عندما تكون راحتك سبباً في تعاستك..

كم مرة رأيت أماً تنهر طفلها الصغير وهو يحاول استكشاف العالم من حوله محاولا أن يضع إصبعه في كبس الكهرباء أو أن يلمس كوب الشاي الساخن، ثم يكبر هذا الطفل ليكون مراهقاً وتظل الأم تحاول إبعاده عن السفر لأماكن جديدة لا تعرفها أو تحاول إثناءه عن اختيار تخصص دراسي غير معتاد.. ثم يكبر المراهق لتتحول هذه الرغبة في التجربة وخوض المخاطر لخوف من كل ما هو مجهول وغير معتاد.. فنراه يشرب نفس المشروب كل صباح ويطلب نفس الطعام من مطعمه المفضل، يسلك نفس الطريق للعمل ذهاباً وإياباً، ويرتدي نفس الملابس والألوان.. يعتاد كل شئ حوله ويرتعد لمجرد التفكير في أي تغيير محتمل. في الحقيقة هذه هي طبيعة النفس البشرية. فقد نشرت العديد من الدراسات التي تشير إلى أن أجزاء معينة من المخ هي المسؤولة عن اتخاذ القرارات ولا يكتمل نموها وعملها بكفاءة إلا بمرور الوقت، ولذلك نجد المراهقين أكثر رعونة وحماسة من البالغين. ومع كبر السن والمرور بتجارب الحياة يتعلم الإنسان أن لقراراته عواقب وأن لخياراته تأثير على حياته وحياة المحيطين به، وبالتالي يفكر آلاف المرات قبل تغيير وضع قد اعتاده واختبر كل توابعه واعتاد التعامل معها، وتصبح هذه المساحة الضيقة التي يعيش فيها هي منطقة الراحة النفسية بالنسبة له.. يعتادها ويحبها بل ويعتبرها ملاذه الآمن من أي تجارب أخرى.. فيرفض مجرد فكرة تغيير وظيفة لا يحبها أو مكان سكنه الذي قد ازدحم وامتلأ بالضجيج أو أن يخرج من علاقات شخصية أو اجتماعية مؤذية له أو حتى أنا يغير أتفه الأشياء في روتين حياته اليومي.. وهذه هي ما يسمونها بالإنجليزية "The Comfort Zone" أو منطقة الراحة النفسية. 

ورغم إن الشعور بهذه الراحة النفسية يساعد الإنسان على الشعور بالأمان والاطمئنان ويجعله يشعر بسيطرته على مجريات حياته، ويمكنه من التخطيط للمستقبل بناءً على الوضع القائم، ورغم أن الحاجة للشعور بالأمان تأتي في المرتبة الثانية بعد المأكل والمشرب بحسب نظرية أبراهام ماسلو لاحتياجات الإنسان، إلا أن المكوث في هذه المساحة الضيقة لفترات طويلة قد يضر بصاحبه فيضيع عليه فرصاً كبيرة للتعلم والتطور ويمنعه من اكتشاف ذاته ومواهبه والاستمتاع بالحياة. بل ويؤثر سلباً على حالته النفسية فيذبل ويفقد شغفه ويعد الأيام لتمر في سلام وفقط..ولكن يجب أيضا التذكير بأن الأمر كله نسبي ويختلف كثيراً من شخصٍ لآخر بحسب شخصيته ونشأته وظروفه والبيئة المحيطة به، فمن الناس من يستطيع التكيف مع حياته كما هي ويحب أن يبقى في منطقة الراحة، ومنهم من يمل سريعاً ويحاول دائماً التغيير والخروج من هذه الفقاعة النفسية..ومع ذلك فالأمر ليس بسهل، فحتى مع هؤلاء المغامرون يظل قرار الخروج من منطقة الراحة النفسية قراراً صعباً يحتاج لجهدٍ كبير كي يتمكن الإنسان من التغلب على إحساسه بالخوف من ما بعد الخروج.

وإذا تأملنا هذه التجربة الإنسانية نجد أن الشخص الذي يقرر كسر الأسوار والخروج للعالم الواسع المليء بالاحتمالات والفرص والمخاطر أيضا يمر بعدة مراحل نفسية حتى يتمكن من الانتصار على ذاته ورغبته في الاحتماء داخل منطقة الراحة النفسية.

فأول ما يشعر بها الإنسان في هذه الرحلة هو الخوف والقلق.. فيسأل نفسه عدة أسئلة مثل: هل حقاً يستحق الأمر أنا أتخلى عن ما اعتدت عليه؟ هي سأستطيع أن أواجه كل المصاعب التي تصاحب هذا التغيير؟ هل لدي القدرة النفسية على تخطي مرحلة التغيير الأولى؟ هل سأندم على ترك مكاني الهادئ المريح يوما ما وأرغب في الرجوع إليه مرة أخرى؟ هل أنا على استعداد لمواجهة أي فشل محتمل؟ هل لدي الشجاعة الكافية لاتخاذ هذا القرار؟ هل هذا هو الوقت المناسب؟ أم يجب أنا أنتظر قليلاً؟ ربما يتغير شئ من حولي يجنبني كل هذا العناء؟

ثم يبدأ الإنسان في تخيل العالم الآخر الجديد فيرى حياة جديدة مليئة بالتجارب الثرية.. ويبدأ يفكر: ربما أقابل أناس مختلفة بأفكار جديدة أتعلم منهم وأري من الدنيا جوانب أخرى من خلالهم.. ربما أتعرف على نفسي من جديد وأكتشف أنني أستطيع أنا أفعل ما كنت دوما أخشاه أو أكتشف أنني لدي الكثير لأقدمه للآخرين.. وربما أستطيع أنا أتغلب على كل الصعوبات وأصبح أقوى وأكثر خبرة وثقة.. وربما تفتح لي التجربة الجديدة أبواباً جديدة لم أكن أعرفها وتأخذني الحياة في مغامرات شيقة من هنا لهناك وهكذا..ماذا سأخسر؟ الاستقرار والأمان؟ لا شئ يدوم على أية حال.. سأفشل؟ ولما لا؟ فما الفشل إلا خطوة في الطريق للنجاح.. سأواجه صعوبات؟ ولم لا؟ فلا عمر البحر الهادئ يصنع بحارا ماهرا..إذا لما أخطئ وأفشل وأحاول وأتعلم فلن أنجح ولن أخطو خطوة للأمام.. هذه هي الحياة ولكني لازلت أخاف... ولكن هيا سأفعلها..

وهنا تأتي اللحظة الحاسمة.. لحظة اتخاذ القرار ولازال الإنسان يشعر بالنقيضين بداخله ولازال خائفاً مرتعداً.. ولكن يقرر بالفعل أن يترك عمله الممل  أو تترك الزوجة علاقة زوجية سامة لطالما خافت أن تتركها فتضل وتضيع وتعاني وحدها ويقرر شخص زائد في الوزن مواجهة مشكلته والعزم على حلها دون الهرب منها أو يقرر آخر الهجرة لبلاد بعيدة سعياً للرزق ولطالما قد هاب السفر خارج نطاق مدينته الصغيرة.. وهكذا ومن الأمثلة الكثير والكثير.. وقد يتعرض الشخص لضغوط ممن حوله منهم من يحاول إثناءه عن القرار أو تثبيط همته ومنهم من يشجعه ويدفعه دفعا للتغيير..وفي ظل كل ذلك يأخذ القرار وفقط..قد يشعر بضيق قليل لبعض الوقت وقد يشعر أنه قد تسرع وقد يزداد الخوف بعد اتخاذ القرار بالفعل..ولكن تأتي بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى جميلة يشعر فيها الإنسان وكأنه طائر حر يطير في السماء.. فقد استطاع فك أسر نفسه وتمكن من السيطرة على شعوره بالخوف وتخلص من الحمل النفسي الذي طالما أثقل قلبه.. إنها لحظة مميزة يمتزج فيها الشعور بالانتصار والثقة والقوة والرضا بما مضى والاستعداد للقادم بحلوه ومره..

ويبدأ الإنسان في مواجهة واقعه الجديد الذي اختاره بنفسه ولكن يجب ألا يتوقع أن الحياة وردية وأن كل توقعاته بجمال الحياة الجديدة قد لا تكون كما تخيلها.. أحيانا يصطدم بمشكلات صعبة ترهقه وتتعبه فأحيانا يقف لها ويتحداها وينجح في اجتيازها، وأحيانا يقع ويضعف ويفشل في تحقيق أحلامه..ولكن في النهاية ينجح ويتمكن من شد كل خيوط التجربة الجديدة بين أصابعه.. ثم يشعر بالتمكن والسيطرة ويعتاد كل ما حوله من جديد وتتحول التجربة الجديدة إلى منطقة راحة أخرى استنفد فيها كل طاقاته ووصل فيها لأقصى ما يستطيع ورجع مرة أخرى لقوقعته وملاذه الآمن لحين إشعار آخر…

فيالها من تجربة إنسانية فريدة وياليت كل منا ينتبه لها ويفكر فيها لما لها من بعد نفسي عميق وتأثير كبير على اختيارات الإنسان في الحياة وشكل حياته في المجمل..

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب