العلاقة بين علم الوراثة والعلوم الأخرى

أحدثت اكتشافات علم الوراثة ثورة علمية أثّرت بعمق في كثير من فروع المعرفة، فقد تجاوز هذا العلم حدوده البيولوجية، ليتقاطع مع علوم أخرى مثل البيئة، والتقسيم، والمورفولوجيا، والأجنة، وعلم النفس، حتى علم الخلية. وتكمن أهمية هذه التقاطعات في فهم أفضل للكائنات الحية من خلال الجمع بين الجينات والعوامل السلوكية والبيئية والمورفولوجية، ما أتاح للعلماء تفسيرًا أدق للخصائص الوراثية والتطورية.

يستعرض هذا المقال كيف ترك علم الوراثة عهد طفولته ليلتقي ويتكامل مع تخصصات حيوية أخرى، مثل علم التقسيم والبيئة وعلم النفس، مُعيدًا تكوين فهمنا للعالم الحي.

كان لاكتشاف المبادئ الأساسية لعلم الوراثة أثر كبير في تقدم هذا العلم، الذي كان يُنظر إليه في بادئ الأمر بعدم جدية، فأصبح اليوم علمًا مهمًا من علوم الحياة والاجتماع. ولم تمضِ مدة طويلة حتى التقى بكثير من العلوم وتعاون معها في تفهّم واكتشاف قوانين وأُسس جديدة أو على الأقل لشرح وتفسير استنتاجات كانت غير واضحة. وقد ابتدأت هذه العلاقات مباشرة بعدما ترك علم الوراثة عهد الطفولة وأصبح علمًا تحليليًّا قائمًا بذاته. وكلما تقدّم به الزمن، اتصلت به أو اعتمدت عليه علوم كثيرة، أو هو نفسه اعتمد عليها واستمدّ منها دعامات له. وفيما يلي بعض العلوم ذات الاتصال الوثيق بعلم الوراثة.

الوراثة وعلم التقسيم (Genetics and Taxonomy) من التبويب إلى شجرة الحياة

الأساس الذي تُبنى عليه دراسة الكائنات عبارة عن جردٍ وتقويمٍ للمواد الموجودة حاليًّا عن طريق علم التقسيم، فقد رفعت المدرسة الداروينية علم التقسيم من حالة التبويب إلى علم استنتاجي، الغرض منه إظهار العلاقة الطبيعية للأشكال من ناحية المنشأ والتطور. وقد كانت الطريقة المتبعة هي مقارنة التركيب ودراسة توزيع الأشكال. وقد فُرض أن الاختلافات بينها ترجع إلى الوراثة، وقد رُكّز العمل الأساسي على تمييز – بكل وضوح – الأنواع المختلفة وتعيين توزيعها، وقد لاحظ علماء التقسيم ذوو الرأي، وذلك في أواخر القرن السابق، أن النوع عبارة عن كتلة من أشكال مميزة لها القدرة على التزاوج إذا لم تكن منفصلة جغرافيًّا أو بيئيًّا.

فنجد في هذه الدائرة ابتداءً تأثير علم الوراثة على علم التقسيم؛ وبذلك أدرك عالم التقسيم أن الأشكال المميزة من الحيوانات والنباتات الموجودة في الطبيعة قد تكون تصنيفات وراثية أو بيئية ليست ذات قيمة تطورية. وعلاوة على ذلك، يوجد أحيانًا طفرات غير مهمة في داخل عشيرة ما، وخلاف ذلك تكون هذه العشيرة ثابتة.

علاقة علم الوراثة بعلم التقسيم

وأصبحت الطرز الوسيطة عشائر هجينية بين مجموعتين خصبتين أو تحت أنواع وسيطة مستقلة، بُنيت على صفات كمية مسبِّبة ما يُعرف باسم الهجين التداخلي introgressive hybridization، أي التهجين الذي يُدخل بعض جيناتٍ من نوعٍ إلى التركيب الجيني لنوعٍ آخر، أو ثانيًا: أشكالًا متوطنة وسطية غير توارثية، فيصبح التماثل أو الاختلاف في داخل عشيرة ما مجالًا للصرف. وقد أظهر التحليل الوراثي للعشائر والتلقيحات بين الأنواع لعلماء التقسيم أهمية اختلاف الشكل الذي نحصل عليه. وبذلك أعطى علم التقسيم معنًى جديدًا وقوة، وبالتالي أنهى عزل علم التقسيم عن علم البيولوجيا التجريبي الحديث. هكذا جعل علم التقسيم – الذي كان في خطرٍ من أن يصبح علمًا خاصًّا بالتسمية والمشاحنات الفقهية – علمًا بيولوجيًّا أساسيًّا.

الوراثة وعلم البيئة (Genetics & Ecology) الشيفرة الوراثية للتكيف

علم البيئة هو العلم الذي كان يُعرف قديمًا باسم علم التاريخ الطبيعي Natural History، ولم يُغيَّر فقط اسم هذا العلم إلى علم البيئة، بل تطوّر ليصبح علمًا شاملًا، جزءٌ منه يختص بدراسة العشيرة، ويشمل جزءًا آخرَ متخصصًا في الفسيولوجيا. ولأن علم البيئة يشمل دراسة الكائن في بيئاته الطبيعية التي تشرح المواءمة الخاصة للبيئات العضوية وغير العضوية، فقد اضطر علم البيئة إلى الارتباط بعلم الوراثة والتأثّر بحقائقه ونظرياته، وفقًا دراسة في مجلة Nature Ecology & Evolution عن «التكيّف الوراثي للنباتات في البيئات المتغيرة».

وعلى هذا، قد تكون المواءمة عبارة عن تفاعل غير توارثي مباشر لعوامل بيئية، فعدم ثبات كثير من صور الكائنات يسمح للفرد بالاستجابة للبيئة، ولكن العناصر الأساسية لعلم البيئة لفردٍ معيّن يجب أن تُبنى على أساس وراثي؛ لذلك أصبحت معرفة آليات الوراثة هي المشكلة الأساسية لعلم البيئة؛ وهذه الآليات هي التي تتيح مواءمة الكائن لقبول بيئته.

علم الوراثة والبيئة

ولتوضيح هذه النقطة، دعنا نذكر مواءمة حياة كائن للدورة الموسمية لموطنه.

دعنا نأخذ في الحسبان أبا دقيق تُوضَعُ بيوضُه في الخريف، وتدخل اليرقة في دور البيات دون خروجها من البيضة. فلكي تكون المواءمة للدورة الموسمية، يجب ألّا يحدث الفقس قبل توافر الغذاء، بل في وقتٍ مبكرٍ كافٍ لترك زمنٍ كافٍ للتكوين في أثناء مرحلة النموّ الخضري للنبات المستخدم غذاءً لليرقات. فإذا كان سيتوزّع هذا النظام على مساحة جغرافية كبيرة شاملة دوراتٍ موسمية مختلفة جدًّا، وجب أن تكون مواءمة العشيرة للدورة الموسمية المعيَّنة مواءمةً وراثية.

ونعني بذلك -بعيدًا عن الاختلافات البيئية المحلية- أن التحكّم الوراثي لتفاعل الفقس يجب أن يُناظر الدورة الموسمية المعينة. فهذه هي الحقيقة بعينها في إظهار أن القبول البيئي متوافرٌ فقط على أساس مسار التفاعل norma of reaction المتحكَّم فيه وراثيًّا. ويحدث الشيء نفسه في النبات؛ فقد أدت مواءمة بعض النباتات متعددة المجموعات الكروموسومية في مواطن معينة إلى تعاونٍ وثيقٍ بين علمَي الوراثة والبيئة.

الوراثة وعلم النفس (Genetics and Psychology) جسر بين الطبيعة والتنشئة

يُعد علم النفس في رأي علماء البيولوجيا جزءًا من علم البيئة، كما يعدّونه علمًا إنسانيًّا وثقافيًّا كذلك، غير أنه نشأ في أول الأمر عن علم الفلسفة. فقد يكون لهذه النشأة أثر كبير في عدم المبالاة التي أظهرها كثير من علماء النفس نحو المشكلات الوراثية، ولربما كان هذا سببًا في الاعتقاد القوي في قوة البيئة، الذي اعتنقه مجموعة من علماء النفس.

دخلت الوراثة جزئيًّا عن طريق الطب في الأعمال الخاصة بعلم النفس، مثل تلك التي تظهر فيها أمراض جسمانية ونفسية متلازمة وراثيًّا. وقد نشأت ثغرة أخرى في حَضِّ المعتقدين على التأثّر الكلي للبيئة عندما امتدت دراسة التوائم إلى الخواص النفسية، وبطبيعة الحال كان علم النفس دائمًا واقفًا بجانب علم الوراثة.

الوراثة وعلم النفس

الوراثة وعلم المورفولوجيا (Morphology) قواعد التطور والنمو

علم المورفولوجيا التقارني هو أقدم فرع من علوم الحياة، وتدل الكلمة «مورفولوجيا» على التركيب الظاهري للعضو بصرف النظر عن وظيفته. ويختص أساسًا علم المورفولوجيا التقارني بتحليل التغيرات المختلفة للعضو الواحد في مجموعات مختلفة من الكائنات. والعلاقة ليست مقتصرةً فقط بين الورقة والكأس والتويج، أو بين الذراع أو الجناح والزعنفة، بل تشمل كذلك نواتج تحوّل أجزاء من العمود الفقري في الحيوانات الفقارية.

وقد أصبح علم المورفولوجيا التقارني علمًا حديثًا بتطبيق حقائقه على التحاليل التطورية المتقارنة، أي التشابه والاختلاف. وقد أُجريت هذه التحاليل غالبًا دون الاحتياج إلى الوراثة والتطور. وتدل جميع الحقائق على تقدم علم المورفولوجيا التقارني قبل عصر الوراثة. ولكن، كما هو الحال في علم البيئة، فإن علم التشريح التقارني سيقابل – إن عاجلًا أو آجلًا – الاحتياج إلى معرفة كيف تُصوَّر نتائجه في ضوء تحكّم الوراثة في الاختلاف.

الوراثة وعلم المورفولوجيا

الوراثة وعلم الأجنة (Embryology) من الوصف إلى فك الشفرة

تقدّم علم الأجنة الوصفي والتجريبي دون أن يتأثر بالوراثة. ولكن، بما أن القواعد المتحكمة في التكوين أصبحت واضحة بعض الشيء الآن، فإنه أصبح من الضروري جدًّا الارتباط بين علم الأجنة والوراثة، وذلك لأن جميع عمليات التكوين ما هي إلا عمليات وراثية كيميائية.

الوراثة وعلم الأجنة

وفي الواقع، حاول علماء الوراثة الفسيولوجية وعلماء الأجنة التجريبيون وعلماء الكيمياء الحيوية الخاصة بالتكوين ربط هذه الحقول مع الوراثة للتوصل إلى فائدة عامة. وقد أمكن في كثير من الحالات، وخاصة في الحيوان، معرفة الوقت الذي ينشط فيه الجين ليؤثر في ظهور عضو من الأعضاء أو صفة من الصفات.

الوراثة وعلم الخلية (Cytology) الاندماج الذي أنجب الوراثة الخلوية

يُعد علم الخلية أحدَ دعائمِ علم الوراثة، فقد كان علم الخلية في الحيوانات شديد الاتصال بعلم الخلية في النباتات أكثر من العلوم الأخرى النباتية والحيوانية. وحقيقة تاريخية: بعدما اكتشف العالم الحيواني فالتر فليمنغ (Walther Flemming) وآخرون مثل Butschli الانقسام الميتوزي (Mitosis)، زاره العالم النباتي ستراسبورجر (Strasburger)، فلاحظ أن ما شاهده في الخلايا النباتية مشابه تمامًا لما شاهده في الخلايا الحيوانية.

الوراثة وعلم الخلية

فمنذ ذلك الوقت، لم يُميَّز علم الخلية بين النباتات والحيوانات. فجميع الحقائق الأساسية الخاصة بالتركيب والسلوك الكروموسومي والانقسام الميتوزي والإخصاب (Fertilization) وكروموسومات الجنس (Sex Chromosomes) والمحتويات السيتوبلازمية، وبطبيعة الحال فسيولوجيا الخلية، كلها متشابهة.

وبذلك أصبح علم الخلية علمًا مستقلًّا يحصل على اكتشافاته عن المملكتين. ولكن مجيء علم الوراثة أخرج علم الخلية من مكانه بصفته علمًا متخصصًا للدراسة، وجعله حقيقة العماد للبحوث البيولوجية. فبينما أصبح علم فسيولوجيا الخلية فرعًا من الكيمياء الغروية والكيمياء الحيوية والطبيعة الحيوية، فإن مورفولوجيا الخلية أصبحت شديدة الاندماج مع علم الوراثة، لدرجة أن بعض علماء الوراثة تناسوا كليًّا النواحي الأخرى لعلم الخلية، التي تُعد ذات أهمية عظمى. وكان نتيجة لهذا الاندماج القوي أن أُطلق على العلمين معًا اسم «الوراثة السيتولوجية» (Cytogenetics).

وهكذا، يتضح أن علم الوراثة لم يكن علمٍ موازٍ فحسب، بل كان النهر الذي تدفقت فروعه لتغذي حقول العلوم البيولوجية الأخرى، محولًا إياها من علوم وصفية إلى علوم تحليلية وتفسيرية، فبتقديم (الكيف) و(لماذا) وراء (الماذا)، أصبحت الوراثة هي اللغة المشتركة التي تربط بين التنوع البيئي، والشكل المورفولوجي، والنمو الجنيني، والسلوك النفسي. واليوم، مع ظهور أدوات جديدة مثل علم الجينوم (Genomics)، يستمر هذا التكامل في التعمق، واعدًا بمزيد من الاكتشافات التي ستعيد تكوين فهمنا لتعقيدات الحياة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة