أساس الوجود إنسان باحث، يقتنص المعرفة التي توصله إلى الغاية المرجوّة سواء أكانت خيرة، أم خبيثة شريرة، فهو في معترك بحث عن الحقيقة.
لكن الدافع غالباً ما يكون في البحث خيراً، فيتشبّث به ربما دهوراً، وربما يقضي عمره الوجودي في البحث عن هدف، يحيا لأجله، فتعتري طريقة بحثه صعوبات.
وفجوات عميقة، وهوّات سحيقة، تجعله يغير الأساليب، والطرق، والنظريات، التي تقوده إلى ما يعتقد، لكن في الأحايين الأخرى.
اقرأ أيضاً ما زال يزهر في أعماقنا الأمل
قيمة الأمل في الحياة
يقع ضحيّة هذا البحث الذي ربّما لا ينتهي، فيقع في اليأس، وهنا تتحتّم على عقله الحكمة للخروج نحو الخلاص، فيظهر هنا وجود الأمل في الخلاص في معناه الرّوحيّ والعمليّ نحو الواقع والهدف اللذين أوجدهما الوجود للإنسان الباحث.
ونحن أمام عجلة الحياة السريعة المتغيّرة دومًا نقف في محطّات حياتنا، نزرع بذور العمل، والرجاء في نهايات طرق وأفكار.
وُلدت حين احتوانا اليأس المطلق نحو الهلاك، أو الشعور بالنهاية التي لا حلّ لها، فنتكوّر في بؤر من السوداويّة والتشاؤم، لنصير حقلاً من التجارب، ومن الفرضيّات العديدة، نحاول جاهدين الخروج من هذه البوّابة المدلهّمة بالظلام.
اقرأ أيضاً علم الأحياء الكمومية الأمل الذي يرجوه العِلم
العقل والوصول إلى الأمل
بينما العقل والدافع نحو الوصول يجتهدان حثيثًا لتعبيد طريق الخروج الآمن، فيتولّد هنا الأمل، الذي هو فانوس الهداية نحو الضفة الأخرى من الحياة، وهذا ما عناه الفيلسوف الألماني الماركسي إرنست بلوخ حينما عرّف الأمل في تأمّله للحياة الوجوديّة: "الأمل هو اعتراف بأنّ الأفق مفتوح، وإقرارٌ بأنّ المستقبل لن يكون إلا كما نريده.
وليس معنى هذا أنّ الأمل بطبعه تهوّر واندفاع"، وهنا لا بدّ من القول: إنّ الطرق المتعمّدة نحو بلوغ الأمل هو خلق وإبداع خيّران، وليس في مدارك الشر القاتل الذي يخلق الأزمات، فتتكشّف لنا في نهاية النفق المظلم حقائق العمل.
اقرأ أيضاً الأمل.. من درجات الرياضيات إلى خذلان فرقتك الرياضية
الحكماء عن الأمل
وطرقه نحو وجود السبيل الأمثل للخلاص، فالأمل نظرة نحو المستقبل الكريم الذي آمنا بوجوده، فهو حقيقة قابعة في العقل الباطنيّ للإنسان، والسعي، والعمل الجاد لتحقيقها هما الهدفان الأسميان، والطريقة الوحيدة لهداية العقل نحوها، وهذا ما يعالجه الحكماء والفلاسفة والشعراء لإيجاد هذا الأمل بعيداً عن سوداويّة الاستسلام.
وبهذا المعنى الجماليّ للأمل الذي هو شعور المرء النفسيّ بالوصول إلى الغاية الملوِّحة له في المستقبل وإن كان بعيدًا، وهذا ما أراد أن ينظمه الشاعر الطغرائيّ الأصبهانيّ في قصيدته المعروفة بلاميّة العجم، بعد أن بلغ اليأس عنده مرحلة العجز المطلق، وقد تولّدت عنده الحكمة في الترفّع عن السيئات، منشودةً بأمل مُفرجٍ إلى نور وجمال: فقال:
أصالةُ الرأي صانتني عن الخطلِ
وحليةُ الفضلِ زانتني لدى العَطَلِ
أعــللُ النـفــسَ بـالآمـال أرقـبُــها
ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأمل
إذن، فسحة الأمل التي تبدو لنا خلاصاً نحو المرور إلى الحياة السعيدة التي نطلبها هي ما يدعونا إلى الحياة وإلى التغيير، التغيير نحو الخير، وهذا ما أراد الله تعالى أن يوجده في المحكمة الداخليّة عند الإنسان المؤمن بالتغيير نحو الإيجابيّة: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ".
إذن، تحقيق الأمل نحو التغيير يتطلب تغييراً لماهية النفس نحو الخير والجمال وتحقيق الفائدة لمن حولك، لكن في هذه الآية لا نفهم أن مصير الأمل محتّم بمشيئة الله، فالعمل على التغيير الأمثل هو المتطلّب الضروريّ والحتميّ في إيجاد الأمل الذي يدعو الإنسان المؤمن في التغيير نحو الأفضل.
اقرأ أيضاً النور الإلهي وما يجب علينا فعله لنرى النور والأمل في الحياة
تربية الأمل الفطرية
الطفل حينما يولد يصرخ، ويبكي أملاً في استجابة أمه لإرضاعه، وحينما يخطّ الحرف في يده، فهو يأمل بالنجاح وبالتميّز، فالأمل مولود مع المرء من بداية حياته، فالإنسان يكدّ، ويعمل، ويشقى راغباً بأمل السعيّ نحو الرفاهية.
والسعادة اللتين إن عمل عليهما بإيمان وغايات مثلى يصل إليهما، وقد غلبه الفرح، ونشوة الوصول، فما الذي يجبر التاجر على اللجوءَ إلى الأسفار، وتحمّل مخاطر الخسارة إلا الأمل في الربح، وفي النجاح؟
وما الذي يجعل المريض المتكالَب عليه مرضه يأخذ الدواء إلا أملاً في الشفاء؟ وما الذي يبعث في شعور الطالب النشاط إلا أملٌ في النجاح والنبوغ والتميّز؟
وفي النهاية ما الذي ينشده الإنسان المؤمن في الأديان كلها، وسعيه الحثيث للتخلّص من الخطيئة، والشرور، وقيامه الليل، وصلواته النهار إلا أملاً في الجنة والفردوس اللتين وعد بهما، وخلاصه من الجحيم المحذَّر منها؟
التفاعل الإيجابي والواقع
إذن، ونحن نواجه الحياة، وفي هذا الخضم المتلاطم من ضنك المعيشة، وحصار المشاكل، والويلات من الجوانب كلّها، وقد تبدو الاقتصادية منها القيد الأكبر الذي يُلَفّ على معصم البعض منّا، فلا بدّ من التفكير بوجود أمل لكسر هذا القيد.
وذلك بابتداع التفاعل الإيجابي بيننا وبين الأشياء من حولنا، والسعي الحثيث، وتغيير الموجود، والعمل المضني الكبير والمتواصل في إيجاد طرق بديلة، وتعريف العقل كثيراً بأنّ عجلة الزمن دائماً تدور وتغيّر الواقع المُعاش.
وبالطرق الإيجابية نحو الأحسن والأمثل، وتمثل الأزمنة الغابرة بما حلّ بها، فعجلة الحياة لم تتوقف عند حضارة بائدة، أو إعصار خلّف القتلى، والدمار، والخراب، لكن سرعان ما يوجِد الإنسان حضارة قيّمة.
ربما تكون هي الأمثل والأجدر، ولنا في التقدم العلميّ، والأدبيّ، والمعيشيّ عبر الزمن أمثله لذلك، وهنا تبدو الأهداف النبيلة، التي تلهب الأمل في مدارك الإنسان الوجوديّ الذي أشار إليه كانط فيما سمّاه أسئلة العقل الباطني للفلسفة الجامعة التي تُعنى بصالح الإنسان.
والسؤالُ هو: "ماذا يحقّ لي أن آملَ؟"، أو "أن أرجوَ ؟"، وعلى مر الدهور يظل قلب المؤمن مُعلقاً بالرجاء والأمل، من خلال الإيمان والاعتقاد الجازم بالتغيير الإلهي لفتح باب الأمل والرجاء، فقد جاء في الكتاب المقدس: "لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ، أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي، يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيق، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُه، مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلاَصِي". (سفر المزامير 91: 14-16).
توقّع الرغبة في الخلاص
طُوبى للذين يبنون جسوراً من جحيم الهلاك نحو أمل الخلاص، طُوبى لهم حين يَرَوْن الشعاع الفضيّ بين أسمال الصعاب والجبروت في الهم المتمكّن من النفس، ستغدو الحياة أفضل من ذي قبل.
إن قُدَّ أخدود الأمل في النجاة نحو هدف مُلقى على قارعة طريق نحو مستقبل جميل مفرح، "فكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج" كذا قال علي بن أبي طالب، ويقول نيتشه: "يليق بالأرواح العظيمة أن تنشر ما يعتريها من الحزن والألم، يليق بها فقط أن تنشر الأمل والجمال"، وفي مثل روسي: "ففي مملكة الأمل لا يحلُّ الشتاء".
لكن تحقيق الأمل لا يأتي مع صديد الحزن، وترديده، والانكفاء في زواياه القاتمة، ولا مع اليأس المفضي للخنوع، والذلّ في فكرة الانهدامية.
بل يتموّج في رفض هذا التقوقع على حدث أليم مُعنَّى مليء بالضنى، بل يلزمه عناد بعمل جادٍّ وهادفٍ، والإيمان بأن وراء التلّة البعيدة ضياءُ نهارٍ فرحٍ، وفجر بازغ من ظلام العتمة، وعلى هذا المعنى عنت الكاتبة غادة السّمّان في قصيدتها أنشودة الفرح، وقد خلعت عنها ألبسة اليأس كلّها:
قصيدة عن الأمل
سأغسل وجهي هذا الصباح عشرات المرّات
سأبتسم ابتسامة مشرقة
كالفجر الذي عرفتك فيه
سأتلو آيات التفاؤل
وأردّد أغنيات الفرح
التي حفظتها عنك
سأخلع عني سواد الأيام وحزن الماضي
وأرقص على أنغام كلماتك
العازفة بأوتار قلبي
ثم أرتشف قهوتي.
أما الأمل وتحقيقه في السعي إليه، فقد رسمه الشاعر العراقي أحمد مطر حين حدّد روح الأمل بدولة يعيش فيها، ويأمل ألا تفنى، وإن فنيت الدول:
ما الذي ينقُصُني
ما دامَ عِـندي الأمَـلُ؟
ما الذي يُحزنُني
لو عَبسَ الحاضِـرُ لي
وابتسَـمَ المُسـتَقبَلُ؟
أيُّ مَنفى بِحضـوري ليسَ يُنفى؟
أيُّ أوطـانٍ إذا أرحَلُ لا ترتَحِـلُ؟
أنَـا وحـدي دَوْلَـةٌ
ما دامَ عِنـدي الأمَـل
التغيير قانون الطبيعة
فلا حزن يدوم ولا سرور، ونرى الغايات والأهداف مطروحة في الطرقات، وفي أعالي الأشجار، وبين مداخل النفس غير المستكينة للخضوع والانغلاق، فلنسرْ إليها، ونعقد العزم في الوصول إليها، ما دام هناك حياة، وهدف نبيل.
والإنسان لا يعدم الوسيلة؛ لأن الله قد أعطاه مفاتيح العمل المباح النبيل، وقد هداه إلى الخير والشر، وقد خلق له عينين، يرى فيهما الطالح من الأشياء، والصالح منها، "إذا قامت الساعةُ، وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" حديث شريف.
وكن موجاً ثائراً رفعته رياح عتيدة وسط البحار، يظلّ يطوي المسافات أملاً ببلوغ الشطآن، فينشرَ ماءه للمزارع؛ لتحيا من جديد، وكن كطائر غَرِدٍ مترنِّم يصدح بالألحان رغم البرد القارس الذي يعيق تغريده وحركته.
وكشعاع القمر حين يمنعه الغيم من الظهور، فما أجملَ ما غنَت سيّدة شاعرية في زرع الأمل في نفوس البائسين الذين ينفضون عنهم غبار بأسهم المنهك، تقول نازك الملائكة:
سِرْ بـِـنا يـا زَورقَ الأمـلِ العــَذبِ وإن أُسـدِلَتْ سُـتورُ الظَّلامِ
وتعـالى الدَويُّ في النّــَهرِ البـَاكِي عَلى مَسمَعِ القُلوبِ الدَّوامي
سِر بِنا لنْ نَخافَ مِن ضَجَّةِ المَوجِ ولنْ نَرهبَ العَبابَ الطَّامِي
نـحـنُ فـي الـمَــوجِ دَفَّـةٌ طَـالمــا لاقــتْ ريـاحَ الأقـدارِ والأيَّامِ.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.