عمارة تيرينج| أوّل مول تجاريّ في القاهرة

منطقة وسط البلد الواقعة في قلب القاهرة الخديويّة تضمّ كثيرًا من التّحف المعماريّة النّادرة، والّتي كانت تحاكي في روعتها وجمالها وتصميمها أجمل التّحف المعماريّة حول العالم.

من تلك التّحف النّادرة "عمارة تيرنج" الواقعة في (17) ميدان "العتبة الخضراء" ميدان "الملكة فريدة" سابقًا، هذه العمارة تحفة معماريّة عالميّة خالدة ما زالت تدفع عن نفسها قسوة التّاريخ والإهمال المتعمّد، وتستغيث لعلّها تجد من يسمع صوتها رغم ارتفاع أصوات وضجيج "الباعة الجائلين" الّذين أخفوا جمالها وراء بضائعهم الّتي تكاد تحجب عنها حتّى أشعة الشّمس الّتي كانت تمدّها يومًا بالدّفء والحياة قبل أن تطبع على خدّها "قسوة التّاريخ" "قبلة الموت" الأخيرة.

عمارة تيرنج جوهرة أوروبيّة تراها تطلّ أمامك شاهقة بجمالها الفريد، إذا أخذتك يومًا ظروف الحياة في زيارة إلى قاهرة الخديوي إسماعيل، ستعرفها من غير أن يرشدك أحد إليها، فهي لا تخطئها العين لفرط جمالها الّذي ما زال يحافظ على ملامحه الأوروبيّة الفاتنة رغم مرور أكثر من (100) عام.

طوال أكثر من قرن من عمر الزّمان وعمارة تيرنج تحمل فوق رأسها "كرة أرضيّة" لامعة تحملها أربعة تماثيل من "الملائكة" أو "العفاريت" كما هو شائع عند عامّة المصريّين، وذلك لارتباط العمارة ببعض الشّائعات والخرافات والأساطير كما نرى لاحقًا.

حكاية وموقع عمارة تيرنج

تعتبر عمارة تيرنج من أهمّ المباني الأثريّة بمنطقة وسط البلد الّتي تمثّل قلب القاهرة التّاريخيّ والتّجاريّ النّابض بالحياة والحركة كنموذج مشرق يحكي روعة عبقريّة الخديويّ إسماعيل الّذي جعل القاهرة قطعة من باريس.

بدأت حكاية هذه العمارة  سنة 1910م عندما فكّر النّمساويّ اليهوديّ "فيكتور تيرنج" أن يستنسخ "نسخة مصريّة" خالصة من متاجر "سيزار ريتز" الأوروبيّة العريقة، فوقع اختياره على منطقة العتبة لتنفيذ هذا المشروع التّجاريّ الكبير، وذلك لأنّ موقع العتبة يربط بين القاهرة القديمة والقاهرة الإسماعيليّة الجديدة، ولقربه من حي الموسكي قِبلة التّجارة والتّجّار في منطقة وسط البلد.

وصف عمارة تيرنج

عمارة تيرنج تمّ تأسيسها في الأصل أن تكون عمارة تجاريّة "مول تجاريّ" متعدّد الطّوابق يضاهي في عظمته أفخم وأكبر المتاجر العالميّة حول العالم، يرجع تصميم "عمارة تيرنج" إلى المنهدس المعماريّ النّمساويّ "أوسكار هورويتز" الّذي أبدع في جمال تصميمها المستوحى من طراز"النّيوباروك" حتّى صارت واحدة من أجمل بنايات القاهرة الخديويّة ومنطقة وسط البلد، تختلف وتتميّز عن رصيفاتها بتلك القبّة الكبيرة الّتي تعلوها "كرة أرضيّة" برّاقة لامعة في اللّيل تحملها (4) تماثيل شاعت حولها القصص والأساطير الشّعبيّة.

استغرق بناء "تيرنج" ثلاث سنوات بدأت في سنة (1910م) وانتهت في سنة (1913م)، تتكوّن العمارة من أربعة طوابق ضخمة كانت تضمّ جميع الماركات العالميّة في تلك الفترة.

تتمدّد "عمارة تيرنج" على مساحة قدرها (1279,20) مترًا مربّعًا، يحدّها من النّاحية الشّماليّة ممر طوله (40,64) مترًا، ويحدّها من النّاحية الجنوبيّة ميدان العتبة الّذي يتمدّد على مساحة طولها (39,33) مترًا، ومن النّاحية الشّرقيّة يحدّها شارع العتبة بطول (32,82) مترًا، ومن الغرب ممرّ طوله (31,33) مترًا.

ظلّت "عمارة تيرنج" على مدار فترة طويلة من الزّمان تحافظ على مكانتها التّجاريّة كمنافس "شرس" للكثير من الماركات والعلامات التّجاريّة الّتي ظهرت في القاهرة في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي كـ(صيدناوي، وشملا، وشيكوريل)، قبل أن يجور عليها الزّمن، وتُصبح من الماضي منذ ستينات القرن العشرين، وتتحوّل إلى ورش ومخازن للبضائع المصريّة الشّعبيّة الّتي يكتظّ بها ميدان العتبة.

حكاية أساطيرعمارة تيرنج

التصقت بعمارة تيرنج الكثير من الحكايات والأساطير الشّعبيّة الّتي حوّلتها إلى مجرد "شبح" ليتمّ نسيانها في طيّ الإهمال خوفًا من أذى تماثيلها الملعونة، وغرفها المسكونة بالجنّ والعفاريت.

في الحقيقة كلّ القصص الّتي دارت حول العمارة تتحدّث عن بيت أشباح، وغرفة ومشنقة وتماثيل مرعبة.

لكن السّؤال: ما مدى حقيقة هذه اللّعنة الّتي أصابت العمارة؟ وهل بالفعل توجد تماثيل ملعونة بها؟ وما علاقة العمارة بغرفة المشنقة المزعومة الّتي تخرج منها الأشباح ليلًا؟

في الواقع كلّ ما يتمّ تناقله وتداوله من حكايات ما هو إلّا محض افتراء وأساطير وخرافة لا علاقة لها بالحقيقة وواقع العمارة الآن، فالغرفة الصّغيرة الّتي توجد أعلى سطح "عمارة تيرنج" ما هي إلّا غرفة عاديّة بها عدد من "الأسرة" والأغطية، وبعض المقتنيات والأشياء الّتي تعود إلى بعض "الأشخاص" الّذين استأجروا هذه الغرفة في فترة ما من "عمر" العمارة، وليس كما تقول الأساطير أنّها غرفة "مشنقة" تخرج منها أشباح أرواح الّذين أُعدموا فيها، من المؤكّد أنّ تماثيل "تيرنج" ليست مسكونة بالعفاريت، بل هي تماثيل فنيّة غاية في الجمال تحمل فوق رأسها "كرة أرضيّة" تعتبر تحفة فريدة لا يوجد لها مثيل في عصرنا الحاليّ.

مؤلف وكاتب صحفي سوداني

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مؤلف وكاتب صحفي سوداني