على العهد ما حييت


اذكر جيدًا كيف بدأت منذ طفولتي أهرب وأختفي بين صفحات الكتب، لقد قضيت سنوات طفولتي في الريف، وكانت حياتي هادئة كحال حياة كل سكان الريف، لكن ذلك الهدوء كان تهز أركانه رغبة شديدة في السفر، وحباً شديداً للمعرفة والاكتشاف، وشره لاكتساب المزيد من الأصدقاء، ولم تكن تلك الرغبة تسكت إلا إذا قلّبت صفحات القصص الملونة.

وما كان يزيد في رغبتي، تلك الرسوم المتحركة "جنى" وكيف كانت تكافح لأجل التعلم والحصول على كتاب "روميو" بطل "عهد الأصدقاء"، كيف أن الفقر والعوز والانشغال بأعمال التنظيف لم يمنعه من أن يتقن القراءة والكتابة.

مع مرور الوقت أدركت أن الكتب لم تكن تُسكت رغبتي في السفر والاكتشاف أبدًا، بل كانت تزيدها وتهيجها حتى يبلغ مداها الأفق ويتجاوزه بلا خوف ولا رهبة، فكلَّما تعلَّمت شيئاً علمت أنني لا أعلم الكثير، وكلَّما حسبت أنني تعلمت الكثير وجدتني لا أعلم شيئاً، وبهذا سقطت أسيرة بين صفحتي كتاب رائع.

لكن أسيري لم يُهن كرامتي، بل علمني معناها، ولم يُسلسل يديّ بأغلال حديدية، بل علمني كيف أحطم كل القيود وأن أعيش حريتي أينما كنت، ولم يمارس معي أي إجبار على الاعتقاد بمعتقد واحد دون غيره، لا بل كان أسمى وأرقى من ذلك، فقد علمني أن أعرف الفكرة وأن أبحث عن ضدها، ثم أخرج بفكرة عن الفكرتين السابقتين.

لكم أحببت الكتب، كل الكتب، وما زلت أعيش ذلك الحبّ، لم أنتظر يوماً أن يتم الإشهار للكتاب حتى أقرأه، بل أقرأ من الكتب ما طوى الزمن، وحديثة الولادة أيضاً، أحبها كلها على اختلاف مجالاتها وعلى تعدد مواضيعها، إلكترونية كانت أم ورقية.

أما الأخيرة فلي معها طقوس كشم رائحتها وتعطيرها، واعتبرها مخبأ رسائلي إلى نفسي الصبية دائما، فأنا أحتاج إلى أن أوجه النصح والكَلِم لنفسي أحياناً.

أما الكتب التي اشتريها مغلفة تمامًا ومحفوظة في أكياس وأقوم أنا بفتحها، فلها مكانة خاصة على قلبي فأنا أحسها ملكي وحدي، ولا أحد سواي تصفحها وقلَّب صفحاتها العذراء، أنا وحدي ألمس أوراقها وأتحسسها، أنا وحدي ليَّ الحق، ولا حق لغيري بها.

وأفاجئ نفسي أحياناً بأن أشتري لي كتاباً قديماً من باعة الطرق، فإذا ما فتحته أجد الذي قرأه قد طوى حافة الورقة، وربما سحرته جملة أو ألهمته فكرة، وربما ذكَّره سطر بحبيب غائب فأسرَّ دمعته التي سقطت وطوى الورقة لعله يخفيها... ووجدت أحدهم قد كتب على هامش ورقة في كتاب قديم:

وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر أين المسلمون

فيا أيها المتألم ضمَّ ألمي إلى ألمك لعل الجرح بالجرح يبرأ...

يا من تقرأ كلماتي، اقرأ كل شيء: قديم، حديث، إلكتروني، ورقي... ونوِّع من مجالات مطالعتك وامسح الغبار عن عقلك، اقرأ كل ما تسقط عليه عينك اقرأه وخذ من نبعه رشفة تُذهِب بها عطشك.

اقرأ فنحن أمَّة اقرأ.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب