بين «عنزة ولو طارت» والانتصارات الدونكيشوتية.. لماذا يعشق البعض الجدل العقيم؟

يُحكى أن رجلين خرجا للصيد، فرأى أحدهما سوادًا من بعيد فقال: «هذا غراب»، في حين أصر الآخر بثقة عمياء: «بل هي عنز». وحين اقتربا، فرد السواد جناحيه وحلَّق عاليًا. فنظر الأول لصاحبه نظرة المنتصر بالدليل القاطع قائلًا: «أرأيت؟ إنه يطير.. هو غراب!». لكن الآخر، ورغم سطوع الحقيقة، رد بجملته التي خلَّدتها الذاكرة العربية مثلًا للمكابرة: «عنز ولو طارت!».

​قد تبتسم عند قراءة القصة. لكن مهلًا، ألا يبدو هذا المشهد مألوفًا جدًا؟ افتح هاتفك الآن، وتصفَّح ساحات التواصل الاجتماعي، وستدرك أننا نعيش فصول هذه القصة يوميًا. لم تعد المسألة مجرد طرفة، بل تحولت إلى «متلازمة جماعية» أصابت وعينا الرقمي.

​1. التشخيص: الحقيقة خارج نطاق التغطية

​في الفضاء الرقمي، تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد الحوار وسيلة لتبادل الأفكار أو البحث عن مساحات مشتركة، بل تحوَّل إلى حلبة مصارعة يسعى فيها كل طرف للفوز بالضربة القاضية.

إن ​المشكلة العميقة تكمن في أننا أصبحنا نربط آراءنا بكرامتنا الشخصية. نرى الحقيقة واضحة كالشمس (الغراب)، لكن «فلتر» العناد والرغبة في حماية «الأنا» (Ego) يجعلنا نصر على أنها (عنزة).

​فلماذا نكابر؟ أعتقد لأن التراجع عن الرأي والاعتراف بالخطأ أصبح في عرف السوشيال ميديا بمثابة «انتحار رقمي»؛ هزيمة لا تُغتفر أمام جمهور يترقب الزلات.

تحوَّل إلى حلبة مصارعة يسعى فيها كل طرف للفوز بالضربة القاضية

​2. ترسانة المكابرة: أسلحة الجدل العقيم

​إذا تأملت في أي «ترند» جدلي، ستجد أن المصابين بهذه المتلازمة يستخدمون «تكتيكات» محددة للهروب من استحقاق المنطق، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع فرعية:

​أ) أسلوب الشخصنة

​وذلك يكون حين تنفد الحجج المنطقية، فيبدأ الطرف الذي أعيته الحجة بالهجوم على «الشخص» بدلًا من «الفكرة». لا يهم ما تقوله، بل يهم «من أنت». الهدف هنا ليس الوصول للصواب، بل إفحام الخصم وتشويهه أمام المتابعين.

​ب) فخ الاجتزاء (مغالطة رجل القش)

​إنها اللعبة الأخبث؛ وهي استبدال الرد على الحجج بتصيد الأخطاء الإملائية، أو بتر جملة من سياقها لصناعة «فزاعة» وهمية يسهل حرقها. فيترك المحاور الفكرة الجوهرية ويمسك بنقطة فرعية أو كلمة، ليحرف النقاش عن مساره.

​ج) سجن القناعات

​هنا تكمن المأساة الحقيقية. يتعامل البعض مع قناعاتهم وكأنها «هوية» تمثلهم، وليست مجرد أفكار قابلة للصواب والخطأ، فيصبح أي نقد للفكرة هو تهديد وجودي للشخص نفسه؛ ما يجعل الاعتراف بالحق ثقيلًا، ومستحيلًا في كثير من الأحيان.

ما الهدف من الجدل العقيم؟

الهدف من الجدل العقيم غالبًا يكون غير بنّاء، فهو جدل عقيم لا طائل تحته، لا يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة أو حل مشكلة، بل يركز على إثبات الذات أو التفوق على الآخر أو الاستعراض المعرفي. أحيانًا يكون الهدف:

  • إظهار القوة أو السيطرة على النقاش.
  • إثارة ردود أفعال من الطرف الآخر دون الاستماع الفعلي.
  • التسلية أو الاستعراض بدون نية لحل الخلاف.
  • تشتيت النقاش أو تعطيل الوصول للحقيقة.

​3. النتيجة: انتصارات «دونكيشوتية»

​إذن، فما الذي يجنيه المكابر في نهاية المطاف؟

إنه يحقق «انتصارًا وهميًا»؛ نشوة زائفة بأنه أسكت خصمه، أو حصد آلاف الإعجابات من فريق المؤيدين. لكن الثمن الحقيقي كان دهس المنطق، وقتل الإنصاف، وتسميم البيئة الفكرية. إنها معارك خاسرة، يُذبح فيها الوعي على مذبح «اللايك».

يحقق «انتصارًا وهميًا»؛ نشوة زائفة بأنه أسكت خصمه، أو حصد آلاف الإعجابات من فريق المؤيدين

ما معنى الدونكيشوتية؟

«الدونكيشوتية» (Quixotism) هي مصطلح يُستخدم لوصف المثالية المفرطة وغير الواقعية، أو الاندفاع وراء أهداف نبيلة لكنها مستحيلة التحقق، بأسلوب يفتقر إلى المنطق أو الوعي بالواقع.

1. الأصل الأدبي

يعود أصل المصطلح إلى رواية «دون كيخوته» (أو دون كيشوت) للكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس، التي نُشرت في أوائل القرن السابع عشر. بطل الرواية «ألونسو كيخانو» هو رجل نبيل أدمن قراءة قصص الفروسية حتى فقد عقله، فقرر أن يصبح «فارساً متجولاً» لإعادة أمجاد الفروسية، وانطلق في مغامرات وهمية ليحارب «الأشرار» وينصر الضعفاء.

كما يستخدم مصطلح متلازمة «دون كيشوت» (Don Quixote Syndrome) في السياقات النفسية والطبية لوصف هذه الحالة.

2. أشهر رموزها (طواحين الهواء)

أشهر مشهد في الرواية هو عندما توهم دون كيشوت أن طواحين الهواء هي عمالقة أشرار، فهجم عليها برمحه محاولاً تدميرها، لينتهي به الأمر مهزومًا ومحطمًا. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة «محاربة طواحين الهواء» للدلالة على خوض معارك وهمية ضد عدو غير موجود، أو إهدار الجهد في قضية خاسرة.

3. المعنى السلوكي والنفسي

في الوقت الحالي، يُطلق وصف «دونكيشوتي» على الشخص الذي:

  • يتمسك بمبادئ مثالية حالمة لا تتناسب مع العصر أو الواقع العملي.
  • يتصرف بنبل وشهامة مبالغ فيهما في مواقف لا تستدعي ذلك.
  • ينفصل عن الواقع ويغرق في الأوهام، ظناً منه أنه بطل في مهمة مقدسة.

​4. كيف ننجو بوعينا من فخ المكابرة الرقمية؟

​النجاة من هذا الطوفان تتطلب شجاعة نفسية ووعيًا يقظًا. إليك خطوات عملية لفك الارتباط بمتلازمة «عنز ولو طارت»:

  • ​لجام «الأنا»: قبل أن تكتب تعليقك الناري، اسأل نفسك بصدق: هل أبحث عن الحقيقة أم عن إرضاء غروري؟
  • ​شجاعة التراجع: درِّب نفسك على أن الاعتراف بالخطأ (أن الغراب غراب) هو قمة القوة والثقة بالنفس، وليس هزيمة.
  • ​فن الانسحاب الذكي: لا تهدر طاقتك الذهنية في معارك صفرية مع أشخاص لا يبحثون عن الحقيقة. تعلَّم متى تنسحب بصمت؛ فاترك الجدل العقيم يموت وحده، وانسحب بسلامك النفسي.

وأخيرًا، الحياة أقصر من أن نقضيها في إقناع شخص يرى الطير محلقًا ويقسم أنه عنزة. وفِّر جهدك لمن يقدر ثمن الكلمة، وابحث عن الحقيقة ولو كانت مرة؛ فهي الوحيدة التي تمنحك الحرية الحقيقية.

​شاركنا تجربتك: هل سبق وانسحبت من نقاش لأنك أدركت أن الطرف الآخر يطبق نظرية «عنز ولو طارت»؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة