على خشبةِ المسرح

على خشبةِ المسرح كل المشاهد تبدو مثيرة للسعادة والانبهار، كل تفصيلةٍ من التفاصيلِ تجعل القاعة تمتلئ تصفيقًا وصفيرا، سيهلّل الجمهور حتى لألمك، لاجترار ذكرياتك المريرة ولماضيك السحيق.

تذكر الممثل خيباته فناحَ بصدقٍ؛ حينها صفق الجمهور بحرارةٍ لإتقانه الدور، كان مشهدًا حقيقيًا، ولكنه على خشبة المسرح، فهنا كل الحقائق زائفة. اصرخ، تلوّ من الوجع، ثم ارفع رأسك للجمهور، ماذا تسمع؟ صُدَاحٌ يصاحبه بعض الصفير وكلمات المدح.

سيدرك اليتيم أن والدته ما هي إلّا جزء من السيناريو، سيقتلها الكاتب مرةً أخرى؛ فيبكيها كما السابق، بكاءً حقيقيًا، سيصفق الجمهور لأن الدور كان متقنًا.

على خشبةِ المسرح؛ يمكنك أن تحصل على أحلامك التي سلبتك الحياة إيّاها، بإمكانك الزواج، إنشاء عائلة لطيفة، امتلاك سيارة والكثير من الرفاقِ حولك، وبالنهاية ستدرك أن هذه الأحلام؛ ما هي سوى حبرٌ على ورق؛ سيزول مع إسدال الستار.

على خشبةِ المسرح وفي مشهدٍ لتمثيلِ جريمة اغتصاب؛ بكت الممثلة العشرينية بحرقة، صاحت بكلِّ ما تحمل من وصبٍ حينما تذكرت أمرًا مماثلًا حدث معها وهي في الثالثة عشر من عمرها، كان مشهدًا حزينًا ومتقناً على حسب التعابير التي اجتاحت وجوه شهود العيان من الجماهير، مجرد فقرة مسرحية لفتاةٍ عشرينية برعت في أداء الدور فاستحقّت هذا الكم الهائل من الثناء، ولكنه كان مشهدًا حقيقيًا لطفلةٍ قاصر، إلا أن تصفيق الحشد منع صوت أنينها من الوصول إلى آذانهم.

حكم كاتب السيناريو على أحدِ الشباب بالسجنِ لمدةٍ طويلة إضافة إلى الأعمالِ الشاقة، صرخ المتهم مرددًا عبارة «أنا بريء، أنا بريء، أنا بريء...» وكالعادةِ صوت الهزيز كان أعلى من صوته؛ بالتّالي لم يعره أحدٌ أي اهتمام؛ فمات قبل انقضاء مدة عقوبته.

الشعب شعب أقوى، والردة مستحيلة

حرية سلام وعدالة، والثورة خيار الشعب

خيرُ شباب بلادي يجوبون الطرقات حاملين سلميتهم وبعض الآمال بأن الغد أجمل. هتافات هنا وهناك، ضحكاتٌ ودموع، صور الشهداء وعلم عازة مرفرفًا عاليًا ومنقوشًا على الجِبَاه وفي أفئدة الثائرين.

على المسرح قناصٌ محترف، أغمض عينه اليسرى وركز على الهدف، ابتسم بخبثٍ ثم منح الرصاصة حريتها، اندفعت فَرِحةً نحو خافق الثائر، امسك مكان الألم وهو يترنح؛ فظنّ الجمهور أنه يرقص، صفقوا مع تمايله وتمايلوا معه، حتى سقط على الأرض وهو يلفظ آخر أنفاسه، قفز المخرج من بين الحشد، صعد المسرح وتحسّس نبض الممثل، وضع يديه على رأسه، عندها فَطِن الجمهور أن كل شيء حقيقي، وهذه الفقرة بالذات ليست مدرجة في السيناريو، أُسْدِل الستار، بكى الثوّار ومات الممثل على خشبةِ المسرح!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب