عدّد رأس مالك


هل فكرت يوما؟ بحجم رأس مالك الاقتصادي؟ لابد أنك فكرت! ولربما اهتممت بذلك تفصيلا وادخرت واستثمرت، هل يمكنك استيعاب أهمية دخلك المادي أمام حجم مصروفاتك، وهل تفاضل بين رغباتك الشرائية واحتياجاتك، وهل وهل؟ دوامة من الأسئلة تدل على حجم المساحة التي يشغلها الوضع المادي من رأس كل انسان! 

وأمام هذا الواقع يقف واقع آخر يستحق منا ذات الاهتمام والرعاية والتفقد والتطوير، ألا وهو رأس المال الثقافي، هذا المُصطلح الذي قد يُثير انتباهك وفضولك، ابتكره بيير بورديو، منوهاً أنه مثلما قد يُكدّس الأفراد رأس المال الاقتصادي (ثروة البيع والشراء وكسب الأموال)، فإنهم يتوجب عليهم تكديس رأس المال الثقافي أيضا! ولا بد أنك تتساءل عن المقصد وأجيبك باختصار هو مخزن الفرد من المعرفة والمهارات المُكتسبة.

أي أنها كما يعرفها علم الاجتماع الأصول الاجتماعية للشخص مثل التعليم والفكر، وأسلوب اللباس وطريقة الكلام، والمعرفة المُكتسبة عن وعي والموروثة عن طريق التنشئة الاجتماعية للثقافة والتقاليد، كما تشمل المعرفة الثقافية المُتراكمة التي تمنح المرء الوضع الاجتماعي، والجدير بالذكر أن رأس المال الثقافي يتم اكتسابه مع مرور الوقت، ولا يمكن نقله، حيث إنه يؤثر بعادات الشخص وطريقة تفكيره، في حين أن رأس المال الاجتماعي يمكن نقله للأجيال فهو ينتقل للأشخاص من خلال منح العائلات لأبنائها مجموعة من أنماط الحياة المُتميزة، وشبكة من العلاقات الاجتماعية القوية التي تصبح شكلاً من التميّز تستفيد منه أجيال تالية، فثمّة اتجاه لدى هذه العائلات نحو صياغة سلوك أفرادها، وتشكيل قيمهم على مدار الزمن، ويتم ذلك من خلال بعض الممارسات مثل نمط من التعامل الراقي، التأهيل العلمي والأخلاقي، تدعيم عادات فردية مُعينة، وتوفير مستوى معيشي مُغاير.

أما الثقافة فهي عنصر من العناصر وكل ما نحتاجه منها أن تكون ثقافة مدروسة، ثقافة حقيقية، تهتم بالأدب والأدباء، وإصدار الكتب، وإنتاج الفنون، وغيرها من صور الأدب، إن هذا الرصيد الثقافي يشمل التعليم، ومقدار ما تملكه الأسرة من كتب أدبية، ومكتبة منزلية، وممارسات ثقافية، وتجارب وخبرات على أرض الأمسيات الثقافية المختلفة! 

باختصار كما يهمك رأس مالك الاقتصادي، من الحري أن يهمك رأس مالك الثقافي والاجتماعي أيضا لنفسك قبل أبناءك، وهنا أتذكر الحرص على اختيار نظام التعليم والمؤسسة التعليمية، والبرامج الاثرائية، وجودة كلا منهما، أشير أيضا إلى المحيط والبيئة التي نختارها لينشأ فيها الأبناء أو التي نختارها لأنفسنا لنتأثر بها ونؤثر ونتبادل الخبرات، أشير إلى حجم الأوقات التي نخطط في صرفها للمتعة وأخرى للثقافة، وأهمية زيارة المتاحف والأمسيات الثقافية، والمكتبات، ودور الأدب والفن، والورش المختلفة لا سيما في السفر أمام بوابة ثقافة مختلفة! يتضمن ذلك أيضا عدد الكتب المقتناة، والوقت المصروف لنقاشها، أشير هنا إلى تلك الأم المتعبة التي بدأت يومها وخيال غلاف كتاب يلاحقها من مهمة لأخرى حتى ابتاعتها وتمددت ليلا وقرأتها على فلذاتها، وهي تحلم برأس مال ثقافي يقيم لابنها أو ابنتها عوده، أشير إلى الأم التي تكبدت عناء البحث عن بيئة جديدة لأن الصحبة التي تحوم حول صغارها لن تساهم في بناء ذاك الحلم! والأم التي نافحت وكافحت حتى أقامت داخل الحرم المدرسي مكتبة، لتكون رافدا لأجيال، والأم التي جاهدت حتى أقنعت من حولها بضرورة خوض تجارب ثقافية مختلفة في الاجازات، والأم التي وضعت دستور من القيم لتشيد رأس مال ثقافي تحلم به! والأم التي عانت الكثير لينعم أبنائها بأوقات لخالية من الأجهزة الالكترونية.

لا تخجل أبدا من تغيير البيئة إن لم تخدم مرادك، لا تخجل من التعرف والاندماج مع من تتوسم فيهم القدرة على رفع سقف ثقافتك، لا تقف محرجا أو عاجزا عن الانسحاب من علاقات تبدد ثروتك الثقافية وتنتزعها منك بدعاوي واهية أو واهمة، ثقافتك رأس مال ثقافتك مكسب، ثقافتك تستحق جهدك، ثقافتك نمائك.

تذكر لا يقتصر رأس مالك على ذلك! 

بقلم الكاتب


Diligent, ambitious business professional and certified emotional intelligence practitioner with more than 12 years of diverse experience making an impact across multiple industries. Strategic thinker with a proven track record of successfully planning and managing financial, personnel, and operational aspects. Dynamic leader adept at building and retaining high-performing teams. Core strengths include lecturing/training, general management, and program development. Ready to leverage knowledge and experience to provide exceptional experiences for students, faculty, and staff at a renowned educational institution.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

المشكلة ان راسمالنا من الثقافة لا يعجب أحد مهما بلغت من الغنى مبلغا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Diligent, ambitious business professional and certified emotional intelligence practitioner with more than 12 years of diverse experience making an impact across multiple industries. Strategic thinker with a proven track record of successfully planning and managing financial, personnel, and operational aspects. Dynamic leader adept at building and retaining high-performing teams. Core strengths include lecturing/training, general management, and program development. Ready to leverage knowledge and experience to provide exceptional experiences for students, faculty, and staff at a renowned educational institution.