غريزة الارتقاء: لماذا تفشل الطرق الملتوية في إشباع رغباتنا الحقيقية؟

هل انتبهت يومًا أن بداخلك غريزة مؤرقة تسعى بداخلك لتلبيتها أو إشباعها، غريزة تدفعك دفعًا لإشباع كل الغرائز الأخرى. ليست غريزة الإشباع؛ فالإشباع مجرد رغبة، وتلك غريزة تريد منك الإشباع.

تلك الغريزة التي ربما زادت الحاجة إليها كلما أشبعت غريزة ما، أو اشتهيت أخرى. تلك الغريزة تدعو إلى إشباعها كل الديانات، وتسعى إليها الفلسفة وكل العلوم؛ إنها غريزة الارتقاء.

فكل غريزة جاءت لترقيتك وتطويرك، وتعزيز أساليب حصولك عليها، وللارتقاء بك. فإذا اشبعت غريزة ما بطرق ملتوية، فأنت تخسر قدرتك على الارتقاء، وبالتالي على إشباع غرائز أو شهوات أخرى.

 ونحن هنا عند مفترق طرق الإشباع، فإما «فخًا» أو «سلمًا»، إما « تطورًا» أو « تدهورًا».

محركات الكيان: الغريزة كرسالة للتعلم والابتكار

إن الغرائز في جوهرها ليست «أعداءً» يجب قمعها، بل هي تروس لمحركات أساسية تعمل داخل كياننا. وإشباعها هو الوقود الذي يدفع الكائن البشري من حالة السكون إلى حالة الحركة.

لكن الإشكالية لا تكمن في وجود الغريزة، بل في «طرق الإشباع» التي تُعد وسيلة للارتقاء أو الانحطاط.

في هذا المقال أتحدث عن الهدف من إشباع الغرائز. فليست المتعة في نشوة إشباع غريزة ما، بل فيما تدفعه إليك وتجعلك ترتقي لتحصل عليه لإشباعها.

لنرى الأمر من المنظور النفسي، الغريزة كآلية للتعلم. من وجهة نظر العلاج النفسي، كل غريزة هي رسالة، غريزة «الجوع» مثلًا ليست فقط لملء المعدة، بل هي التي علَّمت الإنسان البدائي الزراعة والابتكار. 

غريزة «الخوف» ليست للهروب فقط، بل هي التي علمته الادخار، والاستثمار، ووضعت القوانين، وبنت الحضارات.

المنظور العصبي: مبدأ الاستحقاق وبناء المسارات الذهنية

من وجهة نظر علم الأعصاب، نجد أن بناء المسارات العصبية التي تجعل فعلًا ما مهارة يتكون بالممارسة والتطوير. وهناك مبدأ يسمى بمبدأ الاستحقاق العصبي، عندما يسعى الإنسان لإشباع غريزة ما (مثل الرغبة في الارتقاء الاجتماعي) عبر العمل الجاد والإنجاز، يفرز الدماغ الدوبامين والسيروتونين «مكافأة» على النمو، وهذا الارتقاء في المهارة يغير كيمياء الدماغ، ويجعله أكثر مرونة وقوة.

وعلى العكس نجد ما يسمى بـ«الإشباع الالتفافي». إذا حصل الإنسان على التقدير عبر «التزييف» أو «التملق» أو (طرق ملتوية)، يحصل الدماغ على الدوبامين سريعًا، لكن دون «البناء العصبي» المصاحب للجهد.

النتيجة هي «هشاشة نفسية»؛ فالفرد يشعر داخليًا بأنه محتال، وتضعف قدرته على ضبط النفس، أمام رغبات أخرى، لأنه لم يتعلم «تأجيل الإشباع».

لنرَ الأمر الآن من المنظور الفلسفي جدلية «الوسيلة» و«الغاية».

فلسفة الوجود: حين تتحول الاستجابة للطلب إلى «صنعة» روحية

فلسفيًا، يمكننا استحضار مفهوم «الإنسان المتفوق» أو «تسامي الغرائز». الغريزة هي «مادة خام»، والارتقاء هو «الصنعة» التي يختار ممارستها الإنسان.

«الغريزة كمعلِّم» يرى الفيلسوف أن الجسد يطلب، لكن الروح ترتقي من خلال «كيفية» الاستجابة لهذا الطلب. 

إذا جاع الإنسان وسرق، فقد أشبع جسده، لكنه «سقط» من رتبة الإنسان الحر إلى رتبة العبد للغريزة.

إذا جاع الإنسان وسرق، فقد أشبع جسده، لكنه «سقط» من رتبة الإنسان الحر إلى رتبة العبد للغريزة

أما إذا جاع فابتكر عملًا، فقد أشبع جسده وارتقى في رتبة استحقاق الوجود، و«القدرة على الإشباع» المستقبلي، أما الطرق «الملتوية» فتضيق أفق الحرية.

 من يعتاد إشباع شهوة مثل المعرفة بـ «السرقة الفكرية»، يفقد مع الوقت «القدرة العقلية» على تذوق المعرفة العميقة.

هكذا، فإن إفساد وسيلة إشباع غريزة واحدة يؤدي إلى «تسمم» بقية الأدوات، فيصبح الإنسان عاجزًا عن تذوق الجمال، أو الحب، أو النجاح الحقيقي، لأن معاييره الداخلية قد تآكلت.

أما من المنظور الأدبي، الرمزي الإسقاطي، فهو «السهل الممتنع».

السقوط الأدبي: رمزية الهاوية وضريبة المسارات المختصرة

في الأدب، دائمًا ما نجد البطل الذي يبيع روحه مقابل إشباع سريع، يقع في الهاوية. 

أما (الطموح مقابل الجهد) ككاتب مثلًا يواجه «قلق الكتابة»، يعاني، يبحث، يطوِّر لغته حتى يصل إلى القمة، هنا النجاح هو «قمة» لجوهر صلب من المعرفة.

أما المسار الملتوي، مثل شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي، بشكل غير أخلاقي، أو علمي، أو يسرق نصوصًا ليشتهر، هو حصل على «الإشباع» (الشهرة)، لكنه خسر «الارتقاء» و(الملكة الأدبية).

عندما تأتي غريزة أخرى تتطلب «صمودًا» أو «إبداعًا حقيقيًا»، سيجد نفسه خاويًا، عاجزًا، لأن عضلة «الإبداع» ضمرت تمامًا.

يوجد قانون يسمى بقانون «تداخل الغرائز»: (لماذا نفشل في إشباع الغرائز الأخرى؟).

الحياة النفسية وحدة واحدة لا تتقسم

عندما تكسر قواعد «النمو» في منطقة ما، فإنك تحطم البناء بأكمله، ثم تجد ما يحدث هو شكوى من فقدان الثقة بالذات.

الإشباع الملتوي يولِّد شعورًا خفيًا بالعار، هذا العار يمنعك من السعي وراء «غرائز عليا» مثل «تحقيق الذات» لأنك لا تشعر أنك تستحقها.

الإدمان السلوكي أيضًا، والطرق «المظلمة» السهلة، فالدماغ يميل للاقتصاد في الطاقة، وبمجرد أن تعتاد «المسارات المختصرة»، يصبح «الجهد» المطلوب لإشباع غرائز أسمى (مثل بناء أسرة مستقرة أو بحث علمي) يبدو مستحيلًا وثقيلًا.

ما كنت أسعى هنا للوصول إليه هو أن الارتقاء كشرط للوجود، يكمن في تلبية الغرائز. 

 إن المقولة الافتتاحية التي اخترتها، لأنها تعيد صياغة «قانون القيمة البشري». 

نحن لم نُخلق لنأخذ فقط، بل لنحصل على «أكثر» من خلال «العطاء»، وإن الإشباع الملتوي يملأ الفراغ اللحظي، بينما الإشباع الارتقائي، يبني «الكيان المتكامل» المستمر. 

أخيرًا، من يختار الطرق الملتوية يظن أنه «ذكي» ظنًا منه أنه اختصر الطريق، لكنه في الحقيقة مثل من يحاول الوصول لقمة الجبل بـ «طائرة مروحية» هو بالفعل وصل للقمة نعم، لكن رئتيه لم تتعودا على نقص الأكسجين، وساقيه لم تكتسبا القوة، لذلك لن يستطيع البقاء هناك طويلًا، ولن يستطيع تسلق جبل آخر بمفرده.

الارتقاء ليس خيارًا إضافيًا، بل هو الضمان الوحيد لتبقى إنسانًا قادرًا على «الرغبة» و«الإنجاز» في آن واحد، وهو الأساس للاستمتاع بكل الغرائز.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.