قراءة تحليلية نقدية في عنوان قصيدة «موطني جرحي»

سيكون الحديث في هذه القراءة عن عنوان «موطني جرحي» ومدى صلته بفكرة النص ومضمونه، وبصورة إجمالية، دون الالتفات إلى كل التفاصيل، ولا الخوض في جميع الجوانب الفنية والشكلية للنص.

فلسفة اختيار العنوان ووظائفه

لا بد من القول إنَّ العنوان لا يقل أهمية عن النص؛ بوصفه سِمةً للنص، وأولى عتباته، بما تحمله العتبة من معنى: المدخل، أو بوابة العبور.

وهو ما يستدعي معه التركيز على حسن الاختيار، والحرص عند عنونة النص على قيام الصلة بين عنوان النص وفكرته ومضمونه، بما يجعل العنوان مختزلًا للنص، أو كاشفًا لفكرته، أو حاملًا لجوهر المضمون، أو متضمنًا لعنصر التشويق والمفارقة الموحية، أو متسمًا بالغرائبية والإدهاش، أو موحيًا بموقف المبدع، وغيرها من السمات والوظائف التي يتسم بها ويؤديها العنوان.

وفي ذلك تتوثق الصلة بينه وبين النص؛ فضلًا عن أنها من العوامل أو الأسباب التي تؤدي إلى التوفيق في عنونة النص، وهي تدل على تركيز وحرص الشاعر في اختيار العنوان، وعلى أنه كان موفقًا فيه.

البنية النحوية ودلالة الانتماء

والعنوان الذي بين أيدينا «موطني جرحي» يتكوَّن من اسمين يُشكِّلان جملة اسمية، تامة بركنيها: (المبتدأ، والخبر)، وكلاهما يتكوَّن من (مضاف + مضاف إليه)، وهو ياء المتكلم، التي تدل على التملُّك والانتماء.

وتكشف من خلال مجيئها في الجملة الاسمية التي تدل على الثبوت والتجدُّد، عن العلاقة الواحدية للذات الشاعرة بالثابت المتجدِّد، أي بما تدل عليه الجملة؛ فما هو الثابت المتجدد؟ فيغدو العنوان سؤالًا: «ما هو موطني جرحي؟»، يثير القارئ، ثم يُغريه ويدفعه إلى قراءة النص، وبذلك تتجلى للعنوان وظيفتا الإثارة والإغراء.

التحليل الصرفي والمعجمي

وصرفيًا: يأتي لفظ «موطن» على وزن «مَفعِل»، ويدل على مكان وقوع الفعل. و«جرح»، على وزن «فَعْل»، ويدل على الفعل. وبالإضافة إلى ياء المتكلم، يغدو الأول «مَفعلي»، والثاني «فعلي»؛ وهنا يتجلى التملك والانتماء للفعل والمكان.

ومعجميًا: يأتي «موطن» بمعنى: وطن، منشأ، مصدر، مهد، نقطة وجود رئيسة، مشهد من مشاهد الحرب. وفي هذه المعاني ما يدل على (السلام، الهدوء، الاستقرار...)، ومنها ما يدل على (الحرب).

أما «جرح»؛ فيأتي بمعنى: الشق في البدن، الطعن، الرفض، التعيير، الشتم، الكسب...، وفيها ما يحمل دلالة على (الوجع، الألم...)، وأخرى وهي «الكسب»، التي تغدو، وفقًا لنوع المكاسب، علامة تدل على (الفائدة، الربح) أو (الخسارة).

دلالات الحرب والسلام في العنوان

وبما أن الأوجاع والآلام... نتاج الحروب والصراعات...، والفوائد والأرباح... نتاج السلام والاستقرار؛ فإن العنوان «موطني جرحي» يتضمن دلالتين: إحداهما تدل على معنى الحروب والصراعات والأوجاع والآلام...، والأخرى تدل على معنى السلام والاستقرار...

دلالات العنوان

وقبل معرفة الجواب عنأيهما المقصود؟ الذي سيمدنا به النص؛ نلاحظ أن العنوان، كما في البيت التاسع:

موطني جرحي وجرحي موطني

صرتُ معتَلًّا وأضحى بي عليلًا

قد تكرَّر مرتين، على هيئة معطوف ومعطوف عليه، مع حدوث تبادل في المواقع بين لفظيه، ليغدو «جرحي» مبتدأ، و«موطني» خبرًا، كما جاء الشطر الثاني بما يوافق هذا التبادل، ويؤكد على قوة العلاقة بين الأول والثاني، وأن كُلًّا منهما سبب في عِلَّة الآخر، والعِلَّة تدل على الوجع والألم.

تشريح النص: لغة المعاناة والمأساة

وبالعودة إلى بداية النص؛ نجد الشاعر يوجه الخطاب إلى «الآه»، بما يدل على المعاناة والأوجاع والألم... وفي البيت الثاني، يأتي التساؤل بما يدل على الإنكار والسخرية والتهكُّم من أولئك الذين وُجه إليهم الخطاب.

وفي مفردتي «مآسٍ، قتيل» دلالة على معنى الحرب، كما هي في «العويل، الجرح، الدماء»، التي أضحت سيولًا، والماء يدل على كثرة الاقتتال، وفي «تتلظَّى، جحيم الحرب» دلالة على شدة الحرب وتوسعها.

الحقول الدلالية وصورة "صنعاء"

على أن النص يتضمَّن عدة حقول دلالية، كالحقل الدال على الحرب، كما مثلنا له، والحقل الدال على الذات: «أعد أقوى، حملي، أقتات، مرارتي، بلادي، أوجاعي، بي...»، والحقل الدال على الوطن: «بلادي، صنعاء، موطني...»، والحقل الدال على الآخر: «ترون، ترثون، دقوا، الشعب...».

ومن خلال هذه الحقول، تتجلى الدلالة على معنى الحرب والمعاناة والأوجاع والمآسي... بما يوافق إحدى الدلالات التي تضمنها العنوان، وهي (الدالة على معنى الحرب والأوجاع...)؛ الأمر الذي يدل على صلة العنوان وارتباطه بمضمون النص، ويكشف عن حرص الشاعر عند العنونة، وتمكنه في اختيار العنوان، ويؤكد على أنه كان موفقًا فيه.

معنى العنوان

جدلية الحاضر والغائب: استدعاء السلام

وبما أن المعنى الحاضر يتضمن الإشارة إلى الآخر الغائب؛ فإن «الحرب...» تشير إلى «السلام...»، المتمثل بالدلالة الثانية للعنوان؛ بوصفه الغائب الذي يبحث عنه الشاعر، من خلال موقفه الرافض للحرب، وتهكُّمه وسخريته من جهل المتحاربين الذين لا يهمهم من يعاني أو من يموت...

فضلًا عن أن علاقة الذات الشاعرة بالآخر تتجلى من خلال التحام الشاعر بالوطن وأبنائه، حاملًا همومهم وأوجاعهم، متمثلًا البوح عن المعاناة التي يعيشونها في ظل الحرب، التي تبدو كما يشير البيت الثالث:

إنني أقتات مذ أن كنتُ طفلًا

غُصصَ الدنيا وأقتاتُ العويلا

إنَّها ليست حربًا واحدة؛ بل حروبٌ متكررة، متنوعة، على امتداد زمن ليس بالقصير.

موطني جرحي

أيُّها الآهُ، ترفَّقْ بي قليلًا

لم أعدْ أَقوَى، غدا حِملي ثقيلاً.

يا تُرى، تدرون ما بي من مآسٍ؟

يا تُرى، تَرثون من أضحى قتيلاً؟

إنني أقتات مذ أن كنتُ طفلًا

غُصص الدنيا، وأقتاتُ العويلا.

مثخنٌ جرحي، وما أَلفيتُ طِبًّا

ودمائي في المدى أضحتْ سيولا.

لم يَعُدْ بي، يا مراراتي، اصطبارٌ

مَن تُرى يُلقي لأوجاعي حلولًا؟

كيف أَقوَى، وبلادي تتلظَّى،
في جحيمِ الحربِ صُبحًا وأصيلًا؟

هذه صنعاءُ في مأساتها

تَذرفُ الدمعاتِ طوفانًا مهولًا.

تَرتجي غوثًا، وما أَلفَتْ مُغيثًا

بل على مأساتها دقُّوا الطُّبولا.

موطني جرحي، وجرحي موطني

صرتُ مُعتلًّا، وأضحى بي عليلًا.

فغدونا في الدُّنا أَذوَى إليه

لائذًا مني، ويأتيني خجولًا.

أَرتديه معطفًا يَحنو عليَّ

وأُواسيهِ، ويَشكوني العليلا.

هكذا نَقضي معًا ما قد تبقَّى

من ليالينا خليلًا وخليلًا.

ها أنا أَنثر أوجاعي وقَهري

علَّها تَلقى لها عنِّي بديلًا.

أيُّها الآهاتُ، يا ليلًا تمطَّى

في بلادي، واستوى عرضًا وطُولا.

ارأفي بي، ببلادي وبشعبي

وارحلي عنَّا، اصنعي فينا جميلًا.

ختاماً، يتجلى لنا أن عنوان "موطني جرحي" لم يكن اختياراً عشوائياً، بل كان قراراً شعرياً واعياً نجح من خلاله الشاعر في جعل العنوان والمضمون وجهين لعملة واحدة.

فمن خلال تكرار هذه المتلازمة (موطني جرحي وجرحي موطني)، استطاع محمود مشرح أن يرسخ صورة التلاحم القدري بين الإنسان وأرضه في أوقات المحن.

إن هذا النص بما يحمله من صدق عاطفي وحقول دلالية مثقلة بالمآسي، يظل صرخة إبداعية ترفض الحرب وتستدعي السلام، مؤكداً أن الجرح مهما اتسع، يظل وطناً يُرتدى ويُؤوى إليه، في انتظار لحظة الشفاء الكبرى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة