وُلدتُ في وطن لم أختره، لكن كان يجب عليَّ أن ألتزم بالانتماء له.
إنه وطنٌ ظالم، يُظلم فيه أهله، ويُظلم ترابه وهواؤه، حتى الانتماء إليه يتحوَّل إلى عبء ثقيل.
لماذا أظل هنا؟ هل أنا كائنٌ ثابت؟
أتوق للرحيل، لكن إلى أين يمكنني الذهاب؟ من الأليم ألا يقبلني أحد بسبب أصولي.
ومع ذلك، يجب أن أترك هذا المكان، حتى وإن كنت لا أرحل حقًا.
لن يكون هناك خروج، وإذا حدث، سيظل الحنين يلاحقني.
فكَّرتُ في مغادرتك، لكن لعنتك تلاحقني.
حتى عندما جهَّزت أمتعتي، تذكرت أن جواز سفري منتهٍ، بل إنه لا يوجد لديَّ جواز سفر.
وعندما تذكرت ذلك، أخبروني أنني بحاجة إلى إثبات هوية.
وهذا أمر مخجل، فليس لدي هوية.
لماذا تحتاج الهوية؟
هل حقًا أمتلك هوية؟
ذهبت لأستخرج واحدة، وطلب المسؤول شهادة من العمدة.
قلت له: «ألا تعرفني؟».
ردَّ: «نعم، أعرفك، لكن يجب أن تكون لديك شهادة من العمدة. حتى لو كنت راحلًا، ستظل مسجَّلًا في هذا البلد».
طلب رشوة ليكتب الشهادة ويختمها.
حتى وإن حاولت الهروب، ستدفع الثمن.
لكن المسؤول نفسه رفض مرة أخرى، وطلب شهادة ميلاد.
لا أملك شهادة ميلاد.
من قال لكم إنني وُلدت؟
عدنا إلى العمدة ليكتب شهادة الميلاد.
قال لي: «ما اسمك؟».
أجبته: «لا أعرف. يقول الناس إنني اسمي سعيد، لكنهم كاذبون. لم أعرف السعادة في حياتي، والصحيح أنه لم تكن لديَّ حياة لأكون سعيدًا فيها».
سألني: «كم عمرك؟».
قلت: «لا أدري. تقول جدتي إنني وُلدت في السنة التي اجتاح فيها مرض بلادنا، ومات ناس كثيرون، وكِدت أموت حينها، ربما كنت قد متُّ في تلك اللحظة».
سأل العمدة رجلًا بجانبه: «متى ظهر ذلك المرض؟».
أجاب: «لا أدري، لكن أعتقد أنه جاء بعد عودة الحاج يحيى من الحج».
قال العمدة: «صحيح. ولكن في أي عام عاد الحاج يحيى؟».
ردَّ: «لا نعلم».
قلت إنني وُلدت في عام 1947.
رد العمدة: «كان ذلك منذ زمن بعيد».
ضحكت، لأنني رميت رقمًا عشوائيًا هكذا لأتخلص من تاريخ هذا الوطن المريض.
في هذه اللحظة، شعرت أنني مجرد كائن عابر، أبحث عن مخرج من تاريخ يلاحقني.
قال العمدة: «عليك أن تدفع ثمن الختم، يا بني. أنت ستغادر، ولن يراك أحد، ادفع الآن ثمن خروجك، وانتبه، إذا عدت، ستكون ملعونًا».
دفعت. وحصلت على شهادة ميلاد بلا ولادة، وإثبات هوية بلا هوية، وجواز سفر بلا سفر.
---
وقفتُ أسأل نفسي: أين سأذهب؟
لا أعلم.
أريد وطنًا غير هذا.
الأهم أن يقبل هذا الجواز التعيس، مثل صاحبه، بلا تأشيرة.
لكن السؤال يبقى: هل يمكن للهروب من الماضي أن يكون بداية جديدة؟
قال شخص بجانبي:
«إلى البحر، يا صديقي. هناك سنجد بلدًا آخر يقبلنا. حتى وإن كنا نكنس شوارعها، سيكون ذلك دليلًا على وجودنا».
في البحر، تتلاطم الأمواج فيما بينها.
تارة نرى الموت، وأخرى نرى الحياة.
في تلك اللحظات، كانت الأمواج تتحدث بلغة غامضة، تتسابق مع أفكاري وتدفعني إلى أعماق جديدة.
بصراحة، لم أعد أهتم بالموت والحياة، فالأمر سيَّان.
فقد تركت تلك البلاد التي سيكون موتي فيها فاجعة.
التفتُّ إلى الركاب حولي، فكنت أرى عيونهم محملة بالذكريات والآلام.
أحدهم، رجل مسن ذو لحية بيضاء، همس لي:
«كلنا نبحث عن مرفأ، لكننا نبحر في بحر مجهول».
كلماته كانت كأصداء الماضي، تظهر أحلامًا ضائعة.
تظهر يابسة في الأفق، لكننا لا نعلم إلى أين.
لم أسأل أي شخص من الركاب.
ابتسم صديقي، في حين بقيتُ عابسًا.
كانت تلك الابتسامة مزيجًا من الأمل واليأس، وكأنها تظهر ما يجول في داخلي.
عندما نزلت، اختفيت عن أنظار من كانوا معي.
ذهبت بعيدًا، ثم ركبت مع قافلة من الجمال إلى مكان آخر، هاربًا من كل من يذكرني بتلك البلاد التي غادرتها.
استقررت في مدينة لا تشبهني، لكني شعرت بالسعادة فيها.
كانت المدينة تشبه حلمًا بعيدًا، حيث لا أحد يعرفني، ولا أعرف أحدًا.
حتى لو متُّ، سيكون موتي جميلًا.
---
عملت سنوات طويلة، ولم تكن تلك السنون سهلة، بل حملت آثارًا ومصاعب وتحديات.
لكن كانت هناك متعة لا توصف.
تلك السنوات كانت مليئة بالصراعات.
كل يوم كان معركة جديدة، لكن في خضم كل ذلك، وجدت نفسي.
أحيانًا كنت أسترجع ذكرياتي،
أشعر بالحنين إلى ماضٍ لم يعطني شيئًا سوى الألم.
لكن في تلك المدينة الجديدة، كان النجاح بانتظاري.
كنت أعمل بجد، وكأنني أحاول بناء جسور من الأمل في بحر من اليأس.
---
وبعد 64 عامًا من الغياب، عدت.
عدت بعد 64 عامًا، ولم يتغير شيء،
سوى أن العمدة والأجيال قبله وبعده قد رحلوا،
لكن الوضع المزري الذي هربت منه لا يزال كما هو.
لا تزال الناس تعاني،
لا تزال الذكريات تسود كل شيء.
هربت وأنا مراهق في الثالثة عشرة من عمري،
وأعود اليوم بعد 64 عامًا،
حيث بلغت السابعة والسبعين.
إنها عودة للموت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.