لماذا تهاجر الطيور آلاف الأميال بدقة مذهلة سنويًّا؟ وكيف تبني العناكب شباكها المعقدة دون أن يعلمها أحد؟ إن الإجابة تكمن في علم سلوك الحيوان وهو العلم المثير الذي يفك شيفرة تصرفات الكائنات الحية.
في هذا الدليل، سنغوص في عالم الغريزة الحيوانية والخبرة المكتسبة، ونستكشف أمثلة على سلوك الحيوان لفهم كيف تتفاعل الكائنات مع بيئتها من أجل البقاء.
علم سلوك الحيوان المعروف أيضًا باسم علم الأحياء السلوكي هو أحد فروع علم الأحياء، ويختص بدراسة جميع الأعمال أو النشاطات المختلفة التي يقوم بها الكائن الحي بحيث تبدل أو تغير العلاقة بينه وبين البيئة التي يعيش فيها. فتلك النشاطات التي تُعرف بالسلوك، لا يمكن للحيوان أن يقوم بها بمعزل عن العوامل البيئية الخارجية المحيطة به، ولا بمعزل عن العوامل الداخلية الذاتية النابعة منه مثل الشعور بالجوع والعطش والخوف. فالسلوك عادة ما يكون حصيلة هذين العاملين معًا.
ويُعد السلوك مهمًا في حياة الحيوان؛ لأن عن طريقه يمكن لهذا الحيوان أن يحصل على طعامه وشرابه وحماية نفسه من الأعداء. ويسهم فهم السلوك الحيواني في تطوير مجالات مثل علم البيئة السلوكي Behavioral Ecology والذكاء الحيواني Animal Intelligence، وهي علوم تُستخدم حتى في تدريب الحيوانات وخدمة الإنسان.
توجد دراسات منشورة في موقع National Geographic وBBC Earth تُظهر أن السلوك الحيواني ليس عشوائيًا، بل يخضع لأنماط دقيقة من الغرائز المكتسبة عبر الأجيال. ودون السلوك المناسب لا يمكن للكائن الحي أن يعيش وينجو من الأخطار البيئية المحدقة به. ويوجد نوعان مميزان من السلوك:
1- السلوك الفطري.
2- السلوك المكتسب.
من هم مؤسسو علم سلوك الحيوان؟
يعود الفضل في تأسيس علم سلوك الحيوان الحديث إلى ثلاثة علماء حازوا على جائزة نوبل في الطب عام 1973 تقديرًا لأبحاثهم الرائدة:
-
كونراد لورنتس (Konrad Lorenz): اشتهر ببحوثه عن سلوك التطبع عند فراخ الإوز.
-
نيكو تينبرغن (Niko Tinbergen): وضع الأسئلة الأربعة الشهيرة التي تعد أساسًا لأي دراسة سلوكية.
-
كارل فون فريش (Karl von Frisch): اشتهر بفك شيفرة رقصة الاهتزاز التي يستخدمها النحل للتواصل.
أولًا: السلوك الفطري (أو الغريزي) الشيفرة الوراثية التي لا تخطئ
هو ذلك السلوك الذي يولد به الكائن الحي، أي السلوك (المطبوع) على المستوى الوراثي. وهذا النوع من السلوك يتحكم فيه كمية من المعلومات المخزنة في المادة الوراثية التي يحملها الحيوان في جميع خلايا جسمه. ومن أمثلة هذا النوع من السلوك:

- هجرة الطيور في أوقات معينة من السنة، وإلى أمكنة لم ترها من قبل.
- أصوات أو غناء بعض الطيور، بالرغم من أن الظروف قد لا تسمح لهذه الطيور بسماع طيور أخرى تغرد، لذلك فهي لا تقوم بالتقليد.
- بناء العش في الطيور وغيرها من الحيوانات، ورعاية الأم (وأحيانًا الأب) للصغار. بالرغم من أن هذه الحيوانات قد لا تحس (بالعاطفة) مثلما يحس بها الإنسان. فهي ربما تقوم بهذا الإجراء بدافع غريزي دون وجود دوافع عاطفية حقيقية تؤثر عليها.
- نسيج العنكبوت: حيث كل نوع من أنواع العناكب يبني نوعًا مميزًا من النسيج ولم يعلِّمه أحد كيف يصنعه.
- استجابة أبو زنيبة لثعبان الماء أو أي شيء مشابه له (مثل أنبوب طويل) بانتفاخ جسمه وتضخمه نتيجة ملء رئتيه بالهواء، فيبدو ضخم الهيئة؛ ما يبعد عنه أذى الثعبان.
- رعاية وتغذية الحيوانات لصغارها، وخاصة الحيوانات الثديية.
- كافة الأعمال أو السلوكيات التي تؤديها الحشرات، وخاصة الحشرات الاجتماعية مثل النحل والدبابير والنمل والنمل الأبيض من بناء الخلايا والأعشاش وما إليها.
- عملية التودد والمغازلة في مختلف الحيوانات، وكيفية الاتصال الجنسي لحفظ النوع، وغيرها من الأمثلة الغريزية.
دراسة حالة: هجرة ثعبان البحر والسلوك الفطري
ومن أمثلة السلوك الفطري أيضًا هجرة ثعبان البحر إلى بقعة في المحيط الأطلنطي بالقرب من جزر الباهاما الواقعة بالقرب من جنوب شواطئ شرق الولايات المتحدة للتكاثر. وتحدث هذه الهجرة كل عام من أوائل الربيع إلى أواخر الصيف. وتفاصيل هذه الهجرة عجيبة ومدهشة وحرِيَّة بالذكر لما فيها من الدلالات الواضحة على السلوك الفطري.
الرحلة إلى منطقة التكاثر
تعيش الإناث والذكور في مياه الأنهار والبحيرات العذبة، وتبقى الذكور بالقرب من مصب النهر، أما الإناث فتعيش بالقرب من أعالي النهر، ويعيش الذكور والإناث متفرقين هكذا حتى إذا بلغا سن السابعة أو العاشرة رحلت الإناث نحو مصب النهر لتلتقي بالذكور ويبدآن رحلة طويلة شاقة بأن يغادرا النهر سويًا إلى البحر، ومن نهر النيل ومن الأنهار الأوروبية المختلفة التي تصب في البحر الأبيض المتوسط، ترحل الإناث والذكور معًا في اتجاه هذا البحر عابرة مضيق جبل طارق إلى المحيط الأطلنطي حتى تصل إلى منطقة التكاثر المذكورة سابقًا والتي تبعد نحو 3000 ميل عن أوروبا. أيضًا تقوم الثعابين التي تعيش في أنهار أوروبا الغربية وأمريكا برحلة مشابهة، ويلتقي الجميع في تلك البقعة، وتضع الإناث بيضها على عمق يقرب من 3000 قدم في هذه البقعة.
رحلة العودة الغامضة
وتطلق الذكور حيواناتها المنوية عند العمق نفسه ويتم الإخصاب في الماء. وعند الفقس تنطلق اليرقات إلى الماء. وقد وجد أن عدد الأشرطة العضلية في يرقات ثعبان البحر الأوروبي والإفريقي يختلف عنه في يرقات ثعبان البحر الأمريكي. وتختلط اليرقات المختلفة وترحل جميعها إلى الشمال إلى أن تصل جزائر برمودا، حيث تفترق الأوروبية والإفريقية بعد ثلاث سنوات تقريبًا.
وعندما تصل اليرقات إلى مصبات الأنهار تزداد شهيتها للأكل ويزداد نموها تبعًا لذلك، ثم تبقى الذكور عند مصب النهر وترحل الإناث إلى أعالي النهر. ويظلَّا مفترقين هكذا حتى بلوغ السابعة أو العاشرة من عمرهما لتبدأ الرحلة مرة ثانية. والملاحظ من هذا السلوك أن البالغين من الذكور والإناث يبدؤون الهجرة بدافع من غريزة خفية عندما يحين موعد التكاثر، واليرقات تعود إلى مواطن آبائها بدافع من غريزة خفية. وهذا السلوك غريزي لم تتعلمه اليرقات ولا الثعابين البالغة بل يولد معها وهي مطبوعة عليه.
ويلاحظ أن السلوك الفطري أو الغريزي يغلب وجوده بكثرة في الحيوانات الدنيئة (البسيطة)، وكلما أصبح الحيوان أكثر تعقيدًا من حيث التركيب تنحى عن هذا النوع من السلوك، وظهرت أنواع أخرى من السلوكيات المكتسبة، وهذا لا شك له علاقة وثيقة بدرجة تعقيد الجهازين الهرموني والعصبي للكائن الحي.
ثانيًا: السلوك المكتسب بصمة الخبرة والتجربة
في هذه الحالة يتغير سلوك الحيوان نتيجة للخبرات التي اكتسبها في أثناء حياته. ونلاحظ أن درجة تعلم الحيوان لهذه الخبرات تعتمد بالدرجة الأولى على درجة تعقيد جهازه العصبي. وفي الحقيقة كثيرًا ما يصعب على المرء أن يفصل تمامًا بين السلوك الغريزي والسلوك المكتسب في كثير من الحالات، ومع ذلك فالسلوك المكتسب يمكن تقسيمه إلى أنواع التعلم عند الحيوان:
التعود
ومعناه أن الكائن الحي سرعان ما يتعلم كيف يتجاهل بعض المؤثرات غير المهمة في حياته دون مكافأة أو عقاب. وهذا أبسط أنواع التعلُّم المكتسب، ومن الأمثلة عليه:
- تعرض القوقع في أثناء سيره البطيء إلى طرق شديد على سطح الأرض التي يمشي عليها. هذا الإزعاج يؤدي إلى انسحاب جسم القوقع ودخوله إلى قوقعته. أما إذا تكرر الشيء نفسه مرة واثنتين وثلاثًا فإن القوقع قد لا يستجيب في النهاية لهذا المؤثر، بل يستمر في سيره متجاهلًا أي تنبيه. هذا النوع من السلوك المكتسب -نتيجة التعود على المؤثر- يوجد في جميع الحيوانات، ابتداءً من وحيدة الخلية (البروتوزوا) حتى الإنسان.
- تعرض قفص مغلق به طيور إلى قط أليف: لأول وهلة تفزع الطيور عند رؤية القط، ويُثار القط نفسه عند رؤية الطيور لأول مرة، ولكن سرعان ما يمضي الوقت ويتعود الجميع على بعضهم بعضًا، وربما تعيش في أمان بعد ذلك.
- إثارة الكلب بأية أصوات تلفت انتباهه لأول مرة، لكن سرعان ما يتجاهلها بعد مدة معينة عند تكرارها.
التكيف
في هذه الحالة نجد أن الحيوان يستجيب لمؤثر معين، ولنفرض أنه المؤثر (أ) بعد أن تعلم أن يربط بينه وبين مؤثر آخر (ب) مختلف عنه، وحينئذ يكمن الفرق بين التعود والتكيف؛ فالتعود هو تعلم تجاهل مؤثر، أما التكيف (أو التعلم الشرطي) فهو تعلم ربط مؤثر بآخر.. ومن الأمثلة على ذلك:
- تقديمك الطعام بصفة منتظمة إلى قطة أليفة أو برية. فهي كلما رأتك «ربطت» بينك وبين الطعام الذي تقدمه لها. وإن كان هناك أكثر من شخص واحد في المنزل يقدم لها الطعام، لربطت بين هذا المنزل والطعام.
- أجزاء فم الذبابة تمتد إلى الأمام إذا لامست أرجلها محلولًا سكريًا، ولكن إذا تعرضت الذبابة إلى رائحة نفاذة في كل مرة تلامس أرجلها محلول السكر، لامتدت أجزاء فمها إلى الأمام كل مرة تتعرض فيها إلى هذه الرائحة، حتى وإن لم يكن السكر موجودًا.
- تجارب العالم الروسي إيفان بافلوف على سلوك الكلاب عندما كان يقدم إليها وجبات غذائية من اللحم يسبقها بقرع الجرس. ففي كل مرة يقرع فيها بافلوف الجرس تفرز الكلاب لعابها، تمامًا كأنها على وشك تناول الطعام، حتى وإن كان الطعام غير موجود أمامها.
التعلم الشرطي الإجرائي (المحاولة والخطأ)
يتعلم الحيوان كيف يربط بين نوع معين من السلوك الذي يؤديه وبين نوع المكافأة أو العقاب. فمثلًا إذا درَّبت كلبًا على أداء حركة معينة بمنحة مكافأة قطعة لحم كل مرة يؤدي الحركة نفسها، لتعوَّد أن يربط بين المكافأة وبين هذا السلوك المعين.
وسلوك المحاولة والخطأ في الواقع هو سلوك مشابه لسلوك التكيف، ولكن الفرق يرجع إلى نوعية المؤثر الثانوي إن كان منه استفادة أو عقاب للحيوان.
التعلم الكامن أو المستتر
يمكن اكتسابه حتى بدون مكافأة أو عقاب. فكثير من الحيوانات لها مقدرة كبيرة على «حب الاستطلاع» لمعالم البيئة التي تعيش فيها. فنقل خلية نحل من مكان إلى مكان آخر جديد، يؤدي إلى خروج أفرادها في رحلات قصيرة المدى للاستكشاف حتى تتعود على المكان، وبعد انقضاء هذه المدة تبدأ رحلاتها الطويلة لجمع رحيق الأزهار. تمامًا كما يفعل الإنسان عندما ينتقل من بيئة إلى بيئة أخرى جديدة عليه، فسرعان ما يعمل على اكتشاف معالم البيئة الجديدة. كذلك عندما يحصل الطفل على لعبة جديدة، يحاول فكها وربطها للتعرف عليها بقصد حب الاستطلاع، وهذا هو جوهر التعلم الكامن.
لماذا نهتم بدراسة سلوك الحيوان اليوم؟ (تطبيقات عملية)
إن فهم علم سلوك الحيوان له تطبيقات عملية هامة في حياتنا المعاصرة، منها:
-
الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض: من خلال فهم سلوكيات التكاثر والهجرة لتصميم محميات وبرامج حماية فعالة.
-
تحسين رعاية الحيوان: في حدائق الحيوان والمزارع، لتقليل التوتر وتوفير بيئات مناسبة.
-
تدريب الحيوانات: استخدام مبادئ التعلم الشرطي لتدريب حيوانات الخدمة والحيوانات الأليفة.
-
فهم السلوك البشري: يقدم علم الأحياء السلوكي نظرة ثاقبة على الجذور التطورية لبعض سلوكياتنا وغرائزنا.
في نهاية المطاف، يكشف لنا علم سلوك الحيوان عن التفاعل المذهل بين الطبيعة المتمثلة في الشيفرة الوراثية والسلوك الفطري، والتنشئة المتمثلة في الخبرات المكتسبة والتعلم. سواء كانت هجرة ثعبان بحر غامضة تقودها الغريزة الحيوانية، أو كلب يتعلم استجابة لجرس بافلوف، فإن كل سلوك هو قصة بقاء وتكيف تستحق الدراسة والفهم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.