة جريمة غسيل الأموال. وكان عام 1988 قد شهد توقيع اتفاقية دولية عُرفت باسم «اتفاقية فيينا» من أجل محاربة غسيل الأموال، إضافة إلى اتفاقية أخرى عام 1999 عُرفت باسم «اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب»، قبل أن يتم توقيع «اتفاقية باليرمو» عام 2000. وهو ما يوضح وجود اتجاه دولي من أجل القضاء على غسيل الأموال والآثار المترتبة عليه.
وكانت مجموعة العمل المالي «فاتف»، وهي منظمة دولية تختص بمكافحة غسل الأموال، قد أصدرت مجموعة من التوصيات التي تستهدف تعزيز الشفافية ومحاربة غسل الأموال وحماية الاقتصاد العالمي من أي نشاط مشبوه، فيما عُرف بـ«التوصيات الأربعين» التي لقيت كثيرًا من القبول والمساندة من معظم دول العالم.
أما مفهوم غسيل الأموال، فهي عملية يسعى بها أصحاب الأموال غير المشروعة إلى تحويل هذه الأموال إلى أموال شرعية بإخفاء مصادرها الحقيقية. وغالبًا ما تكون هذه الأموال حصيلة فساد أو احتيال أو سرقة أو إرهاب أو أي عمليات غير قانونية، إذ تظهر هذه الأموال بمنافذ تبدو شرعيةً، وبذلك تكون أموالًا قانونية مثل الأموال الناتجة عن المشروعات والأعمال المختلفة.

ولأن الأموال غير الشرعية تحتاج إلى أن تتخلص من قذارتها والابتعاد عن مصدرها غير القانوني، فإن العملية سُمِّيت بعملية غسل أو غسيل الأموال، حتى تخرج الأموال بعد هذه العملية «نظيفة»، ويجري تداولها طبيعيًّا كحالِ الأموال الناتجة عن مصادر مشروعة. وهو ما يمنح أصحاب الأموال الحرية في التصرف في هذه الأموال التي غالبًا ما تكون مبالغ ضخمة، ويستطيعون تداول البضائع والتعامل مع المصارف دون أي مساءلة قانونية أو إثارة للشبهات.
ولكي نوضح الأمر أكثر، فإننا نعطي مثالًا على رجل حصل على ثروة كبيرة من مصدر غير مشروع مثل المخدرات، أو أنه ببساطة أخذ هذا المبلغ رشوة مقابل خدمات غير قانونية. فهذا الرجل يحتاج إلى وضع هذا المال في البنوك أو شراء عقارات أو ممتلكات غالية، وهو ما سيثير الشبهات حوله. وبذلك يحتاج هذا الرجل إلى غسل هذا المبلغ الضخم في تلك العملية التي نطلق عليها «غسل الأموال»؛ لذلك يلجأ إلى إحدى وسائل غسيل الأموال من أجل أن تبدو أمواله قانونية وشرعية، ويستطيع بعد ذلك أن يستخدمها ويضعها في البنوك ويشتري بها العقارات دون أي مشكلة قانونية.
مراحل عملية غسل الأموال
عند شرح معنى غسل الأموال قد يعتقد بعض الناس أن المسألة سهلة، لكن عملية غسيل الأموال من العمليات المعقدة التي تمر بعدة مراحل من أجل إخفاء مصدر الأموال الأصلي حتى تبدو الأموال في النهاية، وكأنها أموال قانونية وشرعية. وتحدث هذه العملية على يد أشخاص متخصصين في هذه الجريمة، وقد يحتاج الأمر إلى اتصالات دولية ومؤسسات كبيرة تتقاضى نسبةً كبيرةً من هذه الأموال. وفي الغالب تمر عملية غسل الأموال بثلاث مراحل أساسية، وهي كالتالي:
مرحلة الإيداع
يُطلق على هذه المرحلة اسم «مرحلة الإيداع» أو «مرحلة السيولة»، وهي المرحلة التي يحدث فيها إخراج الأموال من الوضع غير الشرعي والبيئة غير القانونية إلى الحيز القانوني الطبيعي، حتى تصبح هذه الأموال موجودة فعلًا داخل نظام التداول دون إحداث أي شكوك يمكن أن تجعل الأجهزة الرقابية تتدخل.
وفي الغالب، توضع الأموال في مكاتب الصرافة أو في البنوك والحسابات الموجودة أصلًا، أو حتى شراء العقارات والسيارات والسلع الثمينة، لكي تصبح الأموال موجودة فعلًا داخل النظام النقدي، ويمكن الحصول عليها في أي وقت ببيع هذه المشتريات أو باستردادها من البنوك أو مكاتب الصرافة، ولذلك فهي تسمى «مرحلة التسييل».
مرحلة التمويه
تعدُّ مرحلة التمويه أكثر مراحل عملية غسل الأموال تعقيدًا التي تحتاج مع المبالغ الكبيرة إلى اتصالات وعلاقات دولية، وقد يَحتاج الأمرُ إلى مؤسسات متخصِّصة في غسيل الأموال، إذ يُنفَّذ في هذه المرحلة عددٌ من العمليات المالية التي تنتقل فيها الأموال من مكان إلى آخر، مثل المعاملات البنكية حين تنتقل الأموال من حساب إلى حساب.
وقد يلجأ أصحاب هذه الأموال إلى تقسيمها والقيام بعددٍ من العمليات؛ فبعض الأموال تذهب إلى شراء السندات، وبعضها إلى شراء الأسهم، وبعضها يُحوَّلُ إلى حسابات أخرى في بلدان بعيدة، وقد تُدفَعُ لشركاتٍ وهمية، وهكذا تتحرَّك الأموال في اتجاهات متعددة حتى يصعُبَ على الحكومات والأجهزة الرقابية تتبُّعُ هذه العمليات ومعرفة مدى ارتباط هذه الأموال بعضُها ببعضٍ.
مرحلة الدمج
في هذه المرحلة تعود الأموال المغسولة إلى الدخول مرةً أخرى إلى نظام التداول الرسمي والاقتصاد الحقيقي، وذلك عن طريق إدخال هذه الأموال في مشروعات واستثمارات حقيقية وقانونية ومسموحٌ بها في معظم بلدان العالم، مثل التوسُّع في الشركات، وإنشاء المؤسسات، والدخول في شركات كبيرة، أو حتى تمويل بعض المشروعات الضخمة، وهو ما يحتاج إلى أموال طائلة، وتبدو أرباحها قانونية وطبيعية.
وعندما تصل الأموال إلى هذه المرحلة، يكون من الصعب على الجهات الرقابية الفصل بين الأموال القانونية والأموال التي جرى غسلها؛ وبذلك يصبح الأشخاص الذين نفذوا عملية غسيل الأموال قادرين على التعامل بأموالهم بطريقة قانونية، ولا يمكن مساءلتُهم من قِبَلِ الجهات المختصَّة والأنظمة الرقابية؛ وهو ما يسعى إليه غاسلو الأموال ويجعلهم ينفقون جزءًا من هذه الأموال من أجل الوصول إلى هذه المرحلة.

أشهر طرق غسل الأموال
ربما وُجدت بعض الطرق التقليدية التي يستخدمها غاسلو الأموال في العقود الماضية، لكن التكنولوجيا، كما تقدِّم كثيرًا من الفوائد والخدمات للإنسانية، فهي أيضًا تكون عونًا لهؤلاء المجرمين في تنفيذ جرائم عدة، ومن بينها جريمة غسل الأموال؛ ما أدى إلى دمج مجموعة من الطرق القديمة والحديثة دمجًا معقَّدًا ومرتبًا لإنجاح العملية، ففي كثير من الحالات يستغلِّون تطبيقات الدفع والحسابات البنكية والعملات الرقمية والشركات والتطبيقات المتاحة على الإنترنت من أجل إخفاء المصادر الحقيقية للأموال وتعقيد عملية الوصول إليها. ولعلَّ أبرز وأشهر الطرق الحديثة لغسل الأموال ما يلي:
الشركات الوهمية
يُعدُّ استخدام الشركات الوهمية من أبرز وأشهر طرق غسيل الأموال في العالم، وهو أمر يعتمد على كثير من الفهم والوعي والدراية والإمكانات لدى الشخص أو المجموعة أو المؤسسة التي تسعى إلى الغسل، وهو ما يمكن أن نشرحه بطريقة بالمثال التالي:
إذا وُجد شخصٌ يمتلك مليون دولار من نشاط غير مشروع مثل تجارة المخدرات، فإنه يحتاج إلى إظهار هذا المبلغ بعد عملية غسل تسمح له بأن يصبح مبلغًا قانونيًا وشرعيًا؛ لذا سيؤسس شركة وهمية، وستشتري هذه الشركة عقارًا ما، ثم تبيعه بعد مدة قليلة لشركة وهمية أخرى بعد رفع سعره، فتكون الشركة الأولى قد حصلت على أرباح قانونية نتيجة عملية البيع والشراء، ثم تُكرَّرُ هذه العمليةُ أكثرَ من مرّةٍ، وفي كل مرة تحصل الشركة الوهمية البائعة للشركة الوهمية الأخرى على أرباح تبدو قانونية.
وبعد وقتٍ قصيرٍ تكون الشركة الوهمية التي أسسها الشخص المقصود قد حققت أرباحًا قانونيةً مقدارُها مليونُ دولار، وبذلك تتصرّف الشركة في المال على نحو طبيعي وقانوني، فتستطيع أن تضع المال في أحد المصارف أو أن تشتري به أراضٍ أو عقارات، وبما أنه مالك الشركة الوهمية فهو يمتلك مليون دولار من أعمال قانونية نتيجة عمليات البيع والشراء.
السلع الفاخرة
فهمنا من المثال السابق غسل الأموال بواسطة الشركات الوهمية، فإنَّ شراءَ السلعِ الفاخرةِ يُعَدُّ أيضًا إحدى الوسائل التي يمكن بها غسيل الأموال بسرعة، لكنها لا تكون فعّالةً مع الأموال الضخمة التي يمكن أن تجذب الأنظار بسهولة؛ ولذا يلجأ الناس الذين يرغبون في غسل الأموال ذات المبالغ الصغيرة والمتوسِّطة إلى شراء السلع الفاخرة مثل الجواهر والسيارات والعقارات والأعمال الفنية، وبعد مُدّةٍ يبيعون هذه السلع، وهو ما يبرِّر حصولهم على الأموال.

وفي هذه الطَّريقة يمكن الاستفادة بأكثر من شكل؛ إذ يمكنهم بيع السِّلَع بمكاسِب كبيرة إذا وُجد اتفاق مع أطرافٍ أخرى على أن تكون العملية وهمية، أو يمكنهم بيع السِّلَع نفسها بأثمانِها والحصول على عقودٍ أو فواتيرَ للبيع، والتي يمكن تقديمها بعد ذلك للجهات الرقابية في حالةِ المساءلة عن مصدرِ الأموال. فمثلًا، إذا باع الشخص سيارةً أو عقارًا، فمن الطبيعي أن يضع المال الناتج عن عمليةِ البيع في أحد المصارف أو البنوك. وبذلك عند سؤاله عن مصدر هذه الأموال، سيُظهر عقدَ بيع السيارة أو العقار.
الإيداعات الصغيرة
تُعدُّ حيلةُ الإيداعات الصغيرة من الحيل المستخدمة بكثرة في غسل الأموال، لكنها تحتاج إلى كثيرٍ من الأشخاص المتعاونين؛ فتقسَّم الأموالِ الضخمة إلى أقسامٍ صغيرةٍ، ويجري إيداعها في حساباتٍ مختلفةٍ ومتعدِّدةٍ لأشخاصٍ كثيرين حتى لا يَلفِتَ أيُّ حسابٍ منهم الانتباه، نظرًا لوجود مبالغَ محدودةٍ أو متوسطة. وهي الطَّريقة التي يُطلق عليها مجازًا اسمُ عمليةِ «التفتيت»، وقد تكون هذه العملية جزءًا من عمليةِ غسل أموال كبرى، فتُفَتَّت الأموال قبل أن تُرسل إلى حسابٍ خارجيٍّ وتُعاد مرةً أخرى.
وعلى الرغم من أن هذه الطَّريقة تُعَدُّ من الطُّرُق الأكثر نجاحًا، فإنها تحتاج إلى التعامل مع أشخاصٍ كثيرين، ثم إن الأموالَ تكون بأسماء هؤلاء الأشخاص؛ وبذلك يحصل غاسلو الأموال على ضماناتٍ من هؤلاء الأشخاص حتى لا يسطو أحدهم على الحساب. ويلجأ بعض الأشخاص إلى استخدام أقاربِهم وأصدقائهم من أصحاب الحسابات البنكية المفتوحة أصلًا من أجل إخفاء الأموال وإدخالها في حركة المصارف قبل استخدامها في عملياتٍ أخرى بهدف غسيلها وتحويلها إلى أموالٍ شرعية.
التجارة الدولية
تُعَدُّ التجارة الدولية العابرةَ للحدود أفضلَ طرُقِ غسل الأموال في المبالغ الضخمة، وبذلك يحدث اللجوءُ إلى مؤسسات متخصِّصةٍ تمتلك شركاتٍ وهمية في عدد من بلدان العالم؛ وبذلك يمكنها أن تُصدِّر وتستورد مجموعةً من السِّلَع والخدمات الوهمية غير الموجودة على أرض الواقع، وعمل الفواتير التي تضمن نسبًا عاليةً من المكاسب التي تدخل إلى المصارف والبنوك على نحو طبيعي.

وفي هذه الطَّريقة يوجد غطاء قانوني لنقل الأموال من بلد إلى بلد دون مشكلات قانونية، ويظهر غطاء قانوني للمكاسب الكبيرة التي تدخل إلى المصارف كأنها ناتجة عن عملياتِ البيع والشراء. فعلى سبيل المثال، يمكن لأحدهم استيراد صفقةِ قمحٍ من دولة ما بقيمةِ 10 ملايين دولار وبيعها إلى دولة أخرى بقيمةِ 15 مليون دولارٍ، لذا فإن حصيلة الصفقة 5 ملايين دولار يمكن أن تدخل في حسابه البنكي دون أدنى مشكلة إذا كانت الأوراق والأختام والفواتير تؤيِّد إتمام الصفقة، على الرغم من أن كلتا الشركتين المُصدِّرتين والمُستورِدتين شركتان وهميتان ومشارِكتان في العملية.
التحويلات المعقدة
يلجأ غاسلو الأموال إلى التحويلات المعقَّدة كثيرًا من أجل إخفاء مصادر هذه الأموال، وغالبًا ما يستخدمون عددًا كبيرًا من الحساباتِ المنتشرةِ في بلدان العالم التي يمكن اختيارها بعناية شديدة في أنظمةٍ مصرفيةٍ تحمي سرية المعاملات المالية، إضافة إلى اختيارِ الدول التي لا توجد فيها أنظمة رقابية قوية ولا تمنع فيها القوانين تداول مثل هذه المبالغ الكبيرة دون السؤال عن مصدرها.
ومع مجموعةٍ من التحويلاتِ السريعة بين بنوكٍ عدةٍ في بلدان عدة، تسلك الأموال مجموعةً من التحويلات التي يكون معظمها سريًّا قبل أن تعود مرةً أخرى إلى أصحابها في هيئة سلعٍ أو استثماراتٍ أو مكاسب، مع صعوبة تتبُّع مصدرها الأصلي؛ وبذلك تنجح عمليةُ غسيل الأموال. لكنَّ الأمرَ يحتاج إلى مصروفات كثيرةٍ، لذا فإن معظم العملياتِ تفقد جزءًا كبيرًا من أصل الأموال، وهو ما يُعدُّ أمرًا مقبولًا لأصحابها الذين حصلوا عليها من مصادرَ غير مشروعةٍ ويرغبون في تحويلها إلى أموالٍ قانونيةٍ ومشروعةٍ مهما كانت التكلفة.
المراهنات وصالات القمار
لا يوجد أسهل من غسل الأموال في بيئة الملاهي الليلية وأماكن المراهنات وصالات القمار؛ إذ لا يتطلب الأمر سوى شراء كروت أو رقائق القمار التي تُشترى للمشاركة في ألعاب القمار، ثم بيعها أو استرداد قيمتها بعد ذلك، وكأنها جاءت من أرباح المقامرة، وهو أمرٌ يصعب تتبُّعُه. فهذه البيئة يمكن للشخص فيها أن يخسر أموالًا طائلة، وتسمح فكرة القمار بأن يكسب أحدهم مبلغًا كبيرًا؛ وبذلك لا يمكن محاكمةُ شخصٍ أو مجموعة من الأشخاص يخرجون من صالة القمار وهم يحملون مبلغًا طائلًا ويقولون إنهم حصلوا عليه من المقامرة.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، وإنما يحتاج إلى كثيرٍ من الفطنة من الأشخاص الذين يستخدمون صالات المقامرة والرهانات؛ فغالبًا ما ينفّذون بعض المقامرات والرهانات الخاسرة التي يعدونها مصروفات أو خسائر ضمن عملية غسيل الأموال، وهو ما يجعل عملهم يبدو طبيعيًا، وبذلك تظهر الأموال كأنها أموالًا مشروعة.
غسل الأموال عبر العملات الرقمية: التحدي الجديد
مع ظهور العملات الرقمية وجد المجرمون أداة جديدة وقوية لتمرير الأموال غير المشروعة، فحين يمكن تتبع بعض العملات مثل البيتكوين، يستخدم غاسلو الأموال تقنيات معقدة مثل الخلاطات أو الممزجات، وهي خدمات تخلط العملات الرقمية من مصادر متعددة لإخفاء أثرها الأصلي، ما يجعل عملية التتبع شبه مستحيلة.
كيفية مكافحة غسل الأموال؟
تعتمد جهود مكافحة غسيل الأموال على إستراتيجية متعددة الأوجه تقودها منظمات مثل مجموعة العمل المالي (فاتف)، وتشمل:
-
تشريعات (اعرف عميلك): وهي قوانين تُلزم المؤسسات المالية (كالبنوك) بالتحقق من هوية عملائها ومصادر أموالهم قبل فتح أي حساب أو إجراء أي معاملة.
-
الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة: تُلزم القوانين المؤسسات المالية بالإبلاغ للسلطات عن أي معاملات مالية غير عادية أو مشبوهة تتجاوز حدًا معينًا.
-
التعاون الدولي: يحدق تبادل المعلومات المالية والاستخباراتية بين الدول لملاحقة شبكات غسيل الأموال العابرة للحدود.
الآثار المترتبة على عملية غسل الأموال
قد يبدو الأمر غير مقلق لبعض الناس، وقد يتساءل أحدهم كيف لدخول كمية كبيرة من الأموال أن يكون له آثار سلبية، لكن الأمر ينطوي على كثير من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والإدارية أيضًا. ولعل أبرز هذه الآثار ما يلي:
غالبًا ما تؤدي الأموال المتدفقة بطريقة غير مشروعة إلى حدوث ما يُسمّى «الفقاعة الاقتصادية»، وذلك بسبب حدوث اختلال في التوازن بين العرض والطلب، وهو ما يؤثر في أسعار المنتجات واستقرار الأسواق، وقد يؤدي إلى حدوث أزمات اقتصادية حادة.

من ناحية أخرى، فإن الأنظمة المصرفية تتضرر بشدّة من غسل الأموال، وهو ما يعرضها لفقدان شفافيتها، وقد تُفرَض عقوبات كبيرة على بعض المصارف من جهات دولية.
وعلى مستوى الاقتصاد القومي، فإن دخول الأموال غير المشروعة يحدث فجوةً كبيرةً واختلالًا هائلًا في توزيع الدخل، فيؤدي مع الوقت إلى تركز الثروة في يد مجموعة قليلة من الناس، وهو ما يضعف الطبقة الوسطى ويؤدي إلى زيادة معدل الفقر.
أما الخسائر الاجتماعية، فتظهر عند التسامح مع غسيل الأموال وظاهرة الكسب غير المشروع، وهو ما ينشر مجموعة من القيم السلبية، وعلى رأسها ثقافة الاستهلاك، التي تؤدي بدورها إلى الانحراف المجتمعي وزيادة العنف والجريمة.
أما الأثر الأكبر والأخطر لغسل الأموال فهو استخدام هذه الأموال في أنشطة أخرى غير مشروعة مثل الجريمة المنظمة والإرهاب، وهو ما يهدد أمن المجتمع بصورة مباشرة.
ولعل غسل الأموال قد أفسد الحياة السياسية في بلدان كثيرة، إذ استُخدمت هذه الأموال في تمويل الانتخابات التي دفعت ببعض الوجوه إلى تصدُّر المشهد والحصول على مقاعد نتيجة عملية انتخابية غير نزيهة، وبذلك يسعى هؤلاء الأشخاص إلى استخدام هذه السلطات لمصلحتهم دون العمل على خدمة الناس واحترام القوانين.
ثم على المستوى الدولي، فإن الدول التي ينتشر فيها غسل الأموال لا تحظى بالثقة التي تحتاج إليها لدخول الاستثمارات، وتدرج ضمن القوائم سيئة السمعة على المستوى المالي والاقتصادي. وقد تتعرَّض تلك الدول لعقوبات دولية، وبذلك يُعاقَب الأبرياء الموجودون فيها نتيجة أفعال قلة من المجرمين والخارجين على القانون.
وفي نهاية حديثنا عن جريمة غسيل الأموال، نرجو أن نكون قد أجبنا عن كل الأسئلة التي تدور في ذهنك حول هذا الموضوع. ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات وأن تشاركَ المقال على مواقع التواصل لتعمّ الفائدة على الجميع.
👍
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.