عندما وقفت مذهولًا بجوار الجثة ـ الجزء الأول


وجدته ممددًا فوق الترولي... لم يكن به ثمة جرح ينزف... أو طرف مقطوع.. لكن كثيرًا من الخراطيم امتدت لتخترق جسده.

أنبوب قد اخترق فمه عابرًا لرئتيه... والآخر من أحد جنبي بطنه مسفرًا عن دلو صغير من الماء... والأخير كان عبارة عن «قسطرة» للبول.

أحد ساقيه كان بوضعه الطبيعي، بينما الآخر كان مدع ما بخشب من جميع الجهات معتمدًا الطريقة البدائية في تجبير الكسور... من الواضح أن أحد المارة كان عارفًا بتلك الطريقة فقام بإسعافه بها.

كان سوادًا يغطي بعض أجزاء الرجل جراء الحادث... ذاك هو الرجل، قد تحمل ملامح وجهه أسفل ماسك الأكسجين ما يستدعي شفقتك وبقوة... وقد يحزنك منظره العام... لكن ذلك لم يكن بيت القصيد... فتوابع القصة هي المأساة عينها دون مواراة.

تبدأ الأحداث قبل ذلك بقليل، حينما تسلمت ذلك الرجل من زميلي بمستشفى "ق. ع"، كانت صفة الرجل كما ذكرت آنفًا... كانت حالته صعبة للغاية.

ولم يكن إلى جواره غير زوجته... وقد كانت الأخيرة مأساة وحدها... كانت لا تعلم شيئًا عن أي شيء... ووصل بها الحال لاعتبار «أمين الشرطة» رجلاً مطاعا ذا هيبة وجبروت فأطلقت عليه اسم «الباشا».

وبينما أبدّل ملابسي وجدت السيدة تستدعيني فغيرت ملابسي على عجل ذاهبًا إليها... كانت تحمل كيسًا من الدم في يدها حصلت عليه أخيرًا من بنك الدم الخاص بالمستشفى... أنعموا عليها به أخيرًا... «وقد كانت تقاليد المستشفى أن موت المريض قبل الدم أحيانًا، كانوا يقتلونه عبر روتينهم المقيت»

ومضت رائحة غادية به... ذهبت معها، وأثناء الطريق توقفت قائلة: «الباشا قالي اقفي هنا لا تتحركي» (تقصد أمين الشرطة).

أتت حاملة معها أنبوبا صغيرا مملوءا بدم زوجها تريد عمل بعض التحاليل له... أين؟؟ لا تعلم... أي نوع من التحاليل؟؟ لا تدري.

مضيت حاملا عينة الدم لأحد الممرضات بغرفة الحالات الحرجة... سألتها عن نوع التحاليل واسمها... وتوجهت لعمل التحاليل بمستشفى آخر تجاورها، وفي الدور الرابع تركت العينة مع وعدٍ بأخذ العينة بعد ساعة من الزمن، ومضيت عائدًا لأستطلع حال الرجل.

بقلم الكاتب


محب للتاريخ و الفلسفة و علم النفس ، صدر له كتاب (حكايات من سيارة إسعاف) .


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

محب للتاريخ و الفلسفة و علم النفس ، صدر له كتاب (حكايات من سيارة إسعاف) .