قبل أن تقع الجريمة، توجد أفكار تتكون، دوافع تنمو، وأنماط سلوكية تترسخ، حينئذ يأتي دور علم النفس لا كونه أداة لتحليل الجريمة بعد وقوعها فحسب، بل سلاحَا استباقي لمنعها من الحدوث في المقام الأول. إن فهم عقلية المجرم المحتمل أو السابق، ومعرفة العوامل التي تدفعه للسلوك الإجرامي، يفتح الباب أمام إستراتيجيات وقائية وتأهيلية فعالة.
هل يقتصر دور علم النفس على كشف الجريمة والدوافع من ورائها؟ أم أن علم النفس بحر واسع يسع أدوارًا أخرى؟ في الحقيقة يبحث علم النفس في كثير من الأدوار التي تخص النفس عمومًا ونفس المجرمين خصوصًا، لهذا، تعال نتعرف على دور علم النفس في الوقاية من الجريمة. من الممكن أن نتلافى الجريمة ولا نقع فيها بالاستفادة من علم النفس، فهل يستطيع علم النفس أداء هذا الدور؟ بلا شك نعم.
يستعرض هذا المقال الأدوات النفسية الرئيسة التي تُستخدم اليوم، من العلاج السلوكي المعرفي إلى برامج التأهيل وتقييم المخاطر، ليكشف لنا كيف يمكن لعلم النفس أن يبني حصنًا منيعًا يقي المجتمع من الجريمة قبل أن تترك ندوبها؟ وما دور علم النفس وأدواته في منع جريمة؟ وكيف يساعدنا علم النفس في فهم عقل المجرم؟
فهم عقل المجرم حجر الزاوية في الوقاية
عند الحديث عن دور علم النفس في الوقاية من الجريمة، وعند السؤال عن كيف يساعد علم النفس في فهم عقلية المجرمين؟ فإننا نخاطب بذلك مرتكبي الجريمة ومن لم يرتكبوا الجريمة في أي وقت مضى من حياتهم.
أما المجرمون، فإننا نخاطبهم بهذا الدور حتى لا يقعوا في الجريمة نفسها التي ارتكبوها قبل ذلك، أو في أنواع جرائم أخرى.

وأما من لم يرتكبوا الجريمة، فإننا نحميهم بأساليب الوقاية من الجريمة التي يمكن أن نتبع جزءًا منها للوقاية من الجريمة، أو نتبع طريقة أو أسلوبًا واحدًا منها، أو نتبعها كلها إن لزم الأمر.
نحن نعلم أن تغيير السلوك الإنسان في العموم أمر بالغ الصعوبة، فما بالك بتغيير السلوك الإجرامي لدى المجرمين وغير المجرمين، إذ يوجد عدد من الأشخاص الذين لديهم استعداد قوي لأن يكونوا مجرمين، فكيف نكشف عن نواياهم الإجرامية وحل مشكلاتهم التي قد تؤدي إلى الجريمة قبل الوقوع فيها؟ يندرج كل هذا وأكثر تحت تأثير علم النفس في الوقاية من الجريمة. وفي السطور التالية، سوف نتعرف على دور علم النفس في الوقاية من الجريمة بالتفصيل.
أدوات علم النفس الرئيسية في منع الجريمة
وتتكون من:
العلاج السلوكي المعرفي (CBT)
تناولنا في مقال سابق العلاج السلوكي المعرفي، من تأهيل المجرم للتعامل مع المجتمع بعد أن ينهي مدة العقوبة الخاصة به، ولكننا نتناول الأسلوب نفسه الآن حتى يُغلَق ملف الجريمة داخل عقل المجرم.
ومن الممكن أن نتبع العلاج نفسه لتغيير السلوكيات التي تخص شخصًا عاديًّا لكيلا يكون شخصًا مجرمًا، ومن هنا تكمن أهمية هذا النوع من العلاج، وهو هنا يؤدي الدور الرئيس ويكون جزءًا مهمًّا من فريق الأدوار التي يتمتع بها علم النفس، وخاصة فرعه المختص بالجريمة، وهو علم النفس الجنائي.
البرامج التأهيلية وبناء مهارات لحياة جديدة
قد تسأل نفسك، ما البرامج التأهيلية تلك التي يتحدثون عنها ويتشدقون بها في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؟ ونوضح هنا أن هذه البرامج هي وليدة أدوات علم النفس، إذ يتم تدريب المجرمين على مهارات مهنية معينة، وترشيح كل فرد من هؤلاء إلى المهارات المهنية التي تليق به.

ويتم كل ذلك من أجل إعادة دمج هؤلاء المجرمين في المجتمع مرة أخرى، ولكي يتحولوا إلى مواطنين صالحين ويكفون عن السلوك الإجرامي الذي ارتبط بشخصياتهم، فانخراط الشخص في الأعمال المفيدة الصالحة يبعد تفكيره في الجريمة وتجفَّف منابع هذا التفكير.
وتمارس أيضًا برامج تأهيلية على مدمني المواد المخدرة في مراكز الإدمان المتخصصة، وهذا لأن من أهم أسباب الجريمة تعاطي المخدرات، إذ يرتكب المتعاطي الجريمة إما تحت تأثير المخدر أو لكي يجلب المال اللازم للتعاطي.
وهنا يتدخل علم النفس لكي يبسط أدواته على تلك البرامج ويتم تطبيقها على الحالة حتى يتم التعافي، وعلى هذا يكون مؤهلًا للانخراط بين أفراد المجتمع، دون أن يكون شخصًا مؤذيًا وسطهم.
تقييم المخاطر والتنبؤ بالسلوك الإجرامي المستقبلي
قد يكون رجوع المجرم إلى الحياة الطبيعية مرة أخرى شديد الخطر للغاية، وذلك إن أُهمل دور علم النفس في الوقاية من الجريمة، إذ لا بد قبل وضع برنامج تأهيلي لهذا المجرم، عمل اختبارات المخاطر.
وتقيس هذه الاختبارات مدى قابلية هذا الشخص على التعامل مع الحياة الطبيعية والانخراط في المجتمع بطريقة صحية، دون أن يمثل ضررًا على أي فرد من أفراد المجتمع، أو أن يكون أداة لجلب غيرهم للمشكلات نفسها التي أدت به إلى الوقوع في الجريمة.
وإن كنت تسأل عن كيف يساعد علم النفس في فهم عقلية المجرمين؟ فإنني أقول لك إن هذه الاختبارات -اختبارات المخاطر- تعد من أهم الأساليب التي تفهِّمنا كيف يفكر المجرم وكيف تدار الأمور داخل عقله، قبل أن ينفذ الجريمة أو قبل أن يشرع في تنفيذها.
علم النفس الإصلاحي.. معالجة ندوب ما بعد الجريمة
عندما يرتكب شخص ما جريمته، فإنها تخلف في نفسه كثيرًا من العكوسات والمخلفات النفسية شديدة الخطر، التي لا يمكن أن يتخلص منها بمفرده، لذا، يحتاج إلى مساعدة الاختصاصي النفسي لكي يقدم له الإرشادات والتمارين النفسية التي تعينه على التخلص من هذه المخلفات، أو في الأقل تحجيمها وتعطيل مفعولها من أجل عدم الرجوع إلى هذه الجريمة بعد أن يخرج مرة أخرى إلى الحياة الطبيعية. وقد يظهر على المجرم عدد من العلامات في أثناء مدة العقوبة التي تدل على هذه المخلفات.

التدخل المبكر: الوقاية قبل تكوين السلوك الإجرامي
إحدى أهم إستراتيجيات علم النفس هي التدخل المبكر مع الأطفال والمراهقين الذين يظهرون عوامل خطورة، مثل التعرض للعنف الأسري، أو صعوبات التعلم، أو الاضطرابات السلوكية. بتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهذه الفئات، يمكن معالجة الأسباب الجذرية التي قد تدفع نحو الجريمة في المستقبل، ما يمثل خط الدفاع الأكثر فعالية.
في النهاية، يتضح أن دور علم النفس في محاربة الجريمة يتجاوز بكثير تحليل الدوافع بعد وقوع الكارثة، إنه يقدم رؤية استباقية ونهجًا إنسانيًا يركز على الوقاية وإعادة التأهيل، بدلًا من الاكتفاء بالعقاب. بفهم أعمق لعقلية الفرد، سواء كان مجرمًا سابقًا أو شخصًا على حافة الخطر، يمكننا بناء مجتمعات أكثر أمانًا وصحة، إن الاستثمار في الصحة النفسية، والعلاج السلوكي، وبرامج التأهيل ليس خيارًا، بل هو ضرورة حتمية لمستقبل أقل جريمة وأكثر أملًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.