تعد قصة عنترة بن شداد من أشهر قصص الحب والفروسية التي نقلها الأدب العربي والقصص الشعبية وأفلام السينما والأعمال الدرامية حتى صار اسم عنترة بن شداد مقترنًا بالشجاعة والإقدام والحب والشوق والهيام وكتابة الشعر في المواقف كلها، لكن كثيرًا من الناس لا يعرفون قصة عنترة بن شداد الحقيقية. وفي هذا المقال نصحبك بجولة سريعة في حياة عنترة بن شداد؛ لنتعرف إلى كثير من الحقائق والمعلومات المدهشة عن هذا الشاعر الفارس العربي المشهور في السطور التالية:
عنترة بن شداد المولد والنشأة
ولد عنترة بن شداد عام 525م في بلاد نجد وسط شبه الجزيرة العربية لأم حبشية اسمها زبيدة، كانت أميرة، وأسرت، ثم اشتراها شداد بن قراد الغطفاني، وأعجب بها كثيرًا، ورزق منها بعنترة، وكان لعنترة إخوة من أمه؛ هم شيبوب وجرير، لكن العرب لم تكن تعترف بأبناء الإماء إلا إذا كان أحدهم صاحب بطولة أو شاعرية أو ميزة كبيرة يستحق عليها العتق والاعتراف والنسب.
كان عنترة بن شداد قوي البنية عبوس الوجه يحمل الأوصاف الإفريقية نسبة إلى أمه، فشعره ملفوف، ومنكباه مشدودان، طويل القامة، شدقاه كبيرتان، بالإضافة إلى ملامح أبيه شداد بن معاوية.

سمي الفتى عنترة بن شداد بهذا الاسم الذي يعبر عن القوة في الضرب، وكان يلقب في قبيلته بـ(الفلحاء)، وهو ما يعني صاحب الشق في شفته السفلى، وكان العرب يطلقون عليه أبا الفوارس نظرًا لشهرته الكبيرة في القتال ومقارعة الفرسان.
حياة عنترة بن شداد بين العبودية والحرية
عاش عنترة بن شداد حياة الرق والعبودية والحرمان والمهانة؛ لأن أباه شداد لم يعترف به، ورغم أنه يعرف أنه ولده كان يعامله معاملة صعبة، وكثيرًا ما ضربه بالعصا والسيف، لكن عنترة بن شداد كان لا يحمل ضغينة لأبيه، لكنه كان يرجو دائمًا أن يلحقه بنسبه، ويرفعه إلى درجة الأحرار، فكانت تلك هي قضية عنترة بن شداد في مرحلة الرق والعبودية.
ومع مرور الأحداث ونتيجة للغارات والحروب المستمرة بين قبائل العرب أغارت قبيلة (طيئ )على قبيلة (عبس) التي ينتمي إليها عنترة بن شداد، وذلك ضمن سلسلة من النزاعات التاريخية بين القبيلتين، فبعد أن أغارت قبيلة عبس على قبيلة طيء، واستولت على الإبل والأغنام.
وكان عنترة مشاركًا في الغزو، لكنهم لم يعاملوه معاملة الفارس أو الحر، وإنما أعطوه نصيب العبد، وهو النصف، وبذلك عندما جاءت قبيلة طيئ تغزو قبيلة عبس وقف عنترة بن شداد موقف المدافع لا المهاجم، وعند احتدام المعركة طلب منه أبوه شداد أن يهاجم فرسان بني طيئ قائلًا: «كر يا عنترة»، فرد عليه عنترة بن شداد قائلًا: «لا يحسن العبد الكر، ولا يجيد إلا الحلاب والصر».
لم يجد شداد أمامه في ذلك الوقت الصعب إلا أن يمنح عنترة حريته في مقابل صد الهجوم والدفاع عن القبيلة، فقال له: «كر يا عنترة وأنت حر»، وهو ما جعل عنترة بن شداد يهاجم بضراوة شديدة ضاربًا بسيفه يمينًا ويسارًا حتى ألحق خسائر كبيرة في صفوف بني طيئ، وأجبرهم على الفرار والانسحاب، فكان النصر لقبيلة بني عبس التي احتفلت احتفالًا كبيرًا بعنترة بن شداد الذي أصبح حرًا وكريمًا في أهله، وعرفه بعدها العرب بالفارس عنترة بن شداد.
عنترة وعبلة القصة الحقيقية بعيدًا عن المبالغات
تعد قصة حب عنترة وعبلة من أشهر قصص الحب في السيرة العربية وأقدمها، فقد كانت ترتبط كثيرًا بحكايات وتفاصيل جانبية معظمها ليس حقيقيًا، وإنما جاء من باب الزيادة في السيرة الشعبية، وكذلك بسبب ما قدمته السينما والمسلسلات التي أضافت كثيرًا من الأمور غير الحقيقية في قصة عنترة وعبلة.
كان عنترة يحب ابنة عمه عبلة بنت مالك حبًا شديدًا على الرغم أنها كانت من أجمل نساء العرب، وكان صيتها يصل إلى أطراف شبه الجزيرة العربية بسبب جمالها وعقلها، وهو ما جعل أباها مالك وأخاها عمرو يرفضان هذه العلاقة بين ابنتهم وبين العبد الأسود عنترة بن شداد حين تقدم لخطبتها، ما جعلهما يطلبان منه طلبًا تعجيزيًا لكيلا يتم الزواج، وقيل إن مالك طلب من عنترة أن يحضر له ألفًا من نوق الملك النعمان مهرًا لعبلة، وهي النوق التي كانت تشتهر بين العرب (بالنوق العصافير).

وتحكي القبائل العربية رحلة عنترة بن شداد إلى بلاد الملك النعمان، وكيف أنه وقع في الأسر عندما خرج في طلب النوق العصافير، وكيف لقي الأهوال في رحلته حتى استطاع أن يعود بالمهر الغالي، لكن عمه مالك عاد ليماطله ويطلب منه كثيرًا من الأمور الصعبة، بل المستحيلة حتى علم عنترة في النهاية أن عمه لن يزوجه عبلة.
وصل الأمر إلى أن مالك بن شداد من شدة كرهه لعنترة بن شداد أن عرض ابنته عبلة على الفرسان الذين ينتمون إلى أشهر القبائل العربية في مقابل أن يكون مهرها هو رأس عنترة بن شداد، وهو ما جعل عنترة يتعرض إلى كثير من المكائد ومحاولات القتل، لكنه صدها جميعًا حتى استطاع في النهاية أن يظفر بعبلة ويتزوجها.
تختلف المصادر التاريخية التي تعتمد في معظمها على الآراء والتكهنات، فيميل بعض المؤرخين إلى أن عبلة لم تتزوج عنترة بن شداد، وذلك قياسًا على عادات العرب في تلك المرحلة التي كانت تنص على منع البنات من الزواج بأي شخص هام بها أو أحبها قبل الزواج، وبعض المؤرخين رجح أن تكون عبلة قد تزوجت من أحد فرسان العرب غير عنترة بن شداد، لكن معظم المصادر قد أكدت على أن عبلة وعنترة قد تزوجا بعد أن أعرض عنها الفرسان خوفًا من ثأر عنترة بن شداد وانتقامه.
مقتطفات من شعر عنترة بن شداد
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلا من طبعه الغضب
ومن يكن عبد قوم لا يخالفهم إذا جفوه ويسترضي إذا عتبوا
قد كنت فيما مضى أرعى جمالهم واليوم أحمي حماهم كلما نكبوا
لله در بني عبس لقد نسلوا من الأكارم ما قد تنسل العرب.
لئن يعيب سوادي فهو لي نسب يوم النزال إذا ما فاتني النسب.
وقال:
دعوني أوفي السيف في الحرب حقه وأشرب من كأس المنية صافيا
ومن قال إني سيد وابن سيد فسيفي وهذا الرمح عمي وخاليا

وقال:
أنا في الحرب العوان غير مجهول المكان
أينما نادى المنادي في دجى النقع يراني
وحسامي مع قناتي لفعالي شاهدان
إنني أطعن خصمي وهو يقظان الجنان
اسقه كأس المنايا وقراها منه داني
أشعل النار ببأسي وأطأها بجناني
إنني ليث عبوس ليس لي في الخلق ثاني
خلق الرمح لكفي والحسام الهندواني
ومعي في المهد كانا فوق صدري يؤنساني
وقال:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ومحلم يسعون تحت لوائهم
إذ لا أزال على رحالة سابح نهد تعاوره الكماة مكلم
طورًا يجرد للطعان وتارة وإلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دم
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وفاة عنترة بن شداد.. كيف انتهت حياة فارس بني عبس؟
توفي عنترة بن شداد وهو شيخ كبير، وعلى الرغم من اختلاف الآراء والمصادرالمتعلقة بتاريخ وفاته، فإن معظم الأخبار تتحدث عن وفاته بين عام 600 و615م، وتتحدث أكثر الروايات المتداولة عن موت عنترة بن شداد قتيلًا عندما أغار على قبيلة طيئ وهو شيخ كبير، فرماه أحد الفرسان برمح في ظهره فأصابه إصابة شديدة، فتحامل عنترة بن شداد على نفسه حتى بلغ أهله، ومات متأثرًا بجراحه.
وفي هذا المقال الذي حاولنا فيه توضيح القصة الحقيقية لأبي الفوارس عنترة بن شداد نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال عبر مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.