عندما يموت الأب!


عندما يموت الأب تضيق الآفاق ويزول الأمان وتتعثر الذكريات وتنمو الأوجاع الخامدة، تصبح الحياة بلا طعم، ولا لون، ولا رائحة، وينطفئ عبير كل شيء، هذا ما عبر عنه شخص مات والده قبل ساعة من هذا الحوار... قال نعم والدي هو الماء الذي ليس بعده عطش كنت أشكو إليه جميع همي، وأميل إليه إذا أوجعتني الحياة، كان عندما يربت بيده على رأسي أو كتفي تنجلي همومي وتسعد أيامي تلك اليد التي قادتني وعلمتني المشي طفلاً وهذبتني ولداً وباركتني شاباً.

كلّما سالت عبراته تدفقت الذكريات إلى قلبه، وبخالص الأدب يذكر محاسن والده ليروي أدق التفاصيل عنه وليصف ابتسامته، حركة عينيه وإطار نظارته، حتى همساته وتمتمته أثناء قراءة الصحيفة كان متمسكاً بها، كل شيء يحرق قلبه وينغص عيشه ثم فجأة انتحب مرة أخرى بصوت مرتفع وسأل باستغراب هل فعلاً مات أبي؟ أم أنها مجرد مزحة، ليقل لي أحدكم أن هذا حلم وسأصحو منه بعد قليل، لكن الجميع ينظرون إليه بشفقة آملين أن يشاركوه حزنه.

فأردف قائلاً وسط صمت الجميع، لا يوجد أحد مثل أبي فقد عشت في ظله كريماً عزيزاً ولم أكن يوماً مهاناً، كان إذا دخل البيت سعدت وأمنت ونمت، وعشت في حالة من السكون لا يستطيع أحد من العالمين منحي إياها، أبي هو الشخص الوحيد الذي عندما يتكلم كنت أنصت إليه بكامل حواسي لأراقب كل ما يصدر منه فكما كان يقول جدي الذكر يحب أمه ويقلد والده، والأنثى تحب أباها وتقلد أمها، لكن أنا كنت أحبه وأسعى إلى تقليده في آن معاً.

من يتقصى أخباري بعد موته؟ ومن سيطمئن على حالي؟ مات المعلم وجدار الأمان الأول والسلطة والهيبة التي تحميك طيلة حياتك، عندما يموت الأب تصبح الدنيا مليئة بالملل مهما كان عدد المحبين حولك، لأن حكاية من حكاياته تضيف إلى رصيد عمرك خبرة وحكمة، يكفي أنه الوحيد في هذا الكون الذي يحب أن يراني أفضل منه، لا يقبل أن يكون في المرتبة الثانية أمام أحد إلا أمامي... كان دائماً يقول لي أريدك أن تكون أفضل مني تاريخاً، ومكانة، وعلماً، وهيبة!

حاولنا مقاطعة الشاب أثناء حواره ولكنه كان يروي ألم كل واحد منا، حتى جاءت أخته من بين الحضور وهي تبكي وسط كلمات تعزية من الجميع (الحياة لك) فأجابت بصوت مبعثر وهل بعد والدي حياة؟

فخيم الصمت علينا مجدداً لنعيش لحظة حزن واحدة مفادها... لا عزاء لمن مات والده.

بقلم الكاتب


باحث وكاتب افلام


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

باحث وكاتب افلام