بعد يوم شاق من الجهد والتعب تفتح مواقع التواصل الاجتماعي فتُطل عليك منها عجوز صينية تُدعى "ليانغ" بوجهها الصارم وملامحها الغاضبة، بعد أن انتصرت في معركتها الحقوقية على الحزب الشيوعي الصيني الذي يحكم بلادها منفردا منذ عقود من الزمن، وتمكنت بعنادها وصلابة موقفها أن تقهر وزارة النقل الصينية وتجبر وزيرها على تغيير مسار بناء أحد الجسور الحيوية، بعد أن كان مخطط بناءه سيمر على كوخها الصغير الذي ترفض مغادرته والانتقال إلى أي مكان آخر، رغم جميع محاولات التسوية التي عُرضت عليها وعلى مدى عشر سنوات بلا فائدة.
تقرأ الخبر الظريف فتطلق ضحكة عالية وتحسبها نكتة عابرة نسجها خيال أحد خبثاء السياسة، ثم تنتقل إلى صفحة أخرى ليقفز أحدهم في وجهك صارخا مُجددا: هل تعلم أن السلطات الصينية ظلت على مدى عشر سنوات تفاوض امرأة عجوز على ترك منزلها الواقع ضمن مخطط إنشائي لأحد الجسور المهمة في الصين، وعرضت عليها تعويض مالي مقابل الموافقة على هدم المنزل والانتقال للسكن في مكان آخر أكثر حضرية ولكن دون جدوى، وفي النهاية اضطرت السلطات إلى بناء الجسر حول منزل هذه العجوز العنيدة.
ثم يختتم منشوره بالسؤال المُعتاد في مثل هكذا حالات: ماذا كان ليحدث للمرأة لو كانت في بلدك؟!
وبمجرد قراءتي لهذا السؤال أدركت أن الأمر جلل، وان الحادثة ليست مجرد نكتة عابرة بل رواية حقيقية تناقلتها وسائل الإعلام، وتم توثيقها بالطائرات من مُختلف الزوايا والأوضاع وبعمل احترافي مُرتب، وهو ما يعني أن الصين الدولة الضليعة في انتهاك مختلف حقوق البشر والحيوان، قد دخلت مضمار استهبال العقول وتلميع الأنظمة وتزيين صورتها القبيحة، ولكن من بوابة هذه العجوز البائسة وأخواتها.
وسائل الإعلام المحلية عرضت لقطات مصورة لمنزل مكون من طابق واحد بمساحة 40 مترًا، يظهر مثبتاً بإحكام بين جناحي جسر هايتشيونغ الذي أعلن عن افتتاحه مطلع أغسطس الجاري في مقاطعة قوانجدونج الصينية، فيما كشفت إحدى قنوات التلفزة ما أسمته جانبا من المفاوضات التي جرت بين السلطات الصينية ومالكة هذا العقار البالغة من العمر 72 عاماً، والتي طالبت بمنحها أربع شقق مقابل التنازل عن منزلها والموافقة على هدمه لإنشاء الجسر حسب المخطط ، ولكن الحكومة لم توافق إلا على اثنتين فقط!
أما السلطات الصينية فقد عقبت على الخبر بأن التخطيط لبناء الجسر في هذه المنطقة بدأ منذ عام 2010م وأن السيدة ليانغ هي الوحيدة التي رفضت التعاون من إجمالي 47 أسرة وسبع شركات، جميعهم رحلوا من المكان بحلول سبتمبر الماضي باستثنائها، مؤكدة بأن الحكومة عرضت على ليانغ العديد من الوحدات السكنية البديلة وقدمت لها الكثير من خطط التعويض طوال العشر السنوات الماضية، إلا أنها رفضتها جميعا وأصرت على موقفها وعنادها.. حسب ما أوردته القناة الخاضعة كغيرها من وسائل الإعلام المحلية لسلطات بكين!
المضحك في الأمر، أن قبل هذه الحادثة بستة أشهر فقط أصدرت منظمة "هيومن رايتس" تقريرها السنوي لعام 2020م وذكرت فيه صراحة أن الحكومة الصينية أصبحت تُمثل تهديدا عالميا لحقوق الإنسان، وأن ما تحقق من مكتسبات حقوقية خلال العقود الماضية، سمحت للناس في أنحاء العالم بالتحدث بحرية والعيش دون خوف من السجن التعسفي والتعذيب والتمتع بالحقوق الأخرى، باتت اليوم معرضة للخطر بسبب الهجمات المكثفة التي تشنها السلطات الصينية على النظام العالمي للدفاع عن حقوق الإنسان.
وبعد أن استعرض تقرير المنظمة الدولية جانبا من أبشع الانتهاكات والممارسات القمعية والإرهابية التي ارتكبها النظام الحاكم في الصين بحق مواطنيه خلال العشر السنوات الماضية، كشف أيضا عن إرهاب مماثل يُمارسه نفس النظام ولكن بحق دول أعضاء في الأمم المتحدة، وصل لحد تحذيرهم من مجرد النقاش حول انتهاكات الصين وتجاوزاتها الحقوقية في أروقة المؤسسة الدولية واجتماعاتها المختلفة.
بمعنى أن سلطات الصين لم تكتفي بقمع الحريات وانتهاك حقوق الانسان داخل أسوار بلادها فقط كما في السابق، بل امتدت لتطال حتى القائمين والمدافعين عن هذه الحقوق في أنحاء متفرقة من العالم وتهديدهم بشكل سافر، سواء كانوا دولا أو مجرد أفراد.
وقبل تقرير هيومن رايتس نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تحقيقا مُخيفا عن الجحيم الذي تعيشه المعتقلات الجماعية في الصين والذي تحتجز فيه السلطات نحو مليون شخص من الإيغور وغيرهم من الأقليات الصينية المسلمة، داخل كيانات تطلق عليها معسكرات "إعادة تأهيل" بهدف طمس هوياتهم وتغيير قناعاتهم ومعتقداتهم الدينية.
وكان أبرز ما عرضه التحقيق شهادة حية لإحدى الناجيات من هذه المعتقلات، وصفت فيها ما تعرضت له امرأة مُسنة من الأيغور أمام عينيها، بعد أن أجبرها الحراس على خلع ملابسها الطويلة أمامهم، ثم مزقوا أزرار سترتها ووشاحها وتركوها في لباس ضيق، وكانت تحاول اخفاء ثدييها من أعينهم، وهم يضحكون عليها ويصرخون أن تسبل يديها، حتى بدأت تبكي وتنتحب من الخجل والقهر وأبكت جميع من حولها، فيما الجنود مستمرون بتعنيفها والاعتداء عليها قبل أن يقتادوها إلى مكان مجهول.
وطبعا هذه المرأة هي أيضا مواطنة صينية مثل ليانغ، بل وسبعينية وعجوز مثلها تماما، وكان أقصى طموحها أن تتركها حكومة بلادها تلبس ما تشاء وتعبد من تشاء وتعتنق الديانة التي تُريد، فلم تحصل على شيء من ذلك، حتى مع تعاطف العالم بأسره معها، فكيف لنا أن نصدق حكاية العنيدة "ليانغ" التي استطاعت بمفردها تعطيل مشاريع دولة والوقوف بوجه مسئوليها على مدار 10 سنوات حتى انصاعوا لها مرغمين!
- ختاما، حالة منزل "ليانغ" الصينية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في سلسلة حلقات التلميع والدعاية المجانية التي تعمد إليها بعض الحكومات والأنظمة لتسويق نفسها في الداخل والخارج، فمواقع التواصل الاجتماعي مليئة بصور لعقارات تقول السلطات الحاكمة أنها تركتها نزولا عند رغبة أصحابها وتمسكهم بحقهم الخاص، رغم أن البعض منهم قد لا يعرف بالقصة ولا يدري بكونه السبب في تعطيل إحدى مشاريع بلاده إلا من خلال وسائل الإعلام المحلية، بالإضافة إلى أن أمثال هؤلاء قد يكونوا عُرضه للاعتداء والتنمر في بلدانهم، وقد تُصبح عقاراتهم ومصالحهم مهددة فعلا بسبب ما قد يُفهم خطأ وقوفهم ضد المصلحة العامة والإضرار بالبلد وتعطيل التنمية فيه.
ولكن.. وبالرغم من ذلك، لا أعتقد أن يكون ذلك التلميع والترويج بتلك الطريقة سيكون مُجدياً أو مقبولاً من نظام الحكم في الصين، وهو الذي لم يدخر جهدا في قمع مُواطنيه والتحكم قسرا في مختلف شئون حياتهم، ابتداء بحقهم في المعتقد وممارسة شعائر الدين، ومُرورا بسياسة الطفل الواحد التي أُجبروا عليها، وليس انتهاء بجدار الصين الناري الذي ابتكرته الحكومة للسيطرة على الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ومراقبة الصينيين، ماذا يتصفحون وعن ماذا يبحثون ويتابعون من داخل أسوار بلادهم العنيدة!
بقلم/ محمد حسين الرخمي

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.