ازدواجية النظرة بين ما يجب وما يفاجئك في الواقع أمر صعب، بل أصعب منه تعاملك معه، والمشكلة هل تساير الأول أم تحاكي الثاني؟ نحن -ولا أعني أحدًا- نتفاخر في الحضر بكوننا ريفيين، من أرض الفلاح الدؤوب، صاحب العمل الجاد، دائمًا ما نحب فيها أن نظهر بتلك الهيئة، هيئة الرجل الأسمر اللون، ذي الحذاء البالي، تفوح منه رائحة العرق النفاذة، والقميص الواسع ذي الكم الكبير، والعمامة البيضاء التي تميل إلى الصفرة، نتفاخر بكوننا هذا الرجل الذي لا يعرف عملًا إلا عمل به، ولا يعرف همًّا إلا حمله، ولا سبيلًا إلى الحزن إلا سلكه، دائمًا ما نسرد قصصًا بطولية ربما حدثت في الماضي أو لا، المهم أن نُرى في أعين الآخرين ذلك الشهم المغوار صاحب القدم المتشققة، دائمًا ما نتفاخر بأنّا فلاحون متمرّسون، وريفيون أصليون، نعشق الخضرة رياءً، ونغرس الوردة هباءً، نتظاهر بالجدِّ والعمل، وتحمُّلنا ما لا يُطاق جرَّاء تلك الفكرة.
وعلى النقيض من ذلك، عندما نعود إلى الريف نتحضَّر ونلبس الكاجوال، ونعيب فعل هذا وذاك، ونذكر أحداثًا، ونحكي قصصًا لا نملك منها إلا الهوامش، نضحك من ألفاظ عشنا بها أيامًا وسنوات، وأفكار سكنت عقولنا دهورًا، تتعاوج ألسنتنا بغير ما ألفناه، ونرتسم صورة مبهرة، كل هذا أيضًا لنُرى في أعين الآخرين أرباب أعمال وملاك أموال، نعمل أو ندرس في أفخم الأماكن، نود دومًا أن ننقل صورة أماكننا هذه على أنها من عالم آخر غير عالم الأرض، عالم يعجُّ بالفخامة والحداثة والتحضر، يسكنه أناس لا يعرفون العمامة والقميص، وهكذا لا نعرف سبيلًا للتنمُّر إلا سلكناه، ولا معركة للفخر إلا خضناها، زينةً وفخارًا وتيها، وفي غالب الأحيان يكون ذلك كله على أرجاء خاوية، كل هذا أيضًا في سبيل تلك الفكرة.
فأين نحن؟ ومن نحن؟ عنبٌ من الشام أم بلحٌ من اليمن؟!
عزيزي القارئ، وعزيزتي القارئة، كن أنت كما أنت، أصلك ومعدنك ثابت على مبادئك، لا تُغرِيَنَّك ترهات الحياة، فالثبات يكسبك الاحترام، أما التلون في المعاملات فيسقط الهيبة والثقة، فإن أعظم ما يمكن أن نفعله هو أن نكون كما نحن، دون أن نبحث عن تصفيقٍ أو قبول. فالأنهار لا تغيِّر مجراها إرضاءً للأرض، بل تشقُّ طريقها على الرغم من كل العوائق. كن كما أنت، ثابتًا، موقنًا أن وجودك ليس بحاجةٍ إلى إذن، وأن قيمتك لا تحددها أعين الآخرين، بل ما تتركه من أثر، حتى لو لم يروه الآن.
من أجمل ما قرأت ،معبرة جداً للواقع الذي نعيشه
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.