تتطور الأمم وتتقدم الشعوب بسواعد أبنائها ومهاراتهم وقدراتهم، والخطط والإستراتيجيات التي تستطيع تطوير الأجيال الجديدة، وإخراج الطاقات الكامنة، واستغلال الموارد بأفضل صورة ما يقودنا إلى فكرة التربية والتعليم سواء في المنزل أم في المدرسة أم في المؤسسات المختلفة التي يمكن بها غرس القيم والمهارات، وتطوير القدرات، وزرع الطموحات والرغبات والأهداف؛ وبذلك يجب أن تكون عملية التربية والتعليم قائمة على مناهج منطقية وواضحة ومناسبة للأهداف التي وضعت من أجلها؛ لذا برز مصطلح علم النفس التربوي الذي ساعد كثيرًا من الأمم المتقدمة، فنرجو أن نتعامل معه بجدية، ونستخدمه بوعي يتناسب مع تحديات العصر الجديد.
في هذا المقال نتحدث عن علم النفس التربوي من زوايا عدة، ونوضح مفهومه، ونذكر أهدافه، ونشير إلى الأساليب التي يمكن تطبيقها على الأرض في السطور التالية.
مفهوم علم النفس التربوي
يعد علم النفس التربوي أحد أهم فروع علم النفس الذي يهتم بدراسة السلوك البشري المتعلق بعمليات التربية والتعليم، ويبحث في كيفية الاستفادة من الموارد المتاحة؛ للحصول على أفضل النتائج بدراسة الفروق الفردية، ومعرفة الأساليب المناسبة لتطويرها وتنميتها للوصول إلى زرع الدوافع، وثقل المعارف، وإكساب المهارات السلوكية والمعرفية التي يؤثر في أبنائنا بكثير من الفوائد والقدرات التي تمكنهم من التعامل مع التحديات، وتمنحهم الثقة المطلوبة في التعامل مع المتغيرات، إضافة إلى جعلهم قابلين للتطور والتعلم والتغير على طول حياتهم بعكس الأشخاص الذين تربّوا وتعلموا تعليمًا عشوائيًا.

أهداف علم النفس التربوي
في الحقيقة يوجد عدد من الأهداف التي يستهدفها علم النفس التربوي؛ فتوجد أهداف نظرية تتعلق باكتشاف الأفكار والمعلومات والنظريات التي تتناسب مع عملية التعلم وعملية التنشئة، وكذلك تتناسب مع الطلاب والأطفال الذين نتعامل معهم، ثم تأتي مرحلة تنظيم هذه المدخلات ووضعها في منهج مناسب يستند إلى دراسات علم النفس التربوي التي تتضمن خصائص الأطفال أو الطلاب النفسية والحركية والانفعالية والعقلية، لتكون عملية التربية والتعليم ذات جدوى كبيرة ومناسبة للفئة المستهدفة مع تجنب الأخطاء التربوية والمشكلات التي قد تنشأ من تعارض المناهج التربوية والأفكار والأساليب مع الأبناء المستهدفين والطلاب.
كذلك توجد أهداف عملية لعلم النفس التربوي تتعلق بخلق قوالب عملية أو تنظيمها أو تشكيلها ما يمكن القائمين على عملية التربية والتعليم من استخدامها في الأمكنة التي تحتاج إلى الاستعانة بعلم النفس التربوي سواء في المدارس أم في البيوت أم في المؤسسات التعليمية والتدريبية الأخرى؛ وذلك بألا يعود القائمون على العملية التعليمية والتربوية إلى البحث عن بلورة الأفكار والمعلومات في كل مرة؛ وبذلك تبقى تطبيقات علم النفس التربوي جاهزة للاستخدام، ومن هنا تبرز أهمية علم النفس في التربية والمجتمع.
فوائد علم النفس التربوي
عندما نتحدث عن فوائد علم النفس التربوي فنحن نستهدف مجموعة كبيرة من المكاسب التي تخص أبناءنا في مرحلة التنشئة والتربية والتعليم التي ربما يصعب اكتسابها والوصول إليها بعد مغادرة هذه المرحلة، وكذلك يستهدف علم النفس التربوي القائمين على العملية التعليمية والتربوية من آباء ومعلمين ومدربين؛ لذا تبرز الأهمية الكبرى لعلم النفس التربوي، ولعل أهم فوائد علم النفس التربوي ما يأتي:

- في علم النفس التربوي يستطيع الشخص اكتساب المهارات المناسبة لعملية التدريب والتعليم والتربية؛ ليكون قادرًا على استخدام الأسلوب المناسب والأدوات في البيئة التعليمية والتربوية مع الطلاب والأبناء حسب طبيعتهم، وكذلك حسب اختلاف قدراتهم المعرفية والذهنية ومستوياتهم، فيشمل علم النفس التربوي كثيرًا من الأدوات والأساليب المنهجية الحديثة في التربية والتعليم التي تتخطى الأساليب القديمة وغير المنهجية التي انتشرت سنوات طويلة، واعتمدت على المحاكاة الحرفية والوصفات التعليمية التقليدية.
- كذلك من فوائد علم النفس التربوي أنه يمنح القائمين على عملية التربية والتعليم القدرة على التنبؤ العلمي بمستويات الطلاب وسلوكياتهم؛ وذلك بإحصاء العوامل التي يتضمنها علم النفس التربوي وترتبط بالفشل والنجاح ودراستها؛ مثل: الظروف البيئية، والظروف الاجتماعية، ومستوى الانتباه، والعوامل الوراثية، والطباع الشخصية، إضافة إلى مستوى الدافعية في شخصية المتعلم، وهي أمور لم تكن تستخدم من قبل، فقد كانت عملية التربية والتعليم تعتمد على القدرات الشخصية للمعلم والمربي.
- ومن أهم فوائد علم النفس التربوي أنه يجعل المعلم أو المربي قادرًا على تفسير عملية التربية علميًا، ما يجعله مؤهلًا لاستنباط الأسباب التي تكمن وراء السلوكات التي يمارسها الأبناء والطلاب، فلا يتعامل مع السلوك ظاهريًا، وإنما يتعامل مع أسبابه الكامنة علميًا، ما يمنحه القدرة على تعديل السلوك بالأساليب العلميةالتي تعتمد على مهارات الترغيب، ومهارات الإقناع، والتحفيز، والنقاش وغيرها.
مجالات علم النفس التربوي
يقودنا الحديث عن علم النفس التربوي إلى المجالات التي يمكن أن يكون علم النفس التربوي نافعًا فيها، والحقيقة توجد مجالات عدة في المرحلة الحالية، وقد يصبح علم النفس التربوي أساسًا في المجالات التي تخص التربية والتعليم في المستقبل كلها، ولعل أبرز المجالات ما يأتي:
- يستخدم علم النفس التربوي في تحديد نوع التعلم أو التدرب الذي يناسب المتعلم ومستوى نموه، وهو أمر وإن يبدو بسيطًا، لكنه مؤثر تأثيرًا كبيرًا، فعلى سبيل المثال لا يستطيع معظم الأهالي تحديد المجالات المناسبة لأبنائهم والرياضات المناسبة والهوايات أو النشاطات التي يمكن أن تتناسب مع طبيعتهم وقدراتهم؛ لذا يتدخل علم النفس التربوي على نحو مفيد وفعال.
- كذلك يستخدم علم النفس التربوي في مجال تنظيم المادة التعليمية والتربوية لتعظيم الاستفادة، وتلافي الأخطاء، وتجاوز العقبات التي تستهلك كثيرًا من الوقت والجهد والمال.
- أما أكثر المجالات التي يمكن أن يستخدم فيها علم النفس التربوي مجال التعاملات والتفاعلات بين المعلم والمتعلم، وبين المربي وأبنائه، ويستطيع علم النفس التربوي أن يخلق جوًا من التفاهم والتناغم والتنظيم لتحقيق أهداف التربية والتعليم التي تتضمن جوانب نفسية إلى جانب الأغراض المعرفية والذهنية والتنظيمية الأخرى.
- لا يمكن إغفال دور علم النفس التربوي في تحسين العملية التعليمية وقياس التأثير والنتائج في عملية التربية والتعليم، فيضم علم النفس التربوي عددًا من مناهج القياس والاختبارات المنهجية التي تستخدم للوصول إلى إشارات ودلائل يمكن بها تقييم العملية التعليمية، وتقييم المعلم والمربي، وتقييم الأبناء والطلاب في مراحل مختلفة.

نظريات علم النفس التربوي
وللأهمية الكبيرة التي يحظى بها علم النفس التربوي في كل مدارس علم النفس، فقد تعددت النظريات الخاصة بعملية التربية والتعليم التي نستعرض منها بعض النظريات الشائعة التي حققت نتائج جيدة على أرض الواقع.
1. نظرية التعلم الشرطي
تعد نظرية التعلم الشرطي من النظريات القديمة أو الكلاسيكية في علم النفس التربوي التي يرجع تأسيسها إلى العالم الروسي إيفان بافلوف، وهي تتحدث عن الاستجابة الطبيعية والاستجابة الشرطية، فتتحول الاستجابة الطبيعية عند الأبناء والطلاب والمتدربين إلى استجابة شرطية عندما تربط بأمور محددة؛ فعلى سبيل المثال يرتبط صوت الجرس عند الطلاب في المدارس بانتهاء الحصة، ويشعر الناس بالرغبة في تناول الطعام عند رؤية صور الأطعمة وإن لم يكن ذلك موعد وجبتهم ما يمكن الاستفادة منه في الفصل الدراسي أو في عملية التربية؛ لضبط السلوكات، وزرع الدوافع؛ فعلى سبيل المثال يمكن للمدرس ضبط سلوك الطفل الذي يتحمس للإجابة ويحدث ضجة فيتجاهله ولا يسمح له بالإجابة، ما يتحول عند الطفل بعد ذلك إلى استجابة شرطية فيعرف أن الحماس والضوضاء سيؤديان إلى عدم اختياره للإجابة؛ فينضبط سلوكه تلقائيًا، ما يؤدي إلى أن يسود الهدوء في الصف الدراسي.
2. نظرية التعلم بالمحاولة
تعتمد نظرية التعلم بالمحاولة على أحد أسس علم النفس التربوي، وهو تكرار الأخطاء والمحاولات التي تؤدي في النهاية إلى التعلم، فقد أثبتت التجارب العلمية أن تكرار الخطأ نتيجة التجارب المتعددة يؤدي إلى ربط النتائج بالتجارب، ويؤدي إلى تقوية الرابطة بين الاستجابة والمثير نتيجة التدريب المستمر، وهذا ما يستخدمه المعلمون مع الطلاب بتكرار الأسئلة والامتحانات والاختبارات التي تجعل الطالب يخطئ كثيرًا، ويتعلم من أخطائه قبل أن يتعرض إلى امتحانات آخر العام التي سيتعامل معها بالاستجابة نفسها التي اعتاد عليها؛ وبذلك يمكن أن يقدم أفضل ما لديه، ويحصل على أحسن النتائج.
3. نظرية الفهم والاستبصار
تعتمد نظرية الفهم والاستبصار على الإدراك الكلي للمواقف والمعارف من أجل خلق تصورات عامة، ثم البدء في إدراك العلاقات وتحليلها وربط الأمور ببعضها، ما يدفع المتعلم إلى اكتساب قدرات رائعة ومهارات تمنحه بعد ذلك آلية التحليل والاستنتاج والفهم، إضافة إلى قدرته على الاحتفاظ بالمعلومات مدة طويلة؛ لأنها لا تنبع من حفظه، وإنما ترتبط بعملية الفهم، وهو ما يحتاج إلى مربٍّ أو معلم أو مدرب يتمتع بمهارات عالية، إضافة إلى فهمه ووعيه بنظرية الفهم والاستبصار، ما يعد استخدامًا فعالًا لعلم النفس التربوي.

وهكذا فإن علم النفس التربوي يبدو كأنه عالم كبير مملوء بالآليات والمعلومات والأفكار والتطبيقات التي من شأنها أن تصنع طفرة كبيرة في نتائج عملية التربية والتعليم إذا تعامل معها بجدية على مستوى المؤسسات والجماعات والأفراد، كذلك من أجل الاستفادة من الموارد المتاحة كلها، والوصول إلى بناء أجيال قادرة على مواجهة الواقع والتعامل معه وتغييره في المراحل القادمة.
وفي نهاية المقال نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال عبر مواقع التواصل؛ لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.