عمر بن أبي ربيعة: قصة أمير الغزل وأشهر قصائده

عمر بن أبي ربيعة (23 هـ - 93 هـ) شاعر أموي عاش حياةً مترفةً تنقَّل فيها بين حواضر الحجاز واليمن، وجعل من مواسم الحج محفلًا لشعره الغزلي الحواري ومغامراته النسائية.

ما هي قصة عمر بن أبي ربيعة؟

وُلد عمر بن أبي ربيعة في المدينة المنوَّرة، ليلة السادسة والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 23 هـ/ 644 م، وهي الليلة ذاتها التي اغتال فيها أبو لؤلؤة المجوسي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ومن هنا ارتبط تاريخ ومكان ميلاد عمر بن أبي ربيعة بحدث تاريخي مفصلي غيَّر وجه التاريخ الإسلامي.

وكان من أثر هذه المصادفة أن سُمِّي الوليد باسم الخليفة القتيل، على ما ذهب إليه ابن عبد ربه في «العقد الفريد»، والبغدادي في «خزانة الأدب». وقد علَّق عمر بن أبي ربيعة على هذه المصادفة التاريخية بقوله: «أي حق رُفع، وأي باطل وُضع». لكن من الرواة من يذكر أن قائل هذه العبارة هو الحسن البصري، ومنهم من يذكر أن قائلها هو ابن عباس.

وقد كُنِّيَ عمر بن أبي ربيعة بأبي الخطاب وبأبي جعفر، تشبيهًا بكنيتي عمر بن الخطاب، ونُسب في كثير من الأحيان إلى جده، أبي ربيعة حذيفة بن المغيرة، لا إلى والدِهِ عبد الله.

نشأة عمر بن أبي ربيعة ونبوغه الشعري

نشأ الشاعر في أحضان المدينة النبوية، حيث درس القرآن الكريم والحديث الشريف، واطلع على الفقه، وعُرف بالأدب المروي في زمنه. ومن طريف ما يرويه العيني أن الحارث الذي تعهَّد أخاه عمر بعد وفاة والدهما، كان أوَّل من تنبَّه إلى موهبة أخيه الصبي الشعرية الباكرة، فأتى به إلى عبد الله بن عباس، الفقيه المشهور، فاستنشده، فأنشده عمر من عيون شعره، فعلَّق ابن عباس مبهورًا: «لئن بقي هذا ليُخرجن المخبَّآت من خدورهن».

وقد كانت لآل أبي ربيعة مناسج ثرية في بلاد اليمن، وهي مسقط رأس «مجد» والدة عمر، وقامت عليها صناعتهم في النسيج واتجارهم الواسع به، ولا ريب في أنَّ عمر قد عاش رغدًا من مواردها منذ وفاة والده، في أوائل خلافة الإمام علي بن أبي طالب، وهو لا يزال غض الإهاب في الثانية عشرة من عمره.

أيام المدينة: مجالس اللَّهو وذكريات الصِّبا

قضى عمر صباه ومرحلة من شبابه في المدينة، ولقد كان للحِقبة التي قضاها أثر بالغ في حياته وفي تكوين أدبه، وكان له في المدينة أصحاب وندامى من أشرافها، يتردَّد معهم إلى بعض الملاهي ودور الغناء، ويشهد معهم مواسم العقيق الساحرة؛ وأبرز هؤلاء الأصحاب ثلاثة هم: خالد بن عبد الله القسري، وابن أبي عتيق عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

ولم تفارق ذاكرة عمر ذكريات صباه في المدينة الحافلة بالسعادة والمرح والظرف، فكان بين الحين والحين يلملم شتاتها في أبيات شعره، أو يخصها بقصائد بديعة.

شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة

ديوان عمر بن أبي ربيعة

امتلأ ديوان عمر بأشعار الغزل وغيره من صنوف الشعر، ومن هذه القصائد التي يضمها قوله:

وَلَـقَـدْ أَشْـهَـدُ الـمُـحَـدِّثَ عِـنْـدَ الـ ... قَـصْـرِ فِـيـهِ تـعَـفُّـفٌ وَبَـيَـانُ

فِـي زَمَـانٍ مِـنَ الـمَـعِـيـشَـةِ لَـذٍّ ... قَـدْ مَـضَـى عَـصْـرُهُ وَهَـذَا زَمَـانُ

أو قوله يتحسر على ما مضى:

يُـذَكِّـرُنِـي الـدَّهْـرُ مَـا قَـدْ مَـضَـى ... مِـنَ الـعَـيْـشِ فَـالـعَـيْـنُ تَـغْـرَوْرَقُ

لَـيَـالِـيَ أَهْـلِـي وَأَهْـلُ الَّـتِـي ... دُمُـوعِـي بِـذِكْـرَاهُـمُ تَـسْـبِـقُ

خليطانِ مَحضرُنا واحِدٌ ... فَحبلُ المودَّةِ لا يخلق

أو قوله المطول في رفاق شبابه وغواني أنسه:

ضَحِكتْ أُمُّ نَوْفَلٍ إِذْ رَأَتْنِي ... وَزُهَيْرًا وَسَالِفَ بْنِ سِنَانِ

عَجِبَتْ إِذْ رَأَتْ لِدَاتِي شَابُوا ... وَقَتِيرًا مِنَ المَشِيبِ عَلَانِي

إِنْ تَرَيْنِي أَقْصَرْتُ عَنْ طَلَبِ الـ ... ـغَيِّ وَطَاوَعْتُ عَاذِلِي إِذْ نَهَانِي

وَتَرَكْتُ الصِّبَا وَأَدْرَكَنِي الحِلْـ ... ـمُ وَحَرَّمْتُ بَعْضَ مَا قَدْ كَفَانِي

وَدَعَانِي إِلَى الرَّشَادِ فُؤَادٌ ... كَانَ لِلغَيِّ مَرَّةً قَدْ دَعَانِي

فَجَوَارٍ مُسْتَقْبِلَاتٌ إِلَى اللَّهْـ ... ـوِ حِسَانٌ كَنَوَاضِرِ الأَغْصَانِ

قُتُلٌ لِلرِّجَالِ يَرْشُقْنَ بِالطَّرْفِ ... هُنَّ حِسَانٌ كَخُذَّلِ الغِزْلَانِ

بُدَّنٌ فِي خَدَالَةٍ وَبَهَاءِ ... طَيِّبَاتِ الأَعْطَافِ وَالأَرْدَانِ

قَدْ دَعَانِي وَقَدْ دَعَاهُنَّ لِلَّهْـ ... ـوِ شُجُونٌ مِنْ أَعْجَبِ الأَشْجَانِ

فَاهْتَصَرْنَا مِنَ الحَدِيثِ غُصُونًا ... حَيْثُ لَا يَجْتَنِي، لَعَمْرُكَ، جَانِي

ذَاكَ طَوْرًا وَتَارَةً أَبْعَثُ القَيْنَةَ ... ثُمَّ وَهْنًا بِالْمِزْهَرِ الحَنَّانِ

وَأَنَصُّ المَطِيَّ بِالرَّكْبِ يَطْلُبْنَ ... هُنَّ سِرَاعًا بِوَاكِرِ الأَظْعَانِ

ذَاكَ دَهْرٌ لَوْ كُنْتُ فِيهِ قَرِينِي ... غَيْرَ شَكٍّ عَرَفْتَ لِي عصْيَانِي

وَتَقَلَّبْتُ فِي الفِرَاشِ وَلَا تَعْرِ ... فُ إِلَّا الظُّنُونَ أَيْنَ مَكَانِي

الرحيل إلى مكة وواقعة الحرة

ويبدو من أخبار عمر أنه قد اضطرَّ تحت وطأة الظروف إلى مغادرة المدينة والالتجاء إلى مكة؛ فإما أن يكون ذلك سنة 60 للهجرة مع أخيه الحارث، الذي غادرها مع مَن غادرها وعلى رأسهم الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وأتباعهما الذين رفضوا مبايعة يزيد بن معاوية بالخلافة، وإما أن يكون عمر قد لاذ بمكة الحرام إثر واقعة الحرة الفظيعة سنة ثلاث وستين للهجرة، التي دارت بين أهل المدينة والجيش الذي جرَّده يزيد لقمع ثورتهم ضد الأمويين.

ويرجح الدكتور جبرائيل جبور أن تكون القصيدة التي ذُكر أن عمر قد رثى فيها قتلى يومي صفين والجمل من أهل المعسكرين، إنما قالها في الحقيقة في قتلى واقعة الحرة من قومه، والقصيدة المقصودة هي التي أوردها الأصبهاني في كتابه:

تَقولُ اِبنَةُ البَكرِيِّ لَمَّا لَقِيتَنا ... لَقَد شابَ هَذا بَعدَنا وَتَنَكَّرا

فَمِثلِيَ الَّذي عايَنتِ شَيَّبَ لِمَّتِي ... وَمِثلُ الَّذي أُخفِي مِنَ الحُزنِ نَكَّرا

فَكَم فيهِمُ مِن سَيِّدٍ قَد رَزِئتُهُ ... وَذي شَيبَةٍ كَالبَدرِ أَروَعَ أَزهَرا

أولئِكَ قَومِي لا وَجَدُّكِ لا أَرى ... لَهُم شَبَهًا فيمَن عَلى الأَرضِ مَعشَرًا

أَذُبُّ وَراءَ المُستَضِيفِ إِذا دَعا ... وَأَضرِبُ في يَومِ الهِياجِ السَنَوَّرا

وَأَفضَلُ أَحلامًا وَأَعظَمُ نائِلًا ... وَأَقرَبُ مَعروفًا وَأَبعَدُ مُنكَرًا

مجالس العبث ورفقاء الأُنس في مكة

وقد عاش عمر في مكة حياة لهو وعبث مماثلة لتلك التي عاشها في المدينة، وكان له في بطحاء مكة رفاق صَفْوٍ، أشهرهم ثلاثة: ابن سريج المغنِّي المكي المشهور، والغريض المطرب المكي الذائع الصيت، والحارث بن خالد المخزومي، وهو من مترفي شباب مكة.

ومن طريف ما يرويه الأصفهاني في «الأغاني» أن إحدى النساء رجت ابن سريج ألا يذيع سرَّها مع عمر، وقد أشار عمر بنفسه إلى ذلك العهد المكتوم بقوله:

قـالـت وعـيـنـاهـا نـجـودانـهـا ... صـوحـبـت والـلـه لـك الـراعـي

يــا ابــن سـريـج لا تُـذِع سـرَّنـا ... قـد كـنـت عـنـدي غـيـر مـذيـاع

وما كان ابن سريج ليعرف بعلاقات عمر النسائية المتشعبة لو لم يكن يرافقه إلى المواضع والخيام التي كان يلتقي فيها عمر بمحبوباته، ويشهد عيانًا على تلك الغراميات. ويروي صاحب «الأغاني» أيضًا أن الغريض اجتمع ذات ليلة مع جماعة من نساء أهل مكة، وهو يغنيهنَّ طوال ليلتهنَّ الساهرة بشعر عمر العذب. وكان يطيب للغريض أن يذكره عمر في شعره الذي نظمه في بعض وقائع حبه، من ذلك قوله الذي ينقله الأصبهاني:

ولــقــد قــلــت مــخــفــيًا لـغـريض ... هــل تــرى ذلــك الـغـزال الأحـمَّـا

أما الحارث بن خالد، فقد كان شاعرًا مجيدًا يرافق عمر، وكانت له غرامياته المنفردة، ويذكر الأصبهاني ما يدلُّ على أنَّه كان ينافس عمر على قلب عائشة بنت طلحة، وكان ينظم فيها نسيب الأشعار كما كان يفعل عمر. ويورد الأصبهاني خبرًا مفاده أنَّ الحارث أخَّر الصلاة المكتوبة في أثناء الحج مرَّة، وهو والٍ على مكة، حتى فرغت عائشة من طوافها بالبيت، فأنكر الناس الصالحون عليه ذلك، وشكوه إلى الخليفة عبد الملك بن مروان، فبعث إليه يؤنبه ويزجره عما فعل، فقال الحارث معلِّقًا بجرأة المستهام: «ما أهون، والله، غضب عبد الملك إذا رضيت عائشة».

أسفار عمر بن أبي ربيعة ومآربه في مواسم الحج

لم يقم عمر في المدينة ومكة إقامة دائمة، بل كثيرًا ما تنقَّل في حواضر بلاد الحجاز، وسافر إلى خارجها في رحلات نائية استغرق بعضها زمنًا طويلًا.

دواعي أسفار قصة عمر بن أبي ربيعة

إن دواعي تنقلاته ورحلاته كانت متنوعة، منها ما هو لأسباب سياسية مردها اشتراك أخويه مباشرة في المعترك السياسي، ومنها ما كان لأسباب عائلية واقتصادية؛ فقد كانت أم عمر من اليمن كَمَا ذكرنا، وكانت أواصر القربى تحمله على زيارة إخوانه وأنسبائه هناك.

ويبدو من أبيات وردت في قصيدة أوردها الأصفهاني في ديوانه أنَّه سافر إلى اليمن لغاية تجارية محضة:

ما أنـسَ لا أنـسَ يـوم الـخيـف مـوقـفهـا ... ومــوقــفــي وكــلانــا ثَــمَّ ذو شَــجَــنِ

وقــولــهــا لـلـثـريَّـا وهــي بــاكــيـةٌ ... والـدمـعُ مـنـهـا عـلـى الـخـدَّيـن ذو سـنَـنِ

بـالـلـه قـولـي لـه فـي غـيـر مـعـتـبـةٍ ... مــاذا أردتَ بـطـول الـمُـكـثِ فـي يـمـنِ

إن كـنـتَ حـاولـت دنـيا أو رضـيـتَ بها ... فـمـا أخـذتَ بـتـرك الـحـجِّ مـن ثَـمَـنِ

وفي أبيات أخرى نعلم أنَّه قد أُصيب في أسفاره بالبرداء ـ وهو المرض المعروف اليوم باسم الملاريا ـ ومكث في اليمن مدة طويلة من أجل المعالجة والاستشفاء:

أرقـتُ ولـم يُـمْـس الـذي أشـتـهـي قـربـا ... وحـمـلـتُ مـن أسـمـاءَ إذ نـزحـتْ نُـصْـبـا

لـعـمـرك مـا جـاوزتُ غـمـدانَ طـائعًا ... وقـصـرَ شـعـوبٍ أن أكــون بـهـا صَـبَّـا

وقوله:

ولـكـنَّ حُـمَّـى أصـرعـتـني ثـلاثـةً ... مـجـرَّمـةً ثـمَّ اسـتـمـرَّت بـنـا غِـبَّـا

ولعله يشير إلى وجعه ومرضه هذا في شعره العاطفي الشجي الذي يقول فيه:

ســقــى ســدرتــي أجــيــاد فــالــدومـة الـتـي ... إلــى الــدَّار صــوب الــسَّــاكــب الـمـتـهـلِّـلِ

هـنــالـك لـو أنـِّـي مــرِضــتُ لـعــادنـي ... كــرامٌ ومــن لا يــأتِ مــنــهُــنَّ يــرسِــلِ

قصيدة عمر بن أبي ربيعة في الحج وشباكه الغزلية

كان لعمر بن أبى ربيعة في الحج مآرب أخرى، فكان بالنسبة له الموسم الخصيب المترع بالمغامرات النسائية ونصب شباكه لهن، فما من حاجة مليحة ولا عذراء فاتنة يقع عليها مجهر عمر بن أبى ربيعة إلا وكانت لها من معجمه الشعرى نصيب.

والطريف أنه صوَّر نفسه دائمًا في شعره وتشبيبه في موضع المُهام به وليس الهائم، وبلغت الجرأة بعمر بن أبى ربيعة أن تغزل في فاطمة ابنة عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن العزيز لما قدمت إلى مكة حاجة، ولكنه لم يذكر اسمها لأن عبد الملك كتب إليه يحذره من ذكرها في شعره، ولما ارتحلت قال فيها:

كدت يوم الرحيل أقضي حياتى ... ليتنى مت قبل يوم الرحيل

لا أطيق الكلام من شدة الخوف ... ودمعى يسيل كل مسيل

ذرفت عينها وفاضت دموعى ... وكلانا يلقى بلبّ أصـيل

لو خلت خلتى أصبت نوالا ... أو حديثا يشفى من التنويل

لـظل الخـلخال فوق الحشايا ... مثل أثناء حية مقـتول

فلقـد قالت الحـبيبة لـولا ... كثرة النـاس جدت بالتقبيـل.

من هي حبيبة عمر بن أبي ربيعة؟

وهذا النمط يمثل جوهر غزل عمر بن أبي ربيعة الفاحش والظريف في آن واحد؛ إذ لطالما كانت غراميَّات الشاعر أبرز دواعي جولاته وتنقُّلاته، وفي مقدمة أسباب أسفاره. فقد روى الأصفهاني في «الأغاني» أنَّه لمَّا صحبته سبيعة العراقية رآها عمر، فعلِق بحبِّها المتيم، فلما قفلت عائدة إلى العراق شيَّعها في هودجها حتى موضع بالكوفة يعرف باسم «الخورنق»، وفيها صاغ هذه الأبيات:

مِـــنَ الــبَــكَـــراتِ عِـــراقِـــيَّــــةٌ ... تُـسَـمَّــى سَـبـيــعَـةَ أطـريـتُــهــا

ومِـن حُـبِّــهـا زُرتُ أهــلَ الـعِـراقِ ... وأسـخـطـتُ أهــلـي وأرضـيـتُــهـا

أمُــوتُ إذا شَــحَــطَــت دارُهـــــا ... وأحــيـــا إذا أنَـــــا لاقَــيْــتُــهــا

فَـأُقْـسِـمُ لَـو أَنَّ مَــا بِـي بِــهَــا ... وكُــنــتُ الـطَّـبـيــعَ لَـداوَيـتُــهـا

وإنَّه، على ما يُروى، قد رافقت سبيعةُ عمرَ إلى المدينة المنورة في العام التالي من ذلك اللقاء.

وكان عمر يقصد الطائف خصيصًا ليقابل الثريَّا الغراء التي كانت تصيِّف هناك، كما تردَّد عمر مرارًا إلى بادية الحجاز والشام ليزور بني عذرة، وكان له أصدقاء خلّص من العذريين، ومنهم جميل بن معمر (جميل بثينة). ولم تخلُ أشعار عمر من أخبار سعيه الدؤوب إلى مضارب البدو وتسلُّله متخفيًا إلى خيم البدويات الكواعب.

ومن أشهر قصائد عمر بن أبي ربيعة قصيدته البائيَّة الشهيرة التي نظَّمها في محبوبة كنَّاها «أمَّ زيد»، إذ ألمَّ به خيالها الطائف وهو في أرض عمَّان، يقول فيها بنبرة مشتاقة:

ذكـــرَ الــقــلــبُ ذكــــرةً أُمَّ زِىْــدِ ... والـمـطـايـا بـالـسُّـهـبِ سـهـبَ الـرِّكـابِ

فـاسـتـجـنَّ الـفُـؤاد شـوقـًا وهـاج الـشَّـ ... ــوقُ حُــزْنـــًا لــقــلــبِــك الــمِــطْــرابِ

وبِــــذِي الأثْــــلِ مِـن دونِ تـبــوكٍ ... أرقـتــنَــــا ولــيــلَــــــةَ الأَخْـــــرابِ

وبـعـمَّـــان طــــاف مِـنـهـــا خــيـــالٌ ... قــلـــتُ أهــلًا بـطـيـفـهـــا الـمـنــتــابِ

هــجــرتــه وقــربـتـه لـــــوعْـــــدٍ ... وتــجــنَّى لــهــجــرتــــي واجـتـنـابـي

ونراه في قصيدة أخرى رائعة، لعلَّه قالها وهو في أرض فلسطين، يذكر فيها وجده وحرقة فؤاده من حبِّ فتاة من بني سعد نأت به الديار عنها وهي مستقرة في مكَّة:

يـا صـاحـبـيَّ تــصــدَّعـت كـبـدي ... أشـكــو الـغـداةَ إلـيـكـمـا وجــدي

مِـن حُـبِّ جـاريــةٍ كـلـفـتُ بـهـا ... حــلَّــت بـمـكَّـــةَ فـي بـنـي سـعـدِ

حــلَّــت بـمـكَّــةَ والـنَّـوى قــذُفٌ ... هـيـهــات مـكَّـة مِـن قُـرى لُــدِّ

لا دارهـــــا داري فـتـســعـفـنـي ... هــذا لـعـمـرك مِـن شـقـا جَـدِّي

واللهِ لا أنــســــى مـقــالــتــهــا ... حـتَّـى أُضـمَّــنَ مـيـتـًا لـحـدي

وَوَدَاعـهــا يــوم الــرحــيـلِ وقـد ... زمَّ الـمـطــيَّ لـبـيـنـهــم تـخـدي

والـعـيـنُ واكـفـةٌ وقـد خـضـلـت ... مِـمَّــا تـفـيــضُ عـوارضُ الـخـدِّ

اِذهبْ فــديـتـك غـيـر مـبـتـعـدِ ... لا كـان هــذا آخـــــرَ الـعـهــدِ

ومن الأقوال الشهيرة للشاعر عمر بن أبي ربيعة «وَهَل يخفى القَمر»، وهي استفهام إنكاري يُضرب للأمر الواضح والبالغ في الشهرة، وتعود لأبيات شهيرة لشاعرنا عمر بن أبي ربيعة يصف فيها نفسه بأنه معشوق تطلبه النساء. حيث قالت إحدى الفتيات عنه بعد أن عرفته: «قد عرفناه، وهل يخفى القمر!».

تجسد هذه المقولة شخصية الشاعر، حيث يروي في قصائده قصة ثلاث فتيات كُنّ يتمنين مجيئه سرًا، وبينما هنّ يتحدثن ظهر فجأة ممتطيًا جواده المعروف بـ «الأغر»، فسألت الكبرى زميلاتها عن هويته، فأجابت الوسطى بأنه «عمر»، أما الصغرى التي تيمها حبه فردت بجملتها الشهيرة، والأبيات هي:

بَينَما يَذكُرنَني أَبصَرنَني ... دونَ قَيدِ المَيلِ يَعدو بي الأَغَر

قالَتِ الكُبرى أَتَعرِفنَ الفَتى؟ ... قالَتِ الوُسطى نَعَم هَذا عُمَر

قالَتِ الصُغرى وَقَد تَيَّمتُها ... قَد عَرَفناهُ وَهَل يَخْفَى القَمَر؟

الحياة الزوجية في ظل غيرة الصواحب

ولا يظنَّنَّ ظانٌّ أن عمر بن أبي ربيعة كان عازبًا حرًّا طليقًا من قيد الزواج كما يلوح من ظاهر شعره السادر، بل كان متزوجًا من حرائر قومه. إلَّا إنَّه، على ما يبدو، قد عاش حياة زوجية مستقرة هادئة هنيئة، لا تعكِّر صفوها غيرة الحصان ولا يبدِّدها استئثار؛ والطريف في أمره أنَّه، كما يبدو من ثنايا شعره، كانت الغيرة المحرقة عليه مصدرها صاحباته الفاتنات، لا زوجته ورباط بيته.

فتلك إحدى صاحباته تكشف عن غيظها المكتوم وتفضح غيرتها المستعرة عندما يصلها نعي خبر زواجه:

خَــبَّــرُوهـا بِـأَنَّـنِـي قَـد تَــزَوَّجْــتُ ... ثُــمَّ فَـظَـلَّـتْ تُكـاتِمُ الـغَـيْـظَ سِــرَّا

ثُـــمَّ قَــالَــتْ لِأُخْــتِـهـا وَلِأُخْــرَى ... جَــزَعـًا لَـيْــتَـهُ تَــزَوَّجَ عَــشْــرَا

وَأَشَــارَتْ إِلَـى نِـسَـاءٍ لَــدَيْــهَــا ... لَا تَـرَى دُونَــهُــنَّ لِـلـسِّــرِّ سِــتْــرَا

مَـا لِـقَـلْـبِي كَــأَنَّــهُ لَـيْـسَ مِــنِّــي ... وَعِـظَـامِـي أُخَــالُ فِــيـهُـنَّ فَـتْـرَا

مِـنْ حَـدِيثٍ نَـمَى إِلَـيَّ فَـظِــيـعٍ ... خَــلَّتِ فِـي الـقَـلْـبِ مِـنْ تَـلَـظِّـيـهِ جَـمْـرَا

زواجه وخطباته التي لم تكتمل

ومن شعر عمر وأخباره المبثوثة في الأغاني للأصفهاني نعلم أنَّ عمر قد تزوَّج كلثوم بنت سعد المخزومية، إلَّا إنَّ شعره الظامئ فيها كان، على ما وصلنا، قبل أن تصبح زوجًا شرعيًا له؛ يومها، كما يبدو من نسيبه فيها، كانت متمنعة عليه عصية الأركان تأبى أن تلين، وكانت تطرد رسله وسفراءه إليها حتى أفلح دهاؤه أخيرًا في غوايتها، وعندما حملها على قبوله في مجلسها المؤنس لم يخرج منه إلَّا وقد تعاقدا على أن يصبح زوجًا لها.

أنجب عمر من كلثوم ولدين، أحدهما عرفنا اسمه الباقي وهو «جوان»، والثاني لم يصلنا اسمه ولا أخباره في بطون الكتب. ويذكر صاحب «الأغاني» أنَّه كان لعمر ابنة أثيرة اسمها «أمة الواحد».

وفي أخبار عمر في «الأغاني» يرد أيضًا أنَّ عمر تزوَّج امرأة جمحية كان قد رآها في موسم الحج الأبرك، وقال فيها نونيته الشهيرة التي مطلعها:

أَصْبَحَ القَلْبُ في الجَمالِ رَهِينا ... مَقْصِدًا يَوْمَ فارَقَ الظَّاعِنِينا

إلَّا أنَّه يلاحظ نقديًا أنَّ هذا البيت قاله عمر، خلافًا لما جاء في خبر «الأغاني»، في رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية، إلَّا إذا كان عمر يردِّد الأبيات الرنانة نفسها في عدَّة نساء في آنٍ معًا، ولا يخص بها امرأة واحدة دون غيرها.

ويورد الجاحظ في كتابه «المحاسن والأضداد» رواية مسندة إلى عمر تشير إلى أنَّه قد تزوَّج من رملة، أخت الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. لكن الدكتور جبرائيل جبور يلحظ بنظرة فاحصة أنَّ الاختراع بَيِّنٌ في هذه الرواية، وأمارات الصنعة والتكلف ظاهرة في صياغتها.

ويروى في ثنايا أخباره أنَّ عمر قد خطب عراقيتين؛ أولاهما لم يذكر الرواة اسمها، رآها عمر في موسم الحج فأعجبته خلقتها، فتقدَّم إليها وحادثها، فحدَّثته بلباقة وأحبَّها وأحبَّته، فخطبها على الفور. جرى كل ذلك وبسرعة مذهلة خلال موسم واحد من مواسم الحج الخاطفة! فوعدته الغيداء أن تتزوَّجه إذا جاءها إلى مبعث بلدها وخطبها رسميًا إلى أهلها، فسار عمر مشتاقًا وراءها إلى العراق، ثم راسلها يسألها عن وفاء وعدها، فاعتذرت مغلوبة على أمرها (الأصبهاني، الأغاني). 

والثانية ذُكر اسمها صراحة، وهي فاطمة بنت محمد بن الأشعث، وكان اللقاء العابر بها في موسم الحج أيضًا؛ ووصل الأمر بها من الكلف إلى أن زارت عمر في عقر بيته، على ما يروي الأصبهاني في «الأغاني»، لكنَّها اشترطت عليه مثلما اشترطت مواطنتها السابقة، وهو أن يخطبها حلالًا من أهلها، ولم يُعرف تاريخيًا ما إذا كان قد استجاب لشرطها الصعب أو لم يستجب. 

وعلى كل حال لم يقع في يدنا سند وثائقي يثبت أنَّ عمر قد تزوجها فعليًا، أما سبيعة العراقية التي أتينا على ذكرها سالفًا، فقد بقيت خطبتها مجرد مشروع غرامي لم يُكتب له أن يُنفَّذ.

ختامًا لم يكن عمر بن أبي ربيعة مجرد ناظمٍ للقوافي أو عابرٍ في دروب النسيب، بل كان ثورةً أسلوبيةً قلبت موازين الشعر العربي؛ إذ أخرج الغزل من بكاء الأطلال العقيمة إلى حياة تنبض بالحوار، والبهجة، والحياة. 

لقد عاش هذا الفتى المخزومي وفيًّا لنداء الجمال والحرية حتى رمقه الأخير، محولًا حواضر الحجاز ومواسم مكة إلى فضاءاتٍ مغويةٍ خلدتها الذاكرة الإنسانية. ورغم ما يكتنف نهايته من غموض، فإن قصائده ظلت شابةً لا تشيب، تتناقلها الأجيال وثيقة حية على عصرٍ تزاوج فيه ترف العيش بعنفوان الموهبة، ليبقى عمر دائمًا وأبدًا هو ذلك «القمر» الذي استعصى على الخفاء، وارتفع صوته العذب قيثارةً أبديةً تغنَّت بها بطحاء مكة ووديان المدينة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة