على الكرسيِّ المقابل.. لا أحد

كلَّ صباحٍ، أفتحُ عينيَّ على نفسي كما لو أني أراها لأوَّل مرة، 

غريبًا عني، متعبًا منِّي،

أفتِّش عن ذاتي بين ملامحي، فلا أجد شيئًا ثابتًا.

مرةً أشعر أني أستحقُّ الكون، ومرةً أكره نفسي كأنها جرم.

لا شيء مستقر. لا شعور يدوم. لا فكرة تبقى دون أن تنقلب عليَّ.

أحبُّك؟ نعم، بكل كياني، حدَّ الذوبان.

لكن لحظة تأخير، أو نبرة خاطئة، تكفي لأشعر أنك تخونني.

فأكرهك… ثم أعود وأبكي لأني آذيتك.

هل هذا جنون؟ لا أعرف.

لكني أشعر بأني محكوم بردود فعل لا أتحكم بها.

وكلما حاولت أن أشرح، اتهموني بالمبالغة.

كل وداع يُمزِّقني.

حتى الوداع البسيط، العابر، المؤقت، يترك فيَّ حفرة.

أنا لا أتعلَّق… أنا أتشبَّث، بجنون، لأن داخلي مخلوع.

حين أكون مع الآخرين، أبدو مضطربًا، متطلِّبًا، شديد التقلُّب.

لكن لا أحد يرى الحريق تحت جلدي.

أنا أقاتل أفكاري كل ثانية: أنك لا تحبني، أنك ستتركني، أنك كذبت حين قلت أنا هنا.

أتحول من طفل يرتجف إلى وحشٍ يصرخ… في دقائق.

ثم أندم. وأجلد نفسي.

ثم أعود لأحتاج إليك، ولأرجوك، ولأعتذر ألف مرة.

العلاقات عندي ليست بسيطة.

هي حافة سكين. إمَّا أن أذوب فيك وإما أقطعك.

الخوف عندي ليس عابرًا،

بل جدارًا من ألمٍ يُطبق على صدري.

وكلما قالوا لي اهدأ،

أشعر وكأنهم يطلبون مني أن أتوقَّف عن التنفُّس.

كلُّ ما فيَّ كان يريد أن يُحبَّ،

لكن ما فيَّ أيضًا… لا يعرف كيف.

وحين أثقلني هذا الصراع،

انطفأتُ بين نقطتين لا يصل بينهما طريق.

وهكذا ينتهي اليوم،

كما ينتهي كل شيء في داخلي: على حافة ندمٍ، وابتداء انهيار.

أُغلق الخارج، وأعود إلى الداخل…

إلى المكان الذي لا يراني فيه أحد.

إلى نفسي.

أنا من الداخل والخارج. خرابٌ يتَّخذ شكل إنسان.

عدتُ إلى غرفتي بعد يومٍ مُثقل بالخوف، مكتظٍّ بالكراهية، راكد بالحزن.

الأشياء كانت في أمكنتها، لكن كل شيء بدا غريبًا، حتى أنا.

لم أخلع حذائي، لم أُشعل النور.

تركتُ الباب نصف مفتوح،

جلستُ على الكرسي.

لا طبيب، لا رفيق، لا حضور سواي.

أنا وحدي أواجه شيئًا يشبهني ولا يُشبهني.

ذلك الصوت، الذي لا يسكت، ولا يرحل، ولا يرضى أن أموت بسلام.

رفعتُ بصري نحو المقعد المقابل.

كان خاليًا من كل شيء…

إلا منِّي.

كنت هناك،

بمقلتين متَّهمتين،

وبوجهٍ يعرف كل ما أخفيه.

نظرتُ إليَّ كمن يُفتِّش عن جُرمٍ لم يعترف به بعد.

صمتي كان شاهدي،

وأنا كنتُ الخصم والشاهد والمذنب.

ـ كيف حالك الآن؟

همستُ في داخلي:

أنا بخير.

قلتُها دون تردُّد،

لكنني... كذبت.

لستُ بخير.

لم أنم إلا ساعتين،

بكيتُ دون علَّة، أو ربما من كلِّ العلل.

شعرتُ أنَّني لا أستحقُّ الهواء.

كرهتُ نفسي، واحتجتُ إلى حضنٍ لا يسألني لِمَ أبكي.

ـ وما الذي أثقل عليك هذا الأسبوع؟

أجبتُ: أمور بسيطة، ربما أنا أبالغ.

لكن داخلي كان يصرخ:

كلُّ شيء يوجع.

نظرةٌ واحدة، كلمةٌ عابرة.

تأخُّر رسالةٍ جعلني أختنق.

أهو يملُّ منِّي؟

أم يخطِّط للرحيل؟

تخيَّلتُ يومي من بعده،

أخاف الوحدة، أخاف أن أتكرَّر من دون أحد.

ـ هل راودتك فكرة أن تؤذي نفسك؟

تنهدتُّ...

ثم قلت: لا، فقط أشعر بالإرهاق.

لكن الحقيقة؟

كلَّ ليلةٍ تمرُّ بي هذه الفكرة،

لا لأنني أرغب في الموت،

بل لأنَّ هذا الضجيج في رأسي لا يسكت.

أريد أن أصمت، أن أهدأ، أن أرتاح.

أريد لحربي أن تضع سلاحها.

ـ هل تشعر أن من حولك يفهمك؟

ضحكتُ ساخرًا:

ربَّما لا... وربَّما أنا السبب.

ثم خفَّضتُ رأسي، وقلت لنفسي:

لا أحد يفهمني، ولا ألومهم.

كيف يفهمون من يحبُّك ثم يصرخ في وجهك؟

من يطلب عناقك ثم يدفعك بعيدًا؟

لستُ شريرًا،

أنا فقط… خائف.

خائف من التكرار،

 من الخذلان،

 من نفسي.

ـ هل تشعر أن من حولك يفهمك؟

ضحكتُ… ساخرًا، مُنهكًا.

لا، لا أحد يفهمني.

فهمي عسير… حتى عليَّ.

 كيف لهم أن يفهموا؟

كيف تُفهم مشاعري المتناقضة؟

أنا أحبُّهم، لكنِّي أصرخ في وجوههم.

أحتاجهم، لكنِّي أبعدهم.

أتعلَّق بسرعة، وأغرق في التفاصيل، ثم أنفجر لأسباب صغيرة.

كل ما أطلبه: لا ترحلوا.

لستُ شريرًا.

لستُ مؤذيًا.

أنا فقط خائف.

أخاف أن أُنسى.

 أن يُستبدل حضني، وكلمتي، ومكاني.

 أن أحبَّ… فينتهي الحبُّ قبل أن أتنفَّس.

أخاف أن أُحبَّ… ثم أُترَك.

أنا هشٌّ جدًّا،

لكنِّي أخفيه بالصراخ، بالعناد، بالكلمات الحادة.

أُحبُّ بمنتهى القوَّة،

لكني لا أعرف كيف أعبِّر عن هذا الحبِّ دون أن أؤذي نفسي أو من أحبُّ.

كل ما فيَّ جراح قديمة،

كل ما أقوله محاولة لفهم نفسي.

لكنِّي أتعب.

أتعب من ذاتي، من وجهي، من رأسي، من خوفي الذي لا ينام.

ـ ماذا تتمنَّى؟

أن أكون مفهومًا مرة واحدة.

أن يقول لي أحدهم: أنا هنا، لا أخاف منك، ولا منك.

أن يضمني أحد دون سؤال، دون تحليل، دون مبرِّر.

أن يبقى أحد حين أكون في أسوأ حالاتي.

انتظرتُ طويلًا،

حتَّى نسيتُ ما الذي كنتُ أرجوه،

نسيتُ ملامحي،

ونسيتُ مَن الذي يقف على الطرف الآخر من هذا الانتظار.

ولمَّا تعبتُ من الانتظار،

بدأتُ ألوِّح لنفسي من بعيد،

كأنِّي أنا الذي يرحل،

وأنا الذي أرجوه ألا يتركني.

وفي اللحظة التي ظننتُ أنَّني فهمتني،

لم أعد هناك.

كانت الغرفة فارغة.

والكرسيُّ يهتزُّ وحده.

والمرآة لا تعكس شيئًا.

لا أنا.

ولا أثر لمن كان يسأل.

ولا مَن يُجيب.

الصوت الذي لا يرحل…

رحل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.