لا أعرف متى رأيتُ عمِّي محمود أَوَّلَ مرة لكن أتذكر أنني عندما انتبهتُ لملامح الحياة كان هو ضمن هذه الملامح، صوته الجهوريّ الذي يحمل معه الدفء، وقامته المتواضعة وابتسامته الصافية الخجلى، كان عمي محمود يَعرف كلَّ الشوارع بيتًا بيتًا، وكلَّ الأشخاص صغيرًا وكبيرًا .. رجلاً وامرأةً، كما أَنَّ كلَّ الشوارع تعرفه. تَعَوَّدْتُ كلَّ صباح أن أستيقظ على صوته في قريتنا في شمال دلتا مصر، قادمًا من بلاد النخيل والسعف (رشيد) المدينة العالمية إحدى مدن محافظة البحيرة، في القطار الذي يُسْلمُه إلينا كلَّ صباح لم ينقطع عمي محمود عن المجيء إِلاَّ ليومٍ أو يومين، ربما انشغل بأمر هام، لكنَّه لا يلبث أن يعود في موعده في الصباح يسألُ عن الناس ويسألُ عنه الناس.
يبيع عمِّي محمود لنا: أُمَّ الخُلُول والبرتقال الأخضر والبلح الرامخ، يحمل إلينا بشائر الأشجار، والأقفاص المصنوعة من جريد النخيل مقابل جُنَيْهات قلائل أو حُفنات من الأرز والشعير والقمح، لكن كانت (أُمّ الخُلُول) هي السلعة الرئيسة التي لا يتخلَّى عنها.
في كلِّ مرَّة يسبقني إلى نداءاته ابني (أُسامة)؛ ليظفر هو بشراء أُمّ الخُلُول، وفي كلِّ مرة يقول لأُسامة: (جدك - رحمة الله عليه - كان حبيبي)، وأُسامة الذي لم يره جَدُّه يَسألُني : (عمِّي محمود شاف جدَّي؟!)... في بساطة ويُسر تتم عملية المقايضة دون أدنى انفعال من الجانبين، عمي محمود مُبتسمٌ دائمًا حريصٌ على إرضاء زبائنه الذين عاش معهم أكثر مما عاشه بين أهله وجيرانه، وكذلك يحرص الزبائن على إرضاء عمي محمود.
يجيء في قطار السادسة صباحًا ليتوقف في محطته الأخيرة تلك التي تبعد عن قريتنا مسيرة ساعة، أوعشر دقائق باستخدام إحدى وسائل الانتقال، فيأتي مارًّا بخمس قرى ليطيب له المقام بيننا، ينادي... فتنفتح أبواب المنازل، وتتجاوب النداءات عليه: هات يا عم محمود ... تعالَ يا عم محمود ... خذ يا عم محمود... حتى إِذا فرغ من بيعه عاد فأدرك القطار في رحلته الأخيرة، وهكذا يأتي ويعود ضابطًا وقته على رحلتي الصباح والمساء..
مضى شهر رمضان بأيامه الجميلة وطقوسه البديعة، لا أَتذكَّرُ أَنَّه غاب فيه يومًا واحدًا حتى عصر آخر يوم من رمضان، لا أنسى نداءاته المتناغمة: (حِييييييلوة يا أم الخُلُول) ...
العيدُ جاءَ ولمْ يَعُدْ..
والقطار الذي تَعَوَّدَ أن يُسْلمَه إلينا كلَّ صباح حضر في موعده، إِلاَّ أنَّه عاد بدونه. لم نكن ندري أو يدري أُسامة أَنَّ هذه النداءات كانت آخر نداءات عمِّه محمود، وأَنَّه كان يُلَمْلِمُ معها فرحتنا به مثلما كان يستعد رمضان للرحيل !!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.