غجر البحر

إذا كان غجر البر يعيشون ويرحلون ويرتحلون عبر اليابسة وأوديتها وتلالها، فإن قرناءهم من غجر البحر يرتبطون بسطحه وجوفه وجـُزره، القوارب بيوتهم، والسماء دثارهم، والسباحة والغوص ديدنهم، وصيد الأسماك حرفتهم.

شعوب بدائية، وأصولهم غير معروفة، لكنهم ألوف مؤلفة، يعيشون كأقليات قبالة سواحل ميانمار بورما، وتايلاند، وماليزيا، وفيما بين الفلبين إلىبورنيو، ويطلق على غجر سواحل ميانمار اسم سالون، وفي تايلاند يسمون الموكين أو تشاوليه، ويمكن العثور على شعب سالون في القطاع الجنوبي من أرخبيل ماييك الذي يضم 800 جزيرة، ويعتقد أن هذا الشعب استوطن قديماً شبه جزيرة مالاي، حتى ترك المالاي موطنهم الأصلي وعاشوا كجماعات متفرقة في أرخبيل ماييك.

وفي ميانمار نادراً ما يشار لشعب سالو نضمن التقارير والنشرات المهتمة بالجماعات العرقية، وبينما قدرت مجلة (غريتر فوكيت عام 2000م) عددهم بنحو 2-3 آلاف شخص، ورغم أن البعض اتهمهم بأنهم قراصنة، إلا أنه لم يثبت دليل يدعم ذلك، ولا يختلط غجر السالون بسهولة مع الأعراق الأخرى، فهم منغلقون ومتحفظون ضد التطورات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية في بلادهم، ولديهم عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم الخاصة المتباينة عن المجتمعات العصرية، ويعبدون إلهاً للخير وآخر للشر.

وتطوف عرقية سالون البحار مصطحبين مستلزماتهم من أوان، وأشربة، وحيوانات أليفة كالكلاب والقطط والدواجن في قواربهم، كما يحصلون على أغلب احتياجاتهم من البحر بطرق تقليدية ومُدهشة في آن معاً، فمهارتهم في الغوص العميق لا مثيل لها، ويمكنهم البقاء تحت المياه لعدة دقائق دون أسطوانات أوكسجين أو معدات غوص، وإذا ما أرادوا تناول طعام الإفطار غاصوا نحو خمس دقائق وتحركوا في الأعماق دون أجهزة غوص، فيصطادون أسماكاً برماحهم، ويصعدون للسطح حيث موضع القارب الذي تركوه، ويمتلكون قدرة على الرؤية الجيدة تحت البحر أفضل من غيرهم، ويجمع غجر البحر من الشواطئ والصخور الدود والخفافيش، ومعظم ما يصطادونه هو لاستخدامهم الشخصي.

أما في تايلاند فيستوطن غجر موكين تشاوليه أرخبيل فوكيت، ويعيشون كما كانوا منذ مئات السنين، في جزيرتين صغيرتين: كوه سيره، وكوه أدانغ ضمن الأرخبيل، ومنذ حدوث تسونامي حرصت الحكومة التايلاندية على ضم غجر البحر في إطار الحياة العصرية، مما أدى للتوازن بين تراثهم التقليدي وسمات الحياة العصرية، فأصبحت لديهم مدرسة، ودخل إضافي من بيع الحرف اليدوية التقليدية على الأرض، كما أعدت لهم الحكومة برنامجاً طبياً، ولم يكن شعب موكين يأكل الأرز حتى وصول مواد الإغاثة بعد كارثة التسونامي، ومن ثم أصبح الأرز جزءاً هاماً من طعامهم، ولذا عليهم مقايضته بالسمك أو الحصول على مال لشرائه.

وتوجد مجموعات عرقية أخرى في جنوب آسيا من غجر البحر، ولكنهم ليسوا مرتبطين مباشرة بالموكين في ميانمار وتايلاند، بالرغم من ممارسة حياتهم بنفس الطرق، وتعيش هذه المجموعات على سواحل عدد من جزر ماليزيا، وأندونيسيا بما فيها بورنيو، وسومطرة، وسولا وازي وأرخبيل سولو.

غجر الباجاو وساما

يعيش شعب الباجاو أو ساما باجاو(Sama-Bajau) أو قبائل الماء في منطقة سواحل جنوب شرق آسيا والبحار المرجانية الزرقاء وبخاصة منطقة أرخبيل سولو في الفلبين، والمنطقة الممتدة ما بين بومتيو صباح في جزيرة بورنيو(ثالث أكبر جزيرة في العالم، وأكبر جزيرة آسيوية تقع في أرخبيل الملايو، وهي مقسمة بين اندونيسيا، وماليزيا، وسلطنة بروناي) حتى جزيرة مينداناو، مما يجعل شعب الباجاو مشتتًا بين الفلبين، وأندونيسيا، وماليزيا، ويصل تعدادهم نحو 470 ألف نسمة في الفلبين، و436,672 نسمة في ماليزيا، وتعداد غير معروف في أندونيسيا وبروناي.

واليوم تتناقص أعداد الذين يولدون ويعيشون في الماء كأسلافهم بسبب الاندماج الثقافي مع الشعوب المجاورة، وجهود الحكومة الماليزية لضم وتوطين شعب الباجاو، فخلال خمسة عقود ماضية هاجر العديد من شعب الباجاو إلى ماليزيا والجزر الجنوبية للفلبين، وفي عام 2010م شكلوا ثاني أكبر الأعراق في إقليم صباح في ماليزيا، وظل الباجاو طوال تاريخهم مجموعات متنقلة عبر البحار، وهم بقايا سلطنة سولو التي يعود تاريخها إلى خمسة قرون، وهي السلطنة التي قاومت سيطرة القوى الاستعمارية (الإسبانية والأمريكية).

وعلى الرغم من أن غجر البحر يشكلون ثاني أكبر مجموعة من السكان المحليين في صباح، إلا أن أصل الباجاو لم يعرف بعد، وربما يكونون قد وفدوا من جوهور في ماليزيا قبل عقود من اندماج مقاطع تيبورنيو لتصبح دولة واحدة، واختلفت الروايات حول أصولهم، حيث تقول بعضها إنهم شعب منع من العيش في الأراضي الماليزية، بعد هجرتهم من الفلبين، وتقول أخرى إن رجلاً ضخماً جداً يدعى باجاو  أمر شعبه باللحاق به، خلال رحلاته البحرية، لأن البحار ستفيض ببركتها وجودها، ما سيسهل عملية الصيد بالنسبة لهم، وقد سمع سكان المناطق القريبة بقصته، فخططوا لقتله بالسهام، إلا أنه نجا منها، وبقيت أسطورته متوارثة عبر الأجيال حتى قيل إن أثره نقش على حجر، يحمل اسمه، ولا يقوى أحد على حمله، ولايزال أفراد القبيلة يهابون حجر الملك باجاو إلى الآن.

وتحكي أسطورة أخرى أنهم ينتمون إلى شعب كان يسكن اليابسة، ويحكمهم ملك له ابنة ابتلعها البحر في عاصفة شديدة، فأمر الملك شعبه بالبحث عن ابنته، فرحلوا إلى البحر باحثين عنها، ولما فشلوا في العثور عليها، قرروا البقاء في البحر خوفاً من الملك، وعلى أي حال فقد تم اكتشافهم، وتسجيل وجودهم بواسطة المكتشف والرحالة الإيطالي أنطونيو بيجافيتا عام 1521م، وذكر في كتاباته اشتهار شعب الباجاو بالقرصنة وتجارة العبيد في فترة الاحتلال الأوروبي لآسيا.

ويتميز الباجاو بمعيشته المتواضعة حيث يقضي أغلب وقته في الماء سواء أكان في أكواخ خشبية مقامة على ركائز أو سيقان خشبية فوق مياه البحر، أو انتقاله وصيده وغوصه في البحار المفتوحة عبر قوارب خشبية صغيرة وبسيطة، وقواربهم أكثر من مجرد زوارق، إنها مكان للحياة تجب حمايته، وعلامة هويتهم، ولها قوة خارقة، ويحترف صغارهم صناعة تلك القوارب الفريدة.

والكثير من أطفالهم -متوسط عددهم خمسة في كل أسرة- لم يمش على اليابسة، وتقام أماكن لهو الأطفال على الجسور الخشبية المنتشرة عبر مساكنهم على بعد أميال من اليابسة، وهم لا يعرفون أعمارهم، فهم خارج الزمن وهو ليس هاماً لهم. ويعتمدون حركة المد والجزر مقياساً للوقت، بدلاً من الدقائق والساعات، لكن منذ ولادته في الأكواخ العائمة يضعون رضيعهم في الماء، وسرعان ما يصبح سباحًا ماهرًا، أما الغواصون الكبار فيعتبرون من أفضل الغواصين في العالم، حيث يستطيعون الغوص لأكثر من 50 مترًا في العمق لعدة دقائق دون أجهزة الغطس ليطاردوا الأسماك بالرمح أو يبحثون عن اللؤلؤ وخيار البحر، ويتمتع شباب الباجاو برؤية جيدة واستثنائية تحت الماء، ومهما انخفضت درجات الحرارة هناك فإن أجسادهم لا تشعر بالبرد، ولديهم قدرة مُدهشة على خفض معدل ضربات القلب بحيث يمكنهم الغوص لفترات تصل لضعف المتوسط العادي، كما تغوص النساء أيضًا لصيد الأسماك، حتى الحوامل منهن.

 تحمي فتيات شعب الباجاو بشرتهن من الشمس بمستحضر يصنعنه منزلياً من عجينة أوراق وجذور نبتات طبيعية مع الماء، وبما أن الغوص يمثل جزءاً كبيراً من حياتهم اليومية، يتعرض معظم السكان لتلف طبلة الأذن في سن مبكرة.

وهم شعب مسالم ومضياف وأغلبه لا يذهب إلى مدارس للتعلم، ويكتفون بدراسة أبعاد شبكة الصيد التي ستساعدهم في اصطياد الإخطبوط، ويكرس الباجاو جل اهتمامه على الحفاظ على تماسكه الاجتماعي، ولا يحتاج إلى تسلسل هرمي، والرجل عندهم يساوي المرأة، كما أنه لا يعرف الطبقية والطائفية، ولا يحكمه زعيم، ولا يتصارع على أرض أو موارد، ولا يعرفون النقود ويعيشون على مقايضة الأسماك والسلع الزراعية، وحيث يتغذى الباجاو على الأسماك، ويكمّلون غذاءهم بالأرز والفاكهة التي يجلبونها من الأدغال، كما لا يحتكون كثيراً بغيرهم من خارج قبيلتهم، وتشتهر مناطقهم لدى السائحين فيما تتمتع به من مواقع غطس جميلة، ومخلوقات بحرية، وشعاب مرجانية بالغة الروعة والجمال.

 ويخلط غجر الباجاو عقائد وشعائر إسلامية بغيرها كالإحيائية (الروحانية) وهي الاعتقاد بوجود الأرواح، كما يعبدون أيضاً إله البحر، ويصلّون حسب معتقدهم  لبعض الأرواح التي تسكن البحر (الجن)، ويعد التمسك بالدين قيمة اجتماعية وأخلاقية عالية، ومع ذلك لا توجد مساجد أو دور عبادة إسلامية على الشواطئ القريبة من أكواخهم الخشبية، كما توجد منهم أقليات تعتنق المسيحية البروتستانتية والكاثوليكية بالإضافة إلى بعض الأديان والأعراف التقليدية.

ويتحدث شعب الباجاو أكثر من عشر لغات أهمها لغات الملايو بولينيزية، وهي لغات الأسترونيزية يتحدث بها حوالي 385 مليون شخص يستقرون في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ وبشكل أقل في آسيا ومدغشقر، وهي خليط من اللغات السنسكريتية والعربية، ويمكن لمجموعات شعب الباجاو أن تفهم لغة بعضها بعضاً.

قبائل جاكون

من بين غجر البحر.. توجد قبائل جاكون، وهم جنس أصيل ينتشر في جميع أنحاء جنوب شبه جزيرة مالاي، وعلى الساحل، وقد امتزجوا بالقبائل الأخرى، وتنقسم القبائل إلى مجموعتين: جاكون الغابات، وجاكون البحر أو أورانغ لاوت، والمجموعة الأخيرة تتكون الآن من بقايا القراصنة وغجر البحر في مضيق مالكان، وجميع قبائل غجر البحر يعتقدون بمذهب مفاده: أي إن البشر يقفون على نفس المستوى من الطبيعة وليس أعلى منها، وإن احترام الطبيعة وكل ما حولها أمر ضروري، ومرة في العام يصطاد غجر البحر السلاحف البحرية ويأكلون لحومها، وهو واحد من أهم نشاطات مجتمعاتهم، ويعبد غجر البحر سلاحف البحر باعتبارها شقيقة للبشر، وخلال فترة الجزر يجمعون خيار البحر وسمك الأنقليس، وعند المد يغوصون طلباً للمحار، ويقضون تسعة أشهر في قواربهم بحثاً عن الطعام، وقواربهم المسقوفة مغطاة عادة بالسمك، وخيار البحر وغيرهما من المنتجات البحرية لتجفيفها وبيعها في الأسواق، وخلال موسمي الصيف والشتاء يعيشون على الأسماك وجمع المنتجات البحرية، وخلال موسم الإمطار يعيشون في أقرب جزيرة يمكنهم الوصول إليها.

قواسم حياة مشتركة

يولدون ويعيشون ويموتون في البحار، وتعتبر القوارب والأكواخ الخشبية ضرورة معيشية لا غنى لهم عنها، حيث يأكلون ويشربون وينامون وينجبون، وهم صيادون وغواصون مهرة، وعارفون بالبحار وأحوالها وتقلباتها، وعلاقتهم بالمال محدودة للغاية، فتجارتهم الأصلية مؤسسة على مقايضة السمك والمحار والقواقع بما يحتاجونه، وعندما يحصلون على أموال يحولونها إلى منتجات مثل الأرز والبيض والحلويات، وفي كل أحوالهم يغمرهم شعور بالسلام والصفاء، حيث يعيش هؤلاء البسطاء، ولا يعرفون أي شيء سوى الحياة في الماء وعبر الماء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.