عندما يتوقف الحنين

بعد سنوات كثيرة من العيش والاستقرار في المدينة، ها أنا أتذكر سعادتي الكبيرة في بادئ الأمر وانبهاري بوسائل النقل الحديثة والمباني الشاهقة والشوارع الممهدة والأضواء والتحضر بينما الآن بعد كل هذه السنوات ينتابني دائما الحنين لقريتي الصغيرة التي ولدت بها وشهدت أيام الصبا والطفولة بل وينتابني الحنين الى الهدوء والخضرة الممتدة على مدد البصر ومجرى النهر المنساب بهدوء والبيت الصغير المتواضع الخاص بنا؛ فكم أتمنى أن أعود اليها ولكنني للأسف لا أستطيع ذلك الآن.
عند زيارتي الأخيرة إلى القرية التي تقع في جنوب الصعيد وجدتها تغيرت كثيراً فلم تعد كما كانت من قبل ولم تعد هي تلك القرية المحفورة في ذاكرتي.
قريتنا كان يعيش فيها مجموعة من العائلات المختلفة حيث يعمل معظمهم بالزراعة وبعضهم يعمل بالتجارة.

كانت الحياة في هذه القرية بسيطة تتميز بهدوئها البالغ حيث تقع على ضفاف النيل وتحيط بها الأشجار الكثيفة فالبيوت معظمها صغيرة متواضعة وكذلك الأثاث، كانت السيارات الموجودة في القرية تعد على أصابع اليد الواحدة ويمتلكها خمسة أو ستة على الأكثر من كبار التجار وأصحاب الأرض في القرية.
أهل القرية كانوا متقاربين من حيث مستوى المعيشة فلا يوجد تفاوت كبير بينهم وهذا خلق نوع من الألفة والصداقة بينهم مع صغر مساحة القرية حتى أن كل العائلات يعرفون بعضهم البعض.

مع مرور السنوات، بدأ الأهالي يرسلون أبناءهم إلى المدارس القريبة من القرية؛ من أجل أن يتعلموا العلوم المختلفة حيث هتموا بتعليمهم حتى يحققوا حياة أفضل من الحياة البسيطة التي يعيشونه ثم .بعد ذلك ارسلوهم إلى العاصمة ليدرسوا في الجامعات المختلفة؛ فتخرج كثير من الأبناء بنجاح وأصبح منهم الطبيب والمهندس والمعلم وغيرها من المهن وبعضهم سافر إلى خارج مصر ليعمل في الدول العربية والأوروبية ويكمل دراسته وبعضهم حصل على وظيفة في العاصمة واستقر بها لكنهم لم ينقطعوا عن القرية الأم مثلي هم  فكانوا يقومون بزيارتها من وقت إلى آخر في الإجازات والمناسبات والأعياد.

يبدو أن التغيرات في حياتنا تحدث ببطء شديد فلا نلاحظ مراحلها المختلفة حتى نفاجأ بالتغير الواضح أمام أعيننا. حسناً، حدثت طفرة كبيرة في القرية حيث حقق بعض أبناء العائلات ثروات هائلة من عملهم وعادوا إلى قريتهم وراحوا يشترون أراضي أكبر ويبنون بيوت احدث واكبر لعائلاتهم.

بدأ يحدث التفاوت بين المستوى في المعيشة لأهل القرية فالبعض أصبح فاحش الثراء والبعض ظل كما هو بسيط الحال أو فقير.
مع تلاحق الأجيال الجديدة من أبناء القرية قلت الألفة والصداقة بين أهل القرية خصوصاً بعد رحيل جيل الكبار الذين كانت تربطهم علاقات وطيدة ومشاركات في العمل والحياة معا حتى أنهم كانوا يعيشون تقريبا بلا مشاكل كبيرة؛ فقد كان كبير القرية وهو اكبرهم سناً بمثابة قاضٍ ومرجعٍ يرجعون إليه في حالة النزاع
وكان بحكم خبرته وطيب أصله وأخلاقه يحكم بينهم بالعدل دائما والكل ينزل على رأيه ويطيع حكمه الذى يحكم به في أي نزاع أو خلاف، لكن جيل الأبناء أصبح مختلفاً تماماً فلم

يعد بينهم هذه العلاقات القوية؛ نظرا لحياتهم المختلفة وسفرهم فلم تتكون بينهم صداقات قوية وبالتالي لم يكن لديهم مرجع أو شخص يتحاكموا إليه.
مع توسع المشروعات والأعمال في القرية وفد عليها أيضا بعض الأجانب للعمل في هذه المشروعات والذين كانت طبيعتهم وطباعهم وثقافتهم مختلفةً تماماً عن ثقافة أهل القرية؛ مما تسبب في حدوث بعض المشكلات
فقد بدأت المصالح والأعمال تتعارض مع القيم والعادات والتقاليد لينشأ كثير من النزاع والاختلاف بين أهالي القرية والتي لم تجد الشخص الكبير ذو الحكمة الذى يستطيع أن يحكم فيها ويفصل بينهم.

بعد أن حاول بعض المشايخ في القرية القيام بنفس الدور فلم يكن له ذلك التأثير القديم فلم يكن لينصاع لحكمه أحد فأصبح بمثابة رمز فقط يجلونه ويحترموه لشخصه ولكن لا يسمحون له أن يحكم في مصالحهم ولا يرتضون بحكمه.
أخذت المشاكل والنزاعات تزداد وعرف أهل القرية لأول مرة المحاكم والقضايا والأوراق التي لم يعرفوها من قبل فقد كانت لديهم الكلمة سيف كما يقولون على رقابهم يلتزم بها الفرد مهما كان.

صحيح تطورت القرية وأصبح بها كثير من مظاهر الحياة الحديثة ولكن في نفس الوقت تغيرت النفوس وأصبحت العلاقات معقدة تحكمها المصالح والتنافس والتناحر؛ لم يعد يجمع أهل القرية شيء واحد وأصبحوا متفرقين بل أصبحوا يحسنون الكلام لكنهم لا يكنون المشاعر يحسنون العمل لكنهم لا يحسنون التعامل.
عدت إلى المدينة وقد اختفى وتوقف لدى الحنين الى القرية التي لم يعد لها وجود إلا في ذاكرتي وخيالي؛ فقد انتهى عصرها وعصر جيل الطيبين.

بقلم الكاتب


كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية