تُعد قصة ماريا دوس براسيروس واحدة من أروع الإبداعات الأدبية للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، نُشرت هذه القصة ضمن مجموعته الشهيرة (اثنتا عشرة قصة قصيرة مهاجرة) عام 1979م، لتقدم للقارئ وجبة سردية دسمة تمزج بين الواقعية السحرية والعمق الفلسفي.
وتدور أحداث القصة عن امرأة مسنة تستعد لموتها المحتوم، لتأخذنا في رحلة نفسية معقدة عبر ذكرياتها ومخاوفها، وتكشف لنا عن كيف يمكن للحياة أن تفاجئنا وتنبض من جديد في اللحظات التي نظن فيها أن النهاية قد حانت.
في هذا الملخص التحليلي، نغوص في أعماق شخصية ماريا وتفاصيل حكايتها التي تلامس الوجدان البشري وتتحدى فكرة الموت ذاته.
يتربع الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز على عرش الأدب العالمي بوصفه أحد أبرز رواد مدرسة الواقعية العجائبية، فهو يستعرض عبر مؤلفاته الخالدة عمق النفس البشرية وتناقضاتها. ولا يقتصر إرثه الإبداعي على الروايات الملحمية فحسب، بل يمتد إلى روائع القصص القصيرة التي تبهر القراء بجمالياتها السردية وفلسفتها العميقة.
في هذا المقال نستعرض ملامح من مسيرة هذا الكاتب الحائز على جائزة نوبل، وأشهر أعماله وأقواله، مع تقديم ملخص تفصيلي لقصته الشهيرة «ماريا دوس براسيروس»، تلك التحفة التي تأخذنا في رحلة مشوقة بين هواجس الفناء وشغف البدايات الجديدة.

بداية الحكاية: زائر الصباح غير المتوقع
كانت ماريا دوس براسيروس نائمة حينما وصل مندوب مؤسسة دفن الموتى؛ كان شابًا خجولًا يرتدي سترة أنيقة ورابطة عنق مزينة بعصافير ملونة، ولم يكن يرتدي معطفًا على الرغم من ربيع برشلونة الماطر.
وكانت ماريا، القاطنة في كتالونيا منذ أكثر من خمسين سنة، متيقنة من أنها ستموت قريبًا؛ فقد حلمت بذلك قبل ثلاثة أشهر، وكانت تتحدث الكتلانية بطلاقة على الرغم من أن البرتغالية ما زالت تظهر في كلامها. وعلى الرغم من أن المندوب كان جديدًا في المهنة، فإنه كان يعرف حقيقة مهنته جيدًا، بحيث لا يأمل بمثل ذلك الاستقبال في الثامنة صباحًا، ولا سيما من امرأة مسنة تبلغ من العمر سبعة وستين عامًا، فبدت له للوهلة الأولى أنها معتوهة.
اختيار الملاذ الأخير: الهرب من فيضانات الذاكرة
فتح المندوب على المنضدة مخططًا للمقبرة، فأدركت أنه المخطط الخاص بمقبرة (مونجويك)، وتذكرت بفزع مقبرة (ماناوس) الغارقة تحت الأمطار، حيث كانت الحيوانات تغوص في الماء الموحل بين القبور. ففي أحد تلك الأيام، حين كانت لا تزال طفلة صغيرة، رأت في الصباح أن الماء قد غطى وطغى على ما حوله، فحوله لمستنقع نتن، وشاهدت حينها التوابيت المحطمة تطفو في فناء بيتها، فكانت تلك الذكرى هي السبب الذي جعلها تختار المقبرة القابعة على هضبة (مونجويك) -والتي لا تصل إليها المياه- لكي ترقد فيها بسلام، بدلًا من أن تختار مقبرة (سان خيرفاسيو) على الرغم من قربها منها.
شواهد بلا أسماء وجنازة دوروتي التاريخية
أخذت تنظر في المخطط حتى وجدت القبور الثلاثة التي لا أسماء عليها، وتذكَّرت على الفور صاحب الجنازة الأكثر حزنًا في برشلونة، ألا وهو (بوينا فينتورا دوروتي)، الذي كانت ترغب في الرقود بالقرب منه، بالإضافة لقائدين ماتا في الحرب الأهلية. ففي كل ليلة كان هناك من يكتب الأسماء على شواهد القبور، كانوا يكتبونها بالقلم الرصاص، أو بالفحم، أو بطلاء الأظافر، وفي كل صباح كان يمحو الحراس الأسماء لكي لا يعرف أحد من الذي تحت الثرى.
وصية ماريا وشروط الدفن الصعبة
قالت للمندوب: «عليكم ألا تحشروني في أحد الأدراج لخمس سنوات كأنني في علبة بريد، وعليكم أن تدفنوني مستلقية على ظهري تحت التراب، بعيدًا عن الفيضانات، وإن أمكن تحت ظل الأشجار في الصيف، ولا تخرجوني بعد بضع سنوات لتلقوا بي في القمامة».
لكن لسوء حظها، علمت من المندوب أن جثمانها سيخضع لقضاء فصول الصيف بعيدًا عن ظل الأشجار، لأن الأماكن الظليلة المتبقية في المقبرة قد حُجزت لذوي المراتب العليا في الدولة. وكانت قد سرت قبل ذلك إشاعة تقول إنهم يحفرون قبورًا عمودية للاقتصاد في المكان، فأوضح لها المندوب بكلامه الذي حفظه عن ظهر قلب، بأن تلك الرواية هي أكذوبة لا أساس لها من الصحة.
وفي تلك اللحظة عاد كلبها (نوي) من نزهته مبللًا بماء المطر، وأصيب لدى دخوله بنوبة فرح، فقفز إلى الطاولة وأخذ ينبح، وكاد أن يفسد مخطط المقبرة بقوائمه الملوثة بالوحل، ولكن نظرة واحدة منها كانت كافية لتهدئة اندفاعه، فانكمش الكلب على نفسه ونظر إليها مرعوبًا.
لغة الكلاب الطبيعية: بين الفرح والبكاء
لكنها أخذت تكمل حديثها مع المندوب، فرأته واجمًا، فقال لها: «لقد بكى».
فقالت له: «لقد فرح لأنه وجد شخصًا هنا، إنه يدخل البيت عادة بحذر شديد، جميع الكلاب يمكنها عمل ذلك إذا دُرّبت؛ كل ما في الأمر أن أصحاب الكلاب يقضون حياتهم في تعليمها عادات تسبب لها الألم، كأن تأكل في أطباق أو تقضي حاجاتها في أمكنة معينة، ولا يعلمونها بالمقابل الأشياء الطبيعية التي تروقها كالضحك والبكاء».
ترتيب الممتلكات وزيارات «الكونت» المتخفية
لما غادر المندوب، أخذت ماريا تداعب كلبها؛ كانت قد رتبت بدقة شديدة مسألة توزيع ممتلكاتها بعد موتها، وكانت مستعدة للموت في تلك اللحظة دون أن تزعج أحدًا. لقد اعتزلت عملها بإرادتها بعد أن جمعت ثروة طائلة دون أي شقاء يُذكر.
والعلاقة الوحيدة التي بقيت لها من ماضيها هي صداقتها مع «الكونت دي كاردونا»، الذي واظب على زيارتها كعادته بين السادسة والتاسعة مساءً في الجمعة الأخيرة من كل شهر، لتناول العشاء وممارسة الحب معها، تاركًا لها قبل أن ينصرف خمسة وعشرين (بيزيتا)، وكان هذا هو الثمن الذي تتقاضاه حين تعرف عليها بأحد الفنادق في شارع (باراليلو)؛ كان يترك سيارته على مسافة بعيدة، ويذهب إليها متخفيًا في الظلام لحماية كرامته وكرامتها.
وفي إحدى المرات، كانت ماريا دوس برازيريس تعد له طعام الكتلانيين المفضل، ألا وهو معكرونة في الفرن ودجاجًا بالصلصة، وبينما كانت منهمكة في إعداد الطعام، كان «الكونت» يستمع من الغراموفون إلى مقاطع قديمة من الأوبرا الإيطالية. لقد كانت مدينة له ببعض الخدمات؛ فقد كان يسدي لها النصح لتستثمر مدخراتها جيدًا، وأخبرها بالقيمة الحقيقية لممتلكاتها الأثرية، وكيفية حيازتها بطريقة لا يُكشف معها أنها أشياء مسروقة، والأهم من ذلك أنه أشار عليها بأن تعيش في (غراسيا)، حين أخبروها في دار البغاء الذي أمضت فيه حياتها أنها لم تعد مناسبة للأذواق المعاصرة، فقرروا إرسالها إلى دار لتعليم الأطفال ممارسة الحب.
الماضي القاسي ونقطة التحول السياسية
كانت قد روت له أن والدتها قد قامت ببيعها وهي في الرابعة عشرة من عمرها في ميناء (ماناوس). كلاهما كان مدركًا أن ما يجمع بينهما قليل جدًا، بل إنهما لم يكونا يشعران بالوحدة قدر شعورهما بها وهما معًا؛ كانا بحاجةٍ لحدوث شيء ما كي يدركا معًا كم كان يكره كل منهما الآخر.
وقد جاء الحدث حينما كان «الكونت» يستمع لأغنية تغنيها (ليسيا ألبانيسي) مع (بينيامين جيجلي)، فقد سَمِعَ من المذياع أن «الجنرال» (فرانشيسكو فرانكو) -دكتاتور إسبانيا مدى الحياة- قد تولى مسؤولية تقرير المصير النهائي لثلاثة انفصاليين صدر بحقهم حكم الإعدام. فأطلق «الكونت» تنهيدة اطمئنان وقال: «سيرمونهم بالرصاص إذًا، لأن الزعيم رجل عادل»، فثبتت ماريا عينيها صوب حدقتيه الخاليتين من الشفقة وقالت له: «عليك أن تتضرع إلى الله ألا يحدث ذلك، لأنه إذا أعدم واحدًا منهم فسأضع لك السم في الحساء»، فلم يذهب إليها «الكونت» بعد ذلك أبدًا.
الوفاء للرحيل: تدريب الكلب (نوي) على الوفاء
أثبت لها توزيع ثروتها أنها أكثر رسوخًا مما كانت تعتقد، فحتى أتفه الأشياء وزعتها على أقرب الناس لقلبها وهم أقربهم إلى بيتها، بل إنها لم تكن مقتنعة رغم ذلك بأنها عادلة، لكنها كانت واثقة من أنها لم تنس أحدًا.
واظبت ماريا على زيارة المقابر في أيام الآحاد، وكجيرانها بدأت تغرس الأزهار بالأحواض المحيطة بالقبور، وفي أول زيارة لها أحست بأن قلبها يقفز من مكانه حين رأت القبور الثلاثة التي لا تحمل أسماء، لكنها لم تتوقف حتى للنظر إليها لأن الحارس كان على بعد خطوات منها، إلا إنها انتهزت في زيارة أخرى سهو الحارس فأنجزت حلمًا آخر من أحلامها، فكتبت بأحمر الشفاه على شاهد قبر (دوروتي)، وأصبحت منذ ذلك الحين تفعل الشيء نفسه كلما سنحت لها الفرصة.
وبعد عدة محاولات فاشلة، تمكنت أخيرًا من جعل كلبها (نوي) يميز قبرها، ثم أخذت تعلمه البكاء فوق القبر كي يعتاد على ذلك بعد موتها، وأخذته عدة مرات سيرًا على الأقدام من بيتها للمقبرة كي يحفظ الطريق، إلى أن رأت أنه قد أتقن ذلك بما يكفي لإرساله بمفرده.
وفي يوم الأحد الذي أجرت فيه التجربة الأخيرة، رأته ينعطف باتجاه البحر عند ناصية (كاييه مايور)، بعد ذلك استقلت حافلة (لاس رامبلاس) من ساحة (ديليسبس) لتشاهده، فرأته ينتظر تبدل ضوء إشارة المرور ليعبر شارع (باسيو دي غراسيا). بعدها، وجدت عددًا من زائري القبور الذين كانت قد التقت بهم في السابق، لكنها لا تكاد تتذكرهم، فقد مرَّ وقت طويل منذ أن رأتهم أول مرة، حتى إنهم ما عادوا يلبسون ثياب الحداد ولا يبكون، بل يضعون الأزهار على القبور فحسب دون أن يفكروا بموتاهم، وحينما ظهر (نوي)، تلاشت مخاوفها من ألا تجد من يبكي على قبرها.
نُذر الشؤم وأصداء الموت في برشلونة
في الخريف التالي بدأت تشعر بنُذر شؤم من موتها المؤكد، فعادت لتناول القهوة تحت أشجار (الأكاسيا) الذهبية بمعطفها ذي الياقة المصنوعة من ذيول الثعالب، وفي عيد الميلاد علقوا أنوارًا على أشجار الأكاسيا، وصدحت الموسيقى من الشرفات، لكنها حتى وهي بتلك الأجواء الاحتفالية كانت تشعر بالتوتر نفسه.
استيقظت مفزوعة ذات مرة وهي لا تزال في منتصف الحلم. وفي إحدى الليالي أطلق مخبرو أمن الدولة الرصاص قبالة نافذتها على طالبٍ كان قد كتب على الجدار بفرشاة دهان: «تحيا كتالونيا حرة»، فقالت لنفسها: «يبدو كأنهم يموتون معي!».
عند الفجر، هدأت ضوضاء الليل فجأة، وخيَّمَ على الغابات الأمازونية صمت كصمت الموت، فأيقنت أن الحلقة الأخيرة من حياتها قد أُغلقت، فأوصت بإعداد لوحة من الحجر لقبرها دون اسم أو تاريخ، وبدأت تنام دون أن تُغلق الباب كي يتسنى لـ (نوي) أن يخرج ويلفت انتباه الناس بنباحه، فيعلموا أنها قد فارقت الحياة.
عند عودتها من المقبرة في يومٍ من أيام الآحاد، التقت في ساحة (ديامنتي) بالطفلة التي تعيش في البيت المقابل، فسارت معها وأخذت تراقبها وهي تلعب مع (نوي) كصديقين قديمين، وسألتها: «هل تحبين الكلاب؟».
فأجابت الطفلة: «إنني مفتونة بها».
فقالت لها: «إذا حدث لي شيء في يومٍ من الأيام، خذي (نوي) واعتني به»، شارطة أن تُطلقي سراحه في أيام الآحاد، ولا تكترثي بشأنه، فهو يعرف ما يجب عليه فعله.
العاصفة الثلجية والمفاجأة غير المتوقعة
عند خروجها من المقبرة في يومٍ من أيام تشرين الأول/ أكتوبر الجليدية، باغتتها عاصفة ثلجية، وفي طريقها لموقف الحافلة تبللت تمامًا تحت زخات المطر، وبينما كانت تحاول أن تدفئ الكلب بجسدها، كانت ترى الحافلات تمر مزدحمةً بالركاب، وسيارات الأجرة تمر فارغةً، ولم يلتفت إليها أحد وهي تشير بيدها كالغريق. وفجأة توقفت بجانبها سيارة فارهة، وعَرَضَ عليها قائدها إيصالها، فوافقت على مضض بعد أن علمت أنه ذاهب إلى (غراسيا).
قالت، لأنها شعرت بأنه يجب عليها أن تقول شيئًا: «لم أرَ سيارة كتلك في حياتي، حتى ولا في الأحلام».
فقال لها قائدها: «الحقيقة أن الشيء السيئ الوحيد فيها هو أنها ليست لي، حتى راتبي مدى الحياة لا يكفي لشرائها».
لم يتبادلا الحديث بقية الطريق، لكنها تألمت لأنها ما زالت حية بعد هذه السن، وأحست أن حالها يدعو للرثاء.
نقطة التحول: إعادة تفسير النبوءة والتمسك بالحياة
طلبت من قائد السيارة أن يتركها عند ناصية قريبة، لكنه أصر على إيصالها حتى بيتها، ولم يفعل ذلك فحسب، فقد أوقف السيارة وسألها بصوت حازم: «هل أصعد؟».
فقالت له بعد أن شعرت بالإهانة: «أشكرك لأنك أوصلتني، لكنني لا أسمح لك بأن تسخر مني».
فقال لها: «ليس هناك ما يدعو للسخرية».
فقالت له: «افعل ما تشاء».
بدأت تصعد السلم وركبتاها ترتعشان، ما كان لها أن تصدق أنه ممكن إلا في لحظة الموت، وعندما توقفت مرتجفة أمام باب الطابق الأول تبحث عن المفاتيح في حقيبتها، تذكرت الحلم الذي بدَّل حياتها تمامًا طيلة ثلاث سنوات، وأدركت خطأ تفسيرها، وقالت: «لم يكن نذير موت إذًا».
وأخيرًا، وجدت ثقب المفتاح وهي تسمع خطواته وأنفاسه المرتعدة مثلها، عندئذ أدركت أن الانتظار سنوات لم يكن عبثًا، حتى ولو لمجرد أن تعيش تلك اللحظة فقط!
تنويه: إن ما قرأتموه لا يغني إطلاقًا عن قراءة القصة.
إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.