عمر المختار.. حين يسير التاريخ على قدمين

في بعض الزوايا المنسية من الذاكرة يوجد رجال ليسوا أسماء في كتب المدارس، بل صاروا مشاعل تشعل الضمائر كلما خمدت، أولئك الذين لم يطلبوا المجد بل جعلوه يتبعهم.

الشيخ الذي أرعب إيطاليا

لم يكن عمر المختار قائدًا بالمعنى التقليدي، بل كان شيخا وقورًا، يحفظ القرآن، ويدرس الفقه في الزوايا الصوفية، وُلِد عام 1862 في منطقة جنزور قرب طبرق في شرق ليبيا، ونشأ بين أحضان الزاوية السنوسية، وهي طريقة صوفية ذات طابع إصلاحي، كان لها دور كبير في مقاومة الاستعمار، والتحق بمعهد الجغبوب العريق، وتخرج منه شيخًا وعالمًا، لكنه كان يحمل بين ضلوعه روح فارس.

حين اجتاحت إيطاليا الفاشية الأراضي الليبية عام 1911 كان عمر المختار قد تجاوز الخمسين من عمره، ومع ذلك لم يتوانَ لحظة في أن يحمل البندقية ويقود القبائل الليبية في مقاومة مستميتة دامت أكثر من عشرين عامًا، قاد خلالها أكثر من 250 معركة ضد القوات الإيطالية، متفوقًا على خصومه بمعرفته الدقيقة بجغرافيا الصحراء الليبية، وحسن تنظيم الكمائن، وقدرته على توحيد القبائل المتفرقة تحت راية المقاومة.

وكان لقبه الذي تميز به الذي أطلقه عليه الاحتلال الإيطالي «أسد الصحراء» لا من باب المديح بل من فرط الرعب الذي بثه في قلوبهم، لم يكن مرتزقًا ولا قائد ميليشيا، بل كان رجلًا وشيخًا يركب فرسه بوقار، ويحمل بندقيته كأنها جزء من جسده، ويقاتل في النهار ويصلي في الليل.

لم يكن عمر المختار رجل سلاح فحسب، بل كان أستاذًا في التربية والقيادة الأخلاقية، وكان يرفض تمامًا إيذاء المدنيين أو الانتقام الأعمى. ولقد قال في أحد مواقفه: «نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت». وكان يعلِّم رجاله أن كل رصاصة تطلق يجب أن تكون بعدل، وأن الجهاد ليس فوضى، بل نظام.

أخلاق عمر المختار

وفي سنوات الجهاد استنزف المختار القوات الإيطالية، وقاتلهم بكل شجاعة وبسالة وحنكة، مدافعًا عن وطنه وأرضه، دون ظلم أو اعتداء. وعلى الرغم من قلة العتاد والرجال، فإنه ثبت على موقفه، وواصل مسيرته لتحقيق هدفه، ولم يكن هدفًا شخصيًا، بل كرامة أمة بِرُمَّتها، حتى إن المارشال بادوليو أحد كبار قادة الاحتلال كتب في مذكراته: «عمر المختار يقاتل كما لو أنه جيش من الأشباح».

وفي 11 سبتمبر 1931، وبينما كان يقود إحدى المعارك، وقع عمر المختار في الأسر بعد إصابة فرسه وسقوطه. وحُكم عليه بالإعدام بسرعة خاطفة على الرغم من مكانته العلمية والدينية وعمره المتقدم الذي بلغ 73 عامًا. وفي يوم 16 سبتمبر 1931 اقتيد إلى حبل المشنقة وهو يردد الشهادتين مرفوع الرأس بثبات لا يحمله إلا من كان يقينه بالحق أكبر من الخوف.

وشهد إعدامه عشرات من أبناء ليبيا، وجعل الإيطاليون ذلك الإعدام علنًا ليكسروا شوكة المقاومة، لكنهم من حيث لا يدرون حوَّلوه إلى رمز خالد لا يُكسر مهما طال أو مرَّ الزمان.

الثورة لم تمت

ولقد ترك إرثًا لا يموت، وسمعة طيبة، وتعلمنا منه الحفاظ على الوطن، والرحمة، والصبر، والمثابرة، والحكمة في جميع تصرفاته، وكثيرًا من الصفات الحميدة، حتى بعد إعدامه لم تمت ثورته، بل صارت تُروى في خيم البدو ومدن الشمال، وغنت له الأمهات، وتسمى الأبناء باسمه.

وفي الثمانينيات أعاد له التاريخ بعضًا من حقه حين مثَّل شخصيته أنطوني كوين في فيلم «أسد الصحراء»، هذا الفيلم العبقري الذي جسَّد لنا هذه الشخصية العظيمة، وعشنا معها وعاصرناها في هذا الفيلم الرائع الذي أخرجه مصطفى العقاد، فتعرَّف العالم من جديد على الشيخ الذي واجه الإمبراطورية ببندقية مهترئة وقلب لا يلين.

عمر المختار من فيلم أسد الصحراء

وظل عمر المختار مثالًا ناصعًا للقيادة بالحق، وللثبات في زمن الانكسارات، ورمزًا للمقاومة في وجه الإمبراطوريات، ولم يطلب يومًا سلطة، ولم يسع إلى جاه، بل وقف في وجه الغزو؛ لأنه لم يعرف يومًا كيف يركع!

وفي النهاية... ليس الانتصار أن تبقى حيًا.. بل أن تظل حيًا في وجدان أمة، وقد فعلها عمر المختار، حين مات لم تمت فكرته، وحين طوَّقوه لم يستطيعوا تقييد روحه. وفي أعين التاريخ لم يكن مجرد شيخ مقاوم، بل كان تجسيدًا حيًا لمعنى أن يقف الإنسان وحده في وجه الجيوش ثم يمضي إلى حتفه راضيًا؛ لأن في قلبه وطنًا أكبر من الموت.. رحم الله أسد الصحراء «عمر المختار».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.