طه حسين هو مفكر وناقد مصري لُقب بـ(عميد الأدب العربي)، ويُعد من أهم دعائم التنوير في القرن العشرين. وتميزت مسيرته بتحدي فقدان البصر منذ طفولته ليحقق إنجازات تاريخية، أبرزها إقرار مجانية التعليم. أثارت معارك طه حسين الفكرية جدلًا واسعًا، خاصة أزمة كتاب (في الشعر الجاهلي) الذي طبق فيه منهج الشك، ما أدى إلى اتهامه وإقالته.
في هذا المقال، نقدم لك بعض معلومات عن طه حسين، ونوضح لك ما الذي ميز طه حسين فكريًّا عن عصره، ولماذا تعرض طه حسين للنقد الفكري دينيًا وسياسيًا، ولماذا دخل طه حسين معركة حامية بسبب كتابه عن الشعر الجاهلي.
تميّز طه حسين بتطبيق المنهج الديكارتي القائم على الشك والتحليل العقلي في دراسة الأدب والتراث، ودعا إلى إعادة قراءة الموروث بمنهج علمي، وربط الثقافة العربية بالثقافات الغربية، وقاد معارك فكرية بارزة أبرزها قضية في الشعر الجاهلي، إلى جانب تبنيه إصلاحات تعليمية مهمة مثل مجانية التعليم؛ لذا سواء اتفقت أو اختلفت مع الكاتب المصري الكبير طه حسين، فلا تستطيع أن تنكر أنه كان مختلفًا عن عصره على مستوى التفكير النقدي والأدبي، وكانت له رؤيته الخاصة في إعادة قراءة التراث.
وعلى الرغم من مسيرته الحافلة بالتمرد الفكري والدعوة للعقلانية، اختتم حياته بالدفاع عن التراث الإسلامي مؤلفًا عدة كتب تُنصف الإسلام، ليترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الفكر العربي.
متى ولد طه حسين؟ وكيف كانت طفولته؟
ولد عميد الأدب العربي طه حسين في 15 نوفمبر 1889. وفي سن مبكرة جدًا لم تتجاوز الأعوام الأربعة، أُصيب برمد في عينيه، وبسبب الجهل والاستعانة بحلاق القرية لعلاجه، فَقَدَ بصره بالكامل ليرافقه الظلام طوال حياته.
رغم هذه المحنة الباكرة، تميزت طفولته بإرادة صلبة؛ فألحقه والده بكُتّاب القرية، حيث أظهر ذكاءً حادًا وبراعة مذهلة في الحفظ، فتمكن من حفظ القرآن الكريم كاملًا في مدة وجيزة وهو في التاسعة من عمره، كما حفظ الألفية وبعض المتون الأدبية، مما أبهر شيخه وأهل قريته، ومهد له الطريق بعد ذلك ليرحل إلى القاهرة ويلتحق بالأزهر الشريف ويبدأ مسيرته الفكرية الاستثنائية.
ما أهم المناصب التي تولاها طه حسين؟
- عمل طه حسين صحفيًا مدة ثم عاد بعد ذلك ليعمل أستاذًا للأدب في كلية الآداب منذ عام 1934 حتى عام 1942.
- أصبح طه حسين مديرًا لجامعة الإسكندرية منذ عام 1942 حتى عام 1944.
- عمل طه حسين مستشارًا فنيًا لوزارة المعارف منذ عام 1942.
- تولى طه حسين منصب وزير المعارف منذ عام 1950 حتى عام 1952.
- تولى بعد ذلك رئاسة مجمع اللغة العربية في القاهرة منذ عام 1963.
- أصبح طه حسين رئيس اتحاد المجامع اللغوية في العالم العربي منذ عام 1971.

ما أبرز إنجازات طه حسين في حياته الوظيفية؟
سعى طه حسي انطلاقًا من الوظائف والمناصب التي تولاها على مدار حياته المهنية إلى تطبيق أفكاره ومعتقداته حول تطوير التعليم وتحقيق العدالة والمساواة في فرص التعلم. ومن أهم قراراته المهنية ما يلي:
- إقرار مجانية التعليم كشرط أساسي لقبوله منصب وزير المعارف، حيث أصبح التعليم مجانيًا حتى المرحلة الثانوية والثانوية الفنية.
- تطوير التعليم الفني والأولي عن طريق دمج المواد الثقافية مع المواد الفنية، وربط التعليم بالوحدة الوطنية، وجعل التعليم إجباريًا في المرحلة الأولى.
- التعاقد مع مجموعة كبيرة من المدرسين والأساتذة الأجانب من فرنسا وإنجلترا لتطوير التعليم وتعليم اللغة الإنجليزية، وعمل المناهج التي تتناسب مع العصر.
- إنشاء هيئات محو الأمية التابعة لوزارة التعليم لمواجهة الأمية بين الكبار، النساء والرجال على حد سواء.
- تطوير دور الجامعات لتعمل هيئات ثقافية من أجل تكوين المثقفين وليس العلماء فقط، مع إصلاح النظام الجامعي على مستوى المناهج والتعليم.
كيف كان طه حسين مختلفًا فكريًّا عن عصره؟
كان طه حسين حالة خاصة في الأدب والفكر والنقد العربي، على الرغم من أن كثيرًا من أفكاره نالت نقدًا هائلًا وكانت سببًا في كثير من الجدل بين المفكرين والنقاد والعلماء ورجال الدين في ذلك الوقت. ومن أهم جوانب تميز طه حسين الفكري ما يلي:
العقلانية النقدية
- كان طه حسين من أوائل المفكرين والنقاد والأدباء العرب الذين يتبنون المنهج الديكارتي في النقد الذي يقوم على العقلانية النقدية بالشك والتحليل للوصول إلى الحقائق.
- بهذا المنهج دعا طه حسين لتحرير العقل من العواطف والأوهام المتوارثة وتطبيق العقلانية على كل مجالات المعرفة وعدم التسليم دون تفكير وتحليل.
تطبيق المنهج العلمي في الأدب والتاريخ
- من أهم السمات الفكرية لطه حسين أنه كان من أوائل من طبقوا المنهج العلمي في دراسة التاريخ والأدب. فقد طالب بدراستهم كظواهر اجتماعية وعلمية، وتحليل تلك الظواهر من البيئات والعصور، بدلًا من الدراسات النقدية التقليدية.
- وبهذه الطريقة، بدأ طه حسين ينزع هالة القدسية عن المسلمات التاريخية والأدبية التي تعد جزءًا هامًا من التاريخ العربي والإسلامي، ومنها ما يخص بعض الشخصيات والموروثات. كما دعا إلى إعادة النظر فيها بالمنهج العلمي والعقلي، وهو ما أثار جدلًا كبيرًا.
دمج الثقافات
- تميز طه حسين بقدرته على دمج الثقافات الغربية والشرقية ببعضها وربط الثقافة العربية والإسلامية من ناحية بالثقافات الغربية مثل اليونانية والفرنسية من ناحية أخرى، وهو أمر لم يقدم عليه كثير من المفكرين قبل طه حسين.
- كان طه حسين أيضًا يؤمن بأن مصر تنتمي أكثر وبشكل حضاري وثقافي إلى حوض البحر المتوسط، فهو ما عبر عنه في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) الذي أثار أيضًا الجدل، فعدَّ بعضهم أنه بذلك ينفي عن مصر عروبتها وإسلاميتها.
دور المثقف العضوي
- مع كل هذه الأفكار التي أتى بها طه حسين وأثار بها الجدل، لم يكن أبدًا مفكرًا أكاديميًا منعزلًا، بل حاول تطبيق أفكاره في أرض الواقع وخاض كثيرًا من المعارك الفكرية والسياسية الكبرى، ومنها معركة مجانية التعليم.
من ناحية أخرى، عكف طه حسين على إعادة قراءة التراث قراءات نقدية جديدة، محاولًا استخراج القيم الإنسانية والعقلانية، ومن أشهرها قراءاته شخصيات المتنبي وابن خلدون وأبي العلاء المعري.
ما أشهر المعارك الفكرية التي خاضها طه حسين؟
عندما نتحدث عن المعارك الفكرية في حياة طه حسين، نحتاج إلى مقالات ومقالات، حيث كان دائمًا ما يثير الجدل ويصطدم بالثوابت الفكرية، ما جعله يدخل في معارك عدة، ومن أبرز هذه المعارك ما يلي:
معركة (في الشعر الجاهلي)
- كانت هذه المعركة التي سببها كتاب (في الشعر الجاهلي) -أحد أهم أعمال طه حسين- من أبرز المعارك الفكرية في القرن العشرين، فقد طبق طه حسين منهجه الديكارتي القائم على الشك على الشعر الجاهلي.
- قال طه حسين: إن الشعر الجاهلي معظمه منتحل ومصنوع وأنه كتب بعد ظهور الإسلام ونُسب للجاهليين لأغراض دينية وسياسية. وقال: إن لغة هذا الشعر لا تظهر الاختلافات اللغوية بين القبائل ولا تصف البيئة الجاهلية الحقيقية.
- أدت آراء طه حسين إلى معركة كبيرة متعددة الأطراف، فقد هاجمه علماء الدين واتهمه بعضهم بالإلحاد والإساءة للإسلام ووصل الأمر إلى ساحة القضاء بتهمة إهانة الدين، لكن التحقيق تم حفظه بعد ذلك لعدم كفاية الأدلة.
- وفي الأخير اضطر طه حسين إلى سحب الكتاب من الأسواق وتعديله وحذف بعض الأجزاء ثم أعاد نشره في العام التالي عام 1927 بعنوان جديد هو في الأدب الجاهلي.

معركة الواقعية الاشتراكية
- وهي من المعارك الفكرية الشهيرة التي شهدتها الخمسينيات من القرن العشرين، فهاجم بعض المفكرين والعلماء مثل محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس طه حسين واتهاموه بالبرجوازية والمثالية في نقده الأدبي.
- رد طه حسين على مهاجميه بدفاعه عن الأدب كونه قيمة إنسانية عالمية وفنية ورفض تقييده بظروف اجتماعية أو منهج ضيق، وقال: إنه يجب أن يتجاوز كل الطبقات.
- شهدت المعركة سجالًا طويلًا في عدد من الكتب والمقالات والمنشورات الصحفية، وانقسم المجتمع الأدبي والفكري لفريقين: أحدهما يؤيد الواقعيين الاشتراكيين، والآخر يؤيد طه حسين ومنهجه النقدي.
معركة لقمة العيش
- أحد أشد الصراعات الأدبية والفكرية التي امتدت طويلًا التي بدأت عام 1930 عندما تحدث طه حسين عن كتاب زكي مبارك (النثر الفني) بطريقة لم تعجب زكي مبارك، ثم أبعده بعد ذلك عن الجامعة وفصله منها عام 1931.
بدأت بعد ذلك الخصومة بين طه حسين وزكي مبارك، ما أدى إلى حرمان زكي مبارك من الاستقرار في وظيفته الجامعية، وتحولت إلى عداوة شخصية، فكان يهاجم كتب طه حسين ويقول إنه اكتشف أخطاء وسرقات في مؤلفات عميد الأدب العربي.
- أطلق على المعركة بين زكي مبارك وطه حسين في الساحة الأدبية والفكرية معركة (لقمة العيش)، ولم ينتهِ زكي مبارك من مهاجمة طه حسين حتى وفاته عام 1952 بشكل مفاجئ.
لماذا طرد طه حسين من الجامعة؟
أُقيل طه حسين من منصبه كعميد لكلية الآداب وفُصل من الجامعة المصرية في مارس عام 1932 نتيجة معركة سياسية ووطنية خاضها دفاعًا عن استقلال الجامعة الأكاديمي وضد استبداد حكومة إسماعيل صدقي باشا، بعد رفضه القاطع منح شهادة الدكتوراة الفخرية لعدد من السياسيين الموالين للحكومة، وفي مقدمتهم وزير المعارف يحيى إبراهيم باشا، وهو الموقف الشجاع الذي دفع مدير الجامعة أحمد لطفي السيد للتضامن معه وتقديم استقالته احتجاجًا على التدخلات الحكومية الفجة.
ماذا قال طه حسين عن الإسلام؟
تتلخص مسيرة عميد الأدب العربي الفكرية في التحول من منبع أزهري محافظ إلى انبهار عارم بالثقافة الغربية؛ ليدخل بعدها ذروة تأثره بالنموذج الحضاري الغربي وقيم التغريب.
وفي هذه المرحلة، تبنى غلو الشك الديكارتي في نقد الأدب والتراث، ما تسبب في اشتعال معاركه الفكرية الكبرى التي ذكرناها، وإصدار مؤلفاته الأكثر جدلًا على رأسها (في الشعر الجاهلي).
وفي آخر حياته دخل في مرحلة التناقض الإيجابي ثم الرجوع والانتصار الكامل للإسلام والعروبة؛ فبدأ طه حسين يبتعد تدريجيًا عن تيار التغريب المطلق، ليستهل كتاباته في الإسلاميات والدفاع عن العقيدة، مبرزًا المعجزة القرآنية في كتابه (على هامش السيرة).
وتُوِّجت هذه الرحلة بنضج فكري وعاطفي بالغ عقب زيارته أرض الحجاز، فأصدر مؤلفاته الأخيرة مثل (مرآة الإسلام) و(لشيخان)، ليؤكد حاكمية القرآن الكريم ويعود إلى الحق بوعي وشجاعة كاملين.

وفاة طه حسين
توفي عميد الأدب العربي طه حسين في 28 أكتوبر عام 1973 عن عمر ناهز 84 عامًا، وذلك في منزله (فيلا رامتان) بالقاهرة إثر وعكة صحية مرتبطة بتقدمه في السن، فرحل بسلام إلى جانب زوجته وشريكة دربه الفرنسية سوزان بريسو، بعد نحو 3 أيام فقط من نيله جائزة الأمم المتحدة المرموقة في مجال حقوق الإنسان، ليُسدل الستار على مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والمعارك الأدبية التي غيرت وجه الثقافة العربية الحديثة.
من تجربتي الشخصية وبصفتي باحثًا في الأدب العربي، أرى أننا في أمسّ الحاجة اليوم لاستدعاء العقلانية النقدية التي أسس لها طه حسين.
في عصر القص واللصق، أصبح كثيرون يُسلمون بما يقرؤون دون تفكير أو تمحيص، لقد علمنا عميد الأدب العربي أن الشك المنهجي ليس كفرًا، بل هو أولى خطوات اليقين وصناعة الوعي الحقيقي.
يجب ألا نخشى من تفكيك المُسلَّمات التي لا تعتمد على دليل علمي، وأن نحارب الأمية الرقمية بالشراسة نفسها التي حارب بها طه حسين أمية القراءة والكتابة حين جعل التعليم كالماء والهواء.
ما الذي يميز طه حسين؟
تميز طه حسين بانتهاجه العقلانية النقدية والمنهج الديكارتي (الشك للوصول لليقين)، وتطبيقه للمنهج العلمي الصارم في دراسة الأدب والتاريخ، إضافة إلى قدرته الفذة على دمج الثقافة الغربية بالتراث العربي والإسلامي.
ماذا قال العلماء عن طه حسين؟
انقسم العلماء والمفكرون حوله؛ فبينما هاجمه علماء الدين المحافظون بشدة (خاصة في أزمة الشعر الجاهلي) واتهموه بالتغريب والإساءة للتراث، أشاد به علماء الأدب والمفكرون التنويريون كقائد لثورة فكرية أنقذت الأدب العربي من الجمود الأكاديمي وجعلته علمًا يُدرس بأدوات حديثة.
ما أشهر مقولة لطه حسين؟
أشهر مقولاته على الإطلاق التي غيرت مجرى تاريخ مصر الحديث هي: "التعليم كالماء والهواء، حق لكل مواطن"، وهي المقولة التي أسست لإقرار مجانية التعليم في مصر في أثناء توليه وزارة المعارف.
ما هي أهم إنجازات طه حسين؟
أهم إنجازاته إقرار مجانية التعليم العام والفني، إنشاء هيئات محو الأمية، تطوير المناهج الدراسية، تأسيس وتطوير جامعات كبرى (مثل جامعة الإسكندرية)، وتولي رئاسة مجمع اللغة العربية.
ماذا قال طه حسين عن الإسلام؟
على الرغم من بداياته التي اتسمت بالشك الشديد والتأثر بالتغريب، عاد طه حسين في أواخر حياته للانتصار القوي للإسلام والتراث، وكتب مؤلفات عميقة تُعظم العقيدة وتدافع عن الإسلام، أبرزها كتابه (على هامش السيرة)، و(مرآة الإسلام)، معترفًا بالإعجاز القرآني.
إن دراسة المسيرة الفكرية لعميد الأدب العربي تكشف لنا بوضوح أن تميزه لم يكن اختلافًا عابرًا، بل كان ثورة منهجية شجاعة أعادت صياغة علاقة العقل العربي بالتراث وبالآخر الحضاري. ومهما بلغت شدة السجال حول آرائه، فإن المعارك الفكرية والاجتماعية التي خاضها تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الثقافة العربية الحديثة.
في ختام هذا المقال، نكون قد استعرضنا ملخص حياة طه حسين الذي لم يكتفِ بكونه كاتبًا بارعًا، بل كان فيلسوفًا وثائرًا ومصلحًا. إن إنجازات طه حسين ومواقفه، بدءًا من إقرار مجانية التعليم حتى معاركه عن كتاب في الشعر الجاهلي، تثبت أن العقل البشري قادر على تجاوز أصعب المحن.
لقد أثبت عميد الأدب العربي أن البصيرة الحقيقية لا تحتاج إلى عينين، بل إلى إرادة حرة وفكر مستنير. شاركونا في التعليقات: ما أكثر كتاب قرأتموه لطه حسين وأثر في تفكيركم؟ ولا تنسوا مشاركة المقال عبر منصاتكم لدعم نشر المعرفة والثقافة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.