في قرية صغيرة كثيرًا ما تهب ريحها ويعلو غبارها، عاش (عاصم)، رجل بسيط يعمل في الحقول ويشتكي في كل يوم من صعوبة ما يعيش من ظروف قاسية، لم يكن يرى في الحياة إلا وجهها المكفهر المتجهم: الشمس قاسية، التربة جافة، الناس أنانيون، والحظ عاثر غائب، هكذا مواله ورؤيته للحياة.
وهذا لأن نظره دائمًا للمفقود، فإنه يركز نظره للنصف الفارغ من الكوب.
كان يسكن بجانبه، (موسى)، رجل فقد زوجته وأطفاله فجأة من جرَّاءِ وباء، وفوقها يعيش في ظروف قاسية، يعيش وحيدًا في بيت شبه متهالك، لا يملك إلا كلبًا عجوزًا وذكريات لا يبوح بها. ومع ذلك، كان يحمل على وجهه سكينة غريبة، ويعامل كل يوم وكأنه هدية صغيرة لا يجب إضاعتها.
هو على النقيض من عاصم، ينظر للموجود لا إلى المفقود، فهو يرى النصف الممتلئ من الكوب، والنصف الفارغ لا يعنيه.
عاصم لم يكن يفهم هذا التناقض. كيف لرجل فقد كل شيء أن يبدو سعيدًا ممتنًا أكثر ممن يملك بعض الشيء وممن هم أغنياء؟
وفي يوم من الأيام، لم يبقَ لدى عاصم سوى رغيف خبز يابس وكأس ماء. جلس أمام كوخه غاضبًا، يحدّق يمنة ويسرة وتارة في السماء ويتمتم ثم يصرخ بغضب وغيظ: «هل حياتي هذه تُسمّى حياة؟ ما عدت أحتمل» ويسب ويشتم حظه.
وهو في حاله هذه، مرَّ به موسى، فابتسم وقال بهدوء ونظرة حانية:
«يا عاصم، هذا أكثر مما كان لديَّ البارحة، وأكثر مما لدى أناس كثيرين».
ثم أضاف قائلًا: «الخبز قد يكون يابسًا، لكنه موجود، واليد التي تمسكه ما زالت سليمة وقادرة. وهذه نعمتان، بل أكثر، بل هي نعم، لكنك لا تراها يا عاصم لأنه لا يعرفها من تعوَّد التذمر والشكوى».
عاصم شعر بشيء يتحرَّك في داخله. شيء يشبه الخجل.. لكنه دافئ. بقي صامتًا.
كأنه كان نائمًا، وأيقظه موسى من سباته الذي طال سنين عددًا.
ثم أردف موسى قائلًا: «يا عاصم، الامتنان لا يعني أن تكون حياتك مثالية أو أن تعيش في رفاهية، بل أن ترى الجزء الصغير المضيء في حياتك وواقعك، وتُمسك به وتتشبث حتى يتّسع لك ولغيرك».
«يا عاصم، لا تنظر للمفقود، بل إلى الموجود، ثم امتنّ لوجوده».
تلك الليلة، لم يستطع عاصم النوم. راجع أيامه، مواقفه، كلماته.
أدرك حينها أنه كان جاحدًا، وانتبه إلى أنه يملك الكثير لكنه لم ينتبه له، ولم يكن يراه أصلًا.
وفي الصباح، جلس عاصم أمام كوخه، كسر الخبز، واقتسمه مع طفل من الجيران، وقال للطفل: «لا شيء كامل، لكن أحيانًا النقص هو من يصنع الطعم».
لكنه فوجئ عندما وجد طعمًا ومذاقًا آخر للخبز اليابس لم يتذوقه طيلة حياته. حينها أدرك أن للحياة طعمًا ومذاقًا أحلى وأجمل مع الامتنان.
شيئًا فشيئًا، تغيَّر عاصم. صار يشكر على البسيط القليل، ويساعد من حوله من القليل هذا، ثم يبتسم وهو يعمل في الأرض. لم يعد يشتكي، بل صار يواسي، ويقول لمن يضجر: «تعلَّمت من موسى أن القليل لا يمنعك من الامتنان، بل يعلّمك كيف تتذوّق الحياة بطعم أحلى وأجمل».
ولم يكن ذلك التغيير الذي حدث لعاصم خفيًا، كأنه وُلد من جديد، حتى إن جيرانه بدأوا يلاحظون هذا. بعضهم صار يبتسم راضيًا وسعيدًا لهذا التبدُّل والتغيير الجذري.
بل صار لعاصم أثر فيمن حوله.
بعضهم تأثَّر وقلَّل من تذمُّره، آخرون بدأوا يشاركون ما عندهم، حتى لو كان قليلًا.
صار الامتنان حديثًا يُتداول بين الناس وواقعًا غيّر للناس حياتهم. الكوخ المتداعي لموسى صار يُزار لا للسخرية، بل للاستماع لموسى وعباراته التي انتشرت في الآفاق، فآمن بها الناس، وعملوا بها.
وصوت عاصم في الحقول لم يعد أنينًا، بل غناءً هادئًا يشبه الأمل.
وببطء، دون خُطب ولا شعارات، تغيَّر وجه القرية.
الطريق نفسه، البيوت نفسها، السماء نفسها... لكن الناس تغيَّروا، من الداخل، لأن رجلًا واحدًا شكر وامتن، وآخر قرَّر أن يتعلَّم كيف يشكر ويمتن.
الامتنان لا يُغيِّر الواقع، لكنه يغيِّر القلوب التي تعيشه والعيون التي تراه. ومن عين واحدة تبدأ العدوى، حتى يرى المجتمع كله الحياة من زاوية أكثر دفئًا وامتلاءً.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.