عن الكذب

"ما من أحد لا يكذب"

نسمع المقولة فنهز رؤوسنا موافقين, متشعرين ذكرى أكاذيبنا في مكان أو آخر, أو ككل, فنجد الكلام منطقياً, ولكن هل هذا كاف ليكذب الإنسان؟ ولماذا الكذب تحديداً؟

العديد من المواقف التي يمرّ بها المرء تستوجب أو يرى فيها ضرورة تدفعه لعدم قول الحقيقة, مثل شيء اقترفه ولا يريد من أحد معرفته, أو مكان كان فيه ولا يستطيع الإفصاح عنه لما يترتب على ذلك من مشاكل قد يتعرض لها من محيطه, وأحياناً قد يكذب عن تجاربه فيعظمها ويضخمها سواء غلفها بغلاف منطقي أو مبالغ فيه, مدفوعاً برغبة عارمة لتلقي إستحسان مستمعيه, أو ليجد مكانه وسط جماعة ما.

ولكن يبقى السؤال هل الكذب ضروري؟

في الحقيقة لا ونعم, إذ نمر بمواقف كثيرة تضعنا في موضع ضيق لا نفاذ منه إلا بخلق قصة مخالفة للواقع أو عذر ما لتجنب عواقب وخيمة, ولكن أيضاً هناك مواقف لا ضرورة للكذب فيها وقد يستشعر المرء ذلك ويتساءل لماذا قلت ذلك؟

هنا لا بد أن نأخذ بعين الإعتبار أن الكذب عادة, عادة تعود إلى أقدم لحظات عمر الإنسان وفي بداية وعيه ضمن بيئته الأسريّة, والتي تحدد قيمه وأخلاقياته المبكرة.

فمثلاً:

يكسر طفل صغير أثناء لعبه آنية من الزهر أو كأس ماء كان يشربه فوقع من يده على غير قصد, فتأتي أمه مهرولة, وفي هذه اللحظة المفصلية إما تضربه, توبخه بعنف أو تخبره أن لا عليه وأن سلامته هي الأهم .

ردة الفعل الأولى نوع من الترهيب يدفع الطفل إلى الكذب في المرة القادمة أو إلقاء اللوم على شخص آخر, والثانية تجعله أكثر صدقاً وراحة في مفاتحة والدته بحقيقة ماحدث.

ومن هذه النقطة إضافة إلى مجموعة نقاط أخرى يستمر المرء بالكذب إذ يجد فيه وسيلة إستمرارية وحماية تقيه الوقوع في المشاكل.

مثال آخر ضروري من خارج محيط الأسرة, ألا وهو المدرسة ثاني أهم بيئة في المراحل المبكرة بعمر الإنسان:

تكوين الأصدقاء أمر ليس سهلاً للجميع, فالقدرة على الإنفتاح والتعبير عن الشخصية وإثبات الوجود هي من المتطلبات الرئيسية لإيجاد الذات ضمن مجموعة من الغرباء, كالمشاركة والإيثار والإنخراط في النشاطات المتاحة, ولكن هذا الأمر يكون ضعباً للغاية بالنسبة للبعض إذ يجدون نقصاً كبيراً في ذواتهم مقارنة بالآخرين, وهنا يلجأ الطفل للكذب كأن يخلق مغامرات خيالية, أو منصباً مهماً لوالده ليلقى مهابة, ولربما أيضاً أحاديث لا يفترض به الخوض فيها في سنه الصغيرة, وذلك ليلقى استحسان محيطه وليعوض النقص بتفوق كاذب يوهم به نفسه ومن حوله.

عندما يبلغ الإنسان تصبح لديه مجموعة خاصة من المفاهيم حول الكذب يستشعر أو لا يستشعر ضرورتها في مواقف معينة أو في جميع المواقف, كما تصبح أسباب الكذب لديه مختلفة, فقد يتطرق إليه للقبول في عمل, أو لفت إنتباه من حوله إليه, أو لجذب الجنس الآخر, وقد تكون الأسباب أتفه من ذلك بكثير فبعض الناس يكادون لا يصدقون القول أو الفعل البتة.

يخلق الكذب خلطاً بين الحقائق كبير, إذ كلما تقدم الإنسان بالعمر وخزن ذكريات أكثر, كلما اختلط عليه الأمر في استعادتها, وقد يشكل الكذب مشكلة حقيقية في تشكيل الصور القديمة وإعادة بناءها, ويهدم علاقات البشر بين بعضهم البعض, ويفقد المرء مصداقيته فلا يُلقى له بالاً, ولا يستعين به أحد, ومنه الكاذب وحيد إذ لا أحد يعرف حقاً من هو.

وهنا نعود لسؤال جوهري..لماذا الكذب؟

أنت إذا مادرست حاجتك الفعلية للكذب ستجدها وهماً تفاقم وتضخم في مخيلتك فحسب, فهل جربت مثلاً أن تخبر الحقيقة مستبعداً رأيك وأوهامك عن ردة فعل الطرف الآخر, على سبيل المثال:

أخبر صديقك الذي وعدته بأن تجيء وتخلفت بأنك كنت نائماً بعد أن قضيت ليلة طويلة تقوم بنشاط ما كاللعب أو مشاهد حلقات مسلسل متتالية, لربما سيغضب أو سيتفوه بعبارات مزعجة لكنه سيقدر صدقك, وسيعتمد عليك في قول الحقيقة في قرارة نفسه, ولربما يكون سبباً في توطيد صداقتكما, فالصدق يجعل صداقتكما أكثر أماناً.

أو أخبر لجنة التوظيف بمؤهلاتك الفعليّة وبأنك مستعد للتعلم والإستفادة وتكريس وقتك للعمل والتطوير, قد تُرفض وقد تُقبل, لكن في كلا الحالتين ستكون قد اكتسبت احترام اللجنة, وستزيح عبئاً كبيراً عن كاهلك لأنك فيما لو كذبت سيُكشف أمرك لاحقاً, أو سترفع سقف توقعاتهم وتخذلهم وتخذل نفسك.

في العلاقات العاطفية من الضروري جداً جداً أن تتحرى الصدق في كل شيء, ومهما كانت العواقب, لأن مابُني على باطل فهو باطل, ومهما طال الأمد فالكذب سيُكشف وستخسر شخصاً كان يمكن أن يكون شريك حياتك المثالي, لذا كن كما أنت فمن يقبلك لذاتك هو الشخص المناسب لك ومن لا يقبل حقيقتك فهو ليس الشخص المناسب, الأمر ليس بهذه البساطة ولكن فكر على المدى البعيد, لا يمكنك أن تعيش في قمقم مع ذاتك الحقيقية إلى الأبد.

ختاماً, هناك لحظات تضطر فيها للكذب لإنقاذ حياتك أو لتجنيب شخص ألماً مبرحاً, وهنا لا لوم عليك ولكن حاول دائماً أن تقلص الكذب في حياتك وتجعله لا خياراً بل ضرورة قصوى ..ويبقى الصدق منجاةٌ والسلام.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.