إنها تصرخ

شخصيتي مسالمة، سلوكي هادئ، ويصعب إغضابي، أنا متصالحة مع هدوئي هذا، أشعر بالإحراج من نفسي عندما يعلو صوتي، رغم أن ذلك قليل الحدوث إلا أنني لا أطيقه، فعندما ينتهي الموقف الذي اتضح فيه غضبي، لا أسلم من أفكاري، وأجد بعدها أن ما حدث كان أمر تافه لا يستدعي انفعالي..

لا أريد مقابلة أشخاص يعرفوني، لا أجد أنهم يفهمونني وكيف ولم أتصرف هكذا؟ أجدهم فقط يطلقون الأحكام على ما تبصقه أفواههم سموم، لا تؤذي سوى من حولهم، أعرف أن الجميع يخطئ منهم أنا، لكنني لا أريدني أن أخطئ، لا في حق نفسي بصراخي وبارتفاع صوتي، فأنا أجهلني حينها، لا أعي ما أقول، أو لم أقوله حتى كما أنني لا أحب أن يصرخ على أحد وقد أبكي إذا علا صوت أحدهم على وسواس أفكاري يخيفني، فإلى أين ستسبح بعد أن تومض دالة على تحرك تروس عملها، أصبح أنا عندها ضحيتها، متكور على نفسي في إحدى زوايا غرفتي، ولا يخرج سؤال وحيد من عقلي لما صرخت، لما انفلت صوتي مني، لعل تمالك البعض لغضبهم أمر سهل يمكنهم التحكم به.

قرأت عن الغضب وعلمت أن الصراخ إحدى طرق تخفيفه أحيانًا، لكن أيضًا يكون الإنسان في حالة لا وعي مؤقت أثناء الغضب، لذلك الكثير منا يتساءل بعد نوبة غضبه، كيف فعلت ذلك؟ أو كيف لم أتحكم بنفسي؟

وقد تنفلت منا الكثير من الكلمات التي بمقدورها هدم الكثير بيننا وبين من نحبهم أن يواجه المرء مشكلة مع الصراخ والغضب المفرط، أو الصوت العالي عامة بحيث يؤثر عليه سلبًا، فذلك يرجع لتكوين شخصيته والمواقف التي مرَّ بها في صغره، والتي شكلت حاجزًا بينه وبين تحكمه في انفعالاته، لكن لا أحد يعلم هناك أشخاص يفقدون السيطرة على اتزان تصرفاتهم أثناء الغضب والصراخ، أنا لا أريد أن أكون مثلهم، فمثلاً عندما يشعر البعض بالحزن الشديد أو الخذلان، لا يستطيعون البكاء أو التخفيف عن أنفسهم سوى بترجمة حزنهم عن طريق الغضب والصراخ، هذا لا يخفف عنهم ولكن الاضطرابات الداخلية التي نتجت عن عجزهم لإظهار الحزن بصوره الطبيعية والتي هي البكاء، والانعزال، والصمت، والتفكير السلبي أحيانًا، أدت بهم ليظهروا حزنهم بأشكال عنيفة كالتحطيم، الملاكمة، الغضب من أتفه الأشياء، الكلام المؤذي، الصراخ على الغير، جرح الجسد، وأشكال أخرى بعضها مؤذٍ بشكل خطير، فالغالب على ردات فعلهم أنها تكون عنيفة ومؤذية لهم أو لغيرهم.

أخاف أن يأتي يوم وأصبح فيه هكذا، ليس لي مقدرة على إمساك حزني أو غضبي، أبتعد عن الكثيرين لا أحبذ الحصول على أصدقاء جدد، أنا مكتفٍ بمن هم لدي، لا أريد إهدار الوقت بتعريف نفسي عن شخصيتي.... 

"آنسة جاين كانت هذه آخر صفحة في دفتر يومياتك، لم توقفت عن الكتابة بعدها؟"، صمتت جاين لدقائق طويلة وهي تنظر لملامح ذاك الرجل الذي يرتدي معطفًا أبيض طويل، ولم يمل من انتظار إجابتها حتى الآن، لتحيب ومقلتاها مثبتة بعيني الطبيب؛ لأن ذلك كان آخر يوم لي وأنا بخير، دون نوبات غضب عنيفة، دون لا وعي مؤقت".

"هل تذكرين أي شيء بعدها ولو لمحة سريعة؟" 

"لا، لا شيء أذكره بعدها".

"ماذا حدث بعد أن استفقتِ من أول نوبة غضب لك؟" 

"وجدت أنني غرست السكين في فخذ أخي الصغير".

"وماذا فعلت عائلتك بعدها؟" 

"أخذوني لشخص يرتدي نفس ثيابك الآن". 

"وماذا بعد؟" 

"جاريتهم في الذهاب ولم أمانع ورغم كثرة الأدوية التي أخذتها، نوباتي لم تختفِ، ووجدتني أحرقت المنزل في آخر نوبة لي".

"لم يمت أحد رغم ذلك، وحمدًا لله لم يصب أحد بأذًى بليغ، أليس جيدًا؟" 

"لكن قراري لدخول المصحة نهائي، أريد أن أكون بخير بشكل كامل، حتى وإن سامحني أهلي ولم يوافقوا على قراري، لا أريد أن أصاب بتلك النوبات وتجربة أذيتهم مجددًا".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.