غارات


السّماء ترسل السّلام مرّتين فقط؛ مرّة في اللّيل ومرّة في النّهار، في ضوء سلام اللّيل ترى الظّلام، وهو غاضب من الضّياء فيتصارع معه، ويتجاذبان أطراف العراك على مرّ الأيّام واللّيالي، وفي ضوء سلام النّهار ترى الضّياء منتصرًا بعد عراك خاضه، فهو يتنافس أن يرسل وميضًا إلى ضوء اللّيل يأمره بالثّبات.

وبين كلا الضوءين جسر ممدود، وحبال متينة؛ لتوطيد العلاقة بينهما، وتوحيد الجهود المضنية ليخلد كلّ منهم الآخر في المجرّة

اللّولبيّة المنهارة، وكلّ حبل من تلك الحبال منغرس في طلاسم الوجود المتبعثرة حوله، وهو بذلك يرسل إشارات حمراء إلى مخلوق الأرض وساكنيه، ويخبرهم بما يدور لهم وحولهم ممّا يؤججهم على التّمسّك بقوّة بتلك الحبال حتّى يثبت هو الآخر حقّه في البقاء.

ومن دون جدوى، فالحديد المسجور بأنواع من الفيتامينات - البارود القتالية - صار يقطع أزهارًا من حدائق الأرض بلا خجل أو تراحم،

ويأخذ العطر الفائح من صدره؛ ليصعد به نحو السّماء الصّافية ليكدرها بلون الحمرة الدّالة على الفتنة والزّيغ والشّنق والأشلاء... وكلّ زهر وكلّ ربيع، وكلّ بستان صار ينصبّ عرقًا وهو يرتجف ويرتعد، قد اصفرّ لونه من كثرة البكاء والنّشيب...

في كلّ بلد وقرية وبيت ناس بلا أرواح جرّاء تلك الفيضانات الحديديّة والأمطار الغزيرة الّتي تهطل ليل نهار... سئمت من الكلام والكتابة وارتعدت الأطراف منّي لما أشاهده.. هذه الأرواح بحّت حناجرها واخضوضبت، وراحت النّفوس تبني أوطانًا من القبور النّاطقات، هذه الدّيار الصّامتة، وتلك المدن الصّاخبة ما علاقة الحبّ بينها؟ وما علاقة العداوة بينها؟ ألا يتحمّل هذه الإنسان الجميل في بهائه ومنظره  أن تعيش تلك النّفوس الطّاهرات في تلك الدّيار الصّامتة؟

تهرول القطعان نحو صائدها ليل نهار، وهو يزهق أرواحها بلا خجل ودون توقّف، هناك على الحدود حكايات وقصص وأناشيد في لهيب الرّياح السّوداء حيث تئنّ الأرواح البريئة وتتطاير مع الجوّ في كلّ صوب... للعيش هناك كرامة وللإنسان هناك قيمة؛ حيث تبتلّ الحناجر وتخضب بألوان الورد والرّياحين...

بقلم الكاتب


مؤلف وباحث ومترجم سابق لدى َمكتبة دار السلام بالرياض فرع لاهور


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مقال رائع
ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال رائع
ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مؤلف وباحث ومترجم سابق لدى َمكتبة دار السلام بالرياض فرع لاهور