خرجنا للحياة بلا تكافؤ في الفرص، فبعضهم وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب، وبعضهم بملعقة من حديد، وبعضهم بلا ملعقة.
بيد أن الانضمام لقائمة المبدعين والناجحين متاح للكل بلا استثناء، في الأدب وفي الرياضة وفي الإعلام وفي التجارة وفي الفلك وفي الكيمياء وفي الجيولوجيا... إلخ.
صحيح أننا لو استعرضنا مجموعة من الأسماء الناجحة في مجالات مختلفة سنجد التفاوت في بذل الجهد، فبعضهم بذل مجهودًا خرافيًّا لكونه من طبقة مهمشة، وبعضهم بذل مجهودًا بسيطًا وأسعفه الحظ، وبعضهم لم يشقَ لكونه من طبقة أرستقراطية، أو لأي سبب آخر، لكن في النهاية الجميع وصل.
اقرأ أيضاً أجمل قصائد عنترة بن شداد في الغزل والحب
وضع عنترة في مستهل حياته
لن أضرب لك مثالًا بنيلسون مانديلا أو مارتن لوثر كينغ أو أي اسم من إفريقيا أو أمريكا أو أوروبا أو الهند، بل سأضرب لك مثالًا من التراث العربي.
عندما تقلب في أحد كتب الأدب العربي ستقف حتمًا عند اسم عنترة بن شداد العبسي..
كان أبوه شداد من أقطاب قبيلة عبس، في حين كانت أمه جارية سوداء، وُلد عنترة بجلد أسود، عبد منبوذ من القبيلة، أبوه غير معترف به وكأنه ليس من صلبه، مهمش دوره ينحصر في رعي الإبل والحلب.
نظريًّا وعلى الورق نسبة نجاحه صفر أو قل ضئيلة جدًّا، ولكنه لم ييأس ولم يعبأ بهذه الحزمة من المحبطات بل إنه نجح بامتياز وبجدارة وبعرق جبينه بلا دعم ولا تسهيلات وأثبت وجوده وصار من مشاهير قبيلة عبس بعد أن كان من المنبوذين في القبيلة وخلد اسمه في مجلد الخالدين.
اقرأ أيضاً أيام الأوس والخزرج
وصفة عنترة للخروج من التهميش
سهلة جدًّا ولا تحتاج إلى ذكاء أو عبقرية نادرة أوجزها لكم في بضع كلمات:
طوِّر نفسك وطوِّر قدراتك تفز.. ولذلك لم يكن أمام عنترة من حل للخروج من إسار العبودية والتهميش إلا تطوير نفسه وقدراته في ما هو متاح له، وما يحتاج له عصره الذي عاش فيه.
فهو قد عاش في زمن الفروسية والاعتماد في الحروب وقتذاك يرتكز على القدرات البدنية بنسبة كبيرة، فلا دبابات ولا صواريخ ولا طائرات ولا تكنولوجيا، بل خيل وسيف ورمح، فطوَّر نفسه في القتال والفروسية وجندلة الأعداء، متسلحًا بالشجاعة والإقدام ومستفيدًا من عضلاته وقوته الجسمانية، حتى أتت اللحظة التاريخية التي نقلت عنترة من طور إلى طور آخر مختلف كليًّا.
فعندما أغارت إحدى القبائل على قبيلة عبس استنجد به أبوه لصد العدو ودحره، فامتنع في البداية لكونه عبدًا وليس حرًّا لكي يكون في صفوف المقاتلين ويتصدى لهم، فقال أبوه قولته الشهيرة (كر وأنت حر)..
حرية لم ينلها بضربة حظ أو بلا جهد.. حرية احتاج إلى سنوات من الكفاح والتدريب وبذل الجهد والمغامرة وإثبات الجدارة حتى نالها؛ ليتحقق له الاستقلال والانتقال من العبودية إلى الحرية.
أيضًا عنترة سجل اسمه في صفحات الأدب العربي مع امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى وطرفة بن العبد ولبيد بن ربيعة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة بمعلقته الشهير..
هل غادر الشعراء من متردم
والتي تصنف ضمن المعلقات السبع، أشهر وأفضل ما كتب في الشعر في العصر الجاهلي.
أخيرًا، لكل من يتعلل بالتهميش أو العنصرية ويكثر البكاء والعويل والشكوى، لا حل أمامك إلا تطوير نفسك وقدراتك، عندما تبرز وتتفوق في مجال معين ستجبر الآخرين على البحث عنك وملاحقتك للانضمام إليهم، وتذكر عنترة، العبد الأسود، إلا أن براعته في القتال أخرجته من قيدي العبودية والتهميش فصار بطلًا شعبيًّا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.