غربة في زمن الكورونا

الغربة في زمن الكورونا هي حين يقرّر العالم كلّه بمن فيه أن يغترب من أجل كلّ المغتربين البائسين فيه، وحين يصطدم قطار الحياة بإشارة مرور جديدة لا يفهم مدلولها فيقف تاركًا المسافرين فيه عالقين بين السّماء والأرض يسترجعون شريط حكاياتهم الخاص، وهأنذا أفعل مثل كلّ المسافرين أنظر من نافذة عربتي وكأنّني أرى رأي العين تلك البقعة المتناهية الصّغر في منتصف العالم الكبير حيث نشأت وترعرعت هناك في قلب المأساة والفقر والتّضييق، هناك في اللّادولة، واللّاحياة، واللّاحرّيّة، واللّامستقبل.

رغم كلّ هذه اللّاموجودات لا يقف قطار الحياة ولا تقف تفاصيلها ولا متطلّباتها، فقد أوصلني قطار الحياة لعدّة محطّاتٍ كالتّعليم والعمل والزّواج والإنجاب، و ما إن وصلت إلى محطة الإنجاب الأولى، وأصبحت لي عائلة حتّى قرّر القدر أن ننزل من القطار إلى قطار آخر، وهذا الّذي يسمّى بالغربة الّتي نبحث فيها عن البدائل، ونسعى فيها وراء ما نفتقده في أحضان أوطاننا، نسعى إلى برّ أمان يحتوينا نحن ومن نهتمّ لأمرهم ومسؤولون عنهم.

الغربة ذات التّفاصيل المؤذية بدءًا من معرفة موعد السّفر والتّجهيز له حيث تنظر للدّنيا نظرة المغشيّ عليه من الموت، وتنظر إليك هي نظرة الثّكلى الّتي تودّع جثّة صغيرها، ثمّ منها إلى لحظات الوداع القاسية الأشبه بطلوع الرّوح من الجسد، ثمّ إلى بداية الرّحلة الّتي كلما خطوت فيها خطوة امتلأت بالحكايات والتّفاصيل الّتي ستسجلها حتمًا في مفكرتك الجديدة الّتي شهدت ميلادك الجديد، ثمّ مع مرور الوقت يزداد وعيك لأحوال المغتربين وتفهم كلماتهم، بل وتعيش تجاربهم، وتتغنّى بأشعار الغربة وأغانيها وخواطرها دنياك، وتكبر في العام عشرة أعوام.

في القطار الجديد كنت أحاول التّأقلم والتّخطيط للمحطات القادمة ذلك قبل أن يقف أمام تلك الإشارة المجهولة (كورونا) ذلك الفيروس المريع الّذي اجتاح العالم كلّه فغـرَّبه عن حياته الطّبيعيّة، ذلك المفهوم الّذي فرض سيطرته على ساحة العالم ولغى كل شيء لا يسير وفق قوانينه وضوابطه ليصبح العالم بأسره يشبه تلك النّقطة الصّغيرة الّتي أتيت منها، وتصبح الغربة أصعب من أن تحتويها قصيدة شعريّة، أو تصفها كلمات أغنية أو يطفئ لهيب حنينها سيل من الدّموع ،هنالك اختلّت الموازين، وتغيّرت تفاصيل الحياة وسيناريو حكاياتها، بل وأدوار شخصيّاتها فبطل يصبح كومبارسًا صامتًا، وأحد كومبارساتها يصبح نجمًا يشار إليه بالبنان، كلّ شيء تغيّر في لمح البصر، عاداتنا اليوميّة، ومتعلّقاتنا المهمّة ،وشكل عملنا ويومنا.

تسلّل مفهوم الغربة إلى بيوتنا في أحضان أوطاننا فيموت ميّتنا لا نودّعه، ويمرض حبيبنا ونعتزله ولا يصف له الطبيب دواءً شافيًا، نقضي أيّامًا طويلة حبيسي البيت طلابًا وعمّالًا وموظفين أمام شاشات إلكترونيّة وبرامج للتّواصل، فرطّنا في أهمّ الأشياء في حياتنا مرغمين، بتّ أسمع شكاوى العالم المختلفة فأحسّ أنّ جميعهم يقاسمني ألم الغربة وقسوتها، وأصبح لوسائل التّواصل الاجتماعيّ حاجةً أكبر بكثير ممّا عهدناه؛ ذلك لأنّ التّباعد المذموم أصبح مطلبًا إنسانيًّا ووطنيًّا، وأصبحت كل الأماكن متشابهة وكلّ الظّروف متساوية، وما زلنا جميعًا نعيش على أمل أن يعود قطار حياتنا ليكمل مسيرته وتختفي كلّ تلك العراقيل والأزمات، فما دام هناك أنفاس على وجه الأرض حتمًا ستستمرّ الحياة وستعود المياه إلى مجاريها، حتمًا سنخرج من غربتنا ونستمتع بحلاوة الألفة والالتقاء....

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

بالتوفيق ان شاء الله مزيد من الإبداع لكي دوما متألقة

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
May 11, 2021 - بخيت موسى مادبو
May 10, 2021 - Assma'a Hussein
May 9, 2021 - أميرة المكي
May 9, 2021 - Dmoon Diz
May 9, 2021 - لمياء بوعيشي
May 8, 2021 - سماح القاطري
نبذة عن الكاتب