علم اللغويات هو الدراسة العلمية لبنية اللغة البشرية وقوانينها، ويشهد جدلًا محوريًا بين المدرسة التوليدية لنعوم تشومسكي التي تصف «القواعد العالمية» كملكة بيولوجية فطرية قوامها «العودية»، وبين المدارس التجريبية التي تثبت بأدلة حقلية (مثل لغة قبيلة بيراها) أن القيود اللغوية تنشأ من التجربة الفورية والعادات الثقافية والاجتماعية؛ ما يحوِّل فروع اللسانيات النظرية والتطبيقية إلى إطار مستمر لاستكشاف آليات الفكر البشري وتوظيفها عمليًا.
إن العلم عمل فوضوي، ولكن مثل كل شيء له نهايات فضفاضة وحواف خشنة، فإننا نميل إلى فهمه باللجوء إلى نماذج مثالية. من ناحية، هناك النموذج الأصلي للطريقة العلمية: وسيلة لحساب الملاحظات، وتوليد تنبؤات دقيقة وقابلة للاختبار، وإعطاء نتائج جديدة حول العواقب الطبيعية للقوانين الفيزيائية.
ومن ناحية أخرى، هناك خطنا الذي يتجدد دائمًا من النماذج الأساسية للقصة: الحدث غير المقصود الذي ينتج عنه توضيح مفاجئ؛ البطل الذي يطارد الحقيقة في مواجهة المقاومة أو حتى الخطر؛ والحقيقة المدهشة التي تتحدى النظرية السائدة وتؤدي إلى زلزال في القناعات المستقرة.
وقد نجم عن التفاعل بين هذه النماذج البدائية جدل حيوي طويل الأمد حول طبيعة وأصل اللغة. في الآونة الأخيرة، عاد هذا الجدل إلى الوعي العام بعد نشر كتاب «مملكة الكلام» (2016) The Kingdom of Speech للكاتب «توم وولف».
ما هو تخصص علم اللغويات؟
إنَّ تخصص «علم اللغويات» -أو ما يُطلق عليه باللغة الإنجليزية «Linguistics»- هو العلم الذي يدرس اللغة دراسةً علمية وبأسلوب علمي. يُصنَّف هذا التخصص على أنَّه علم؛ لأنَّه يهتم ببناء اللغة، وكيفية تكوين التراكيب اللغوية والمفردات والكلمات، بالإضافة إلى التعرُّف على الأصوات الموجودة في كل كلمة، ودراسة طريقة وطبيعة نطقها.
ما هي فروع علم اللغويات؟
يتساءل كثير من المبتدئين في دراسة علم اللغة: ما الذي يدرسه علم اللغويات؟ تشمل المجالات الفرعية المهمة في علم اللغة ما يلي:
علم النحو - دراسة بنية الجملة - علم الدلالة - دراسة المعنى اللغوي - علم التداولية - دراسة كيفية استخدام اللغة في سياقها - اللغويات التاريخية - دراسة تغير اللغة.
في إعادة قراءة وولف الساخرة، فإن النظرية العلمية المهيمنة هي مفهوم نعوم تشومسكي عن «القواعد العالمية» - الفكرة القائلة بأن كل اللغات تتشارك في بنية عميقة كامنة، ممتدة في بيولوجيتنا عن طريق التطور.
والفرضية الحاسمة هنا هي أن جوهر اللغة وخصائصها الأساسية تتمثل في «العودية» (Recursion)؛ وهي القدرة على تضمين عبارات داخل عبارات أخرى إلى ما لا نهاية، وبالتالي التعبير عن العلاقات المعقدة بين الأفكار (مثل: يقول توم إن دان يدعي أن نعوم يعتقد أن...).
ولكن الحقيقة الصادمة كانت في اكتشاف لغة قبيلة «بيراها» الأمازونية (Pirahã)، التي لا يوجد لديها ميزة العودية. يبرز هذا الجدل العلمي كقصة كلاسيكية تشبه صراع داود وجالوت؛ حيث يظهر تشومسكي كمفكر شهير يعيش في برجه العاجي، في حين يتم تحدي إعلاناته النظريّة الضخمة من قِبل عالم لغوي متقلب ومتواضع، ومبشر مسيحي سابق يدعى دانيال إيفريت.
إن القصص الناضجة عن هذا النوع من الدراما لا تأتي إلا نادرًا في أي فرع من فروع العلم، فضلًا على المجال الغامض نسبيًا في اللغويات النظرية. لكن الحقيقة ستكون دائمًا أكثر تعقيدًا من المثاليات التي نستخدمها لفهمها.
وفي هذه الحالة، فإن التفاصيل تفسح المجال جيدًا للقصة المثيرة التي تدور حول الصخب، ما يجعل النقطة الأعمق والأكثر ترجيحًا عرضة للتغافل. فالأمر هنا لا يتعلق فقط بتحدي إيفريت لنظرية تشومسكي، بل بتحدي تشومسكي للطريقة العلمية نفسها.

معيار التزييف بوبر ومواجهة تشومسكي
يتخذ هذا الهجوم المضاد شكل رد فعل التشومسكيين على إيفريت؛ إذ يقولون إنه حتى لو لم يكن لدى لغة «بيراها» أي عودية، فإن ذلك لا يهم كثيرًا بالنسبة لنظرية القواعد العامة؛ فالقدرة متأصلة بيولوجيًا حتى لو لم يتم استغلالها دائمًا. وكما قال تشومسكي وزملاؤه في ورقة مشتركة: «إن ملكة اللغة لدينا تزودنا بمجموعة أدوات لبناء اللغات، ولكن ليس كل اللغات تستخدم جميع الأدوات».
يبدو هذا شبهًا مريبًا بتحدي سمة مركزية للنموذج العلمي الأصلي الذي طرحه الفيلسوف كارل بوبر للمرة الأولى: «النظريات ليست علمية ما لم تكن قابلة للتفنيد والتزييف». فإذا كنت تدعي أن العودية هي السمة الأساسية للغة، وإذا كان وجود لغة غير متكررة لا يبطل ادعاءك، فما الذي يمكنه إبطاله إذن؟
في مقابلة مع موقع Edge.org عام 2007، قال إيفريت إنه أرسل بريدًا إلكترونيًا إلى تشومسكي يسأله: «ما هو التنبؤ الوحيد الذي تقدمه قواعد النحو العالمي ويمكنني دحضه؟ كيف يمكنني اختبار ذلك؟». ووفقًا لإيفريت، أجاب تشومسكي بأن القواعد العالمية لا تقدم تنبؤات محددة، بل إنها حقل للدراسة، تمامًا مثل علم الأحياء.
يتلخص جوهر الخلاف هنا فيما يقوله علم اللغة بالضبط عن العالم، والنماذج الأساسية المناسبة التي ينبغي لنا تطبيقها لكي نجعلها فعالة. إذن ما هي أنواع الأسئلة التي تريد اللغويات الإجابة عنها؟ وما الذي يعد دليلًا علميًا؟ وهل القواعد العامة بوجه خاص -واللغويات النظرية عمومًا- علم على الإطلاق؟
اقترح بوبر أولًا معيار التزييف كطريقة لرسم خط فاصل وواضح بين العلم والعلوم الزائفة. وقال إنه إذا كنت تبحث عن تأكيد لنظرية أو فرضية ما، فمن المؤكد أنك ستجد ما يدعمها؛ فبالنسبة للعلوم الزائفة مثل علم التنجيم، تكون التنبؤات مبهمة للغاية بحيث يمكن تفسير أي تناقض ظاهري لمصلحتها. وبالنسبة لعلم النفس الفرويدي، لا يوجد أي سلوك بشري لا يمكن تحليله عن طريق دوافع اللاوعي.
على النقيض من ذلك، فإن النظريات أو الفرضيات الجيدة هي تلك التي تسمح لك بالبحث عن أدلة تخالفها. وهكذا، قدمت نظرية ألبرت أينشتاين عن النسبية العامة تنبؤًا محددًا جدًا حول تأثير الجاذبية على الضوء، وهو ما تم اختباره لاحقًا خلال كسوف الشمس عام 1919.
على عكس علم التنجيم أو الفرويدية، كان من الممكن دحض النسبية لو جاءت الملاحظات مغايرة (على الرغم من أن الكسوف أثبت في النهاية صحة آينشتاين). إن القابلية للدحض هي ما يجعل النسبية العامة علمًا حقيقيًا.
تعريف اللسانيات لغة واصطلاحًا
اللسانيات أو علم اللغويات في تعريفها البسيط هي الدراسة العلمية والموضوعية للغة البشرية.
لغةً: تشتق من «اللسان» وهو أداة النطق والكلام.
أما اصطلاحًا: فهي العلم الذي يبحث في بنية اللغة، وأصواتها، وتراكيبها، ودلالاتها، بهدف الكشف عن القوانين العامة التي تحكم الظاهرة اللغوية.
أما مجالات علم اللسانيات فتنقسم إلى مستويات تراتبية؛ تبدأ من «علم الأصوات» الذي يدرس مخارج الحروف، مرورًا بـ «علم الصرف» و«علم النحو» الذي يضبط العلاقات التركيبية داخل الجملة، وصولًا إلى «علم الدلالة» و«علم البلاغة» والسياق. وتتلاقى هذه الفروع لتقدم إجابة شاملة عن كيفية بناء الإنسان للمجهود اللغوي.
إلى أي مدى تكون النظرية اللغوية علمية بالمعنى البوبيري؟ حسنًا، أول شيء يمكن قوله هو أن علم اللغة يصعب الكتابة عنه تحديدًا لأنه يبدو في الظاهر سهلًا. عندما يتعلق الأمر بالنسبية العامة، فإننا نقبل وجود مبادئ معقدة لا نلاحظها مباشرة. ولكن من الصعب علينا قبول أن الشيء نفسه ينطبق على اللغة، فنحن نمارسها ونلاحظها مباشرة كل يوم؛ فالجسيمات الأولية للغة طوع بناننا: الكلمات، الأصوات، والجمل.
البنية التوليدية والذكاء اللغوي المكتسب
لذا، تتطلب منك اللغة أن تنظر إلى أبعد مما تظن أنك تعرفه، وتبدأ النظر بدلًا من ذلك إلى ما لا تعرفه. هذه المعرفة الضمنية كانت موضوع الدراسة في اللسانيات منذ الخمسينيات. في ذلك الوقت، أحدث تشومسكي ثورة في الحقل عندما لاحظ أن القواعد هي نظام توليدي. أي أن اللغة ليست مجرد مجموعة كبيرة من الكلمات والجمل التي يقولها الناس؛ بل هي نظام عقلي من القواعد لتوليد جمل مقبولة بلا حدود.
لدينا القدرة على إنشاء جمل لم نسمعها من قبل، وتتوافق مع معايير لم نتعلمها بشكل صريح أبدًا. فمن خلال التعرض المحدود والناقص للغة أثناء الطفولة، نكتسب بطريقة ما نظامًا غير محدود من القواعد النحوية.
إن محاولة التحديد الدقيق لتلك القواعد تعتمد على ممارسة حدسية: عدم جمع أمثلة عما يقوله الناس فعلًا، بل صياغة جمل دقيقة لا يمكن لأحد أن يقولها لأنها تنتهك نسق اللغة. على سبيل المثال، تنتهك هذه الجملة بوضوح بعض المبادئ التركيبية:
(1) ماذا تعتقد ماري أن الشائعات تقول إن بيل كان يأكل؟
تتمثل مهمة اللغوي في صياغة المبدأ الذي ينتهكه هذا التركيب بمقارنته مع الجمل المقبولة. هل المشكلة أن الجملة ليس لها معنى؟ حسنًا، هذا يصعب الدفاع عنه في ضوء حقيقة أن هذه الجملة المقابلة لها معنى واضح:
(2) صدقت ماري الشائعات بأن بيل كان يأكل المعكرونة.
إذا اختفت كلمة «المعكرونة» بسبب ضجيج مفاجئ عندما كان شخص ما يقول الجملة فليس هناك سبب منطقي يمنعنا من الاستفسار بطرح السؤال في المثال.
قد تكون المشكلة هي أن أداة الاستفهام «ماذا» في المثال تشير إلى مفعول به (الأكل) يبدو بعيدًا جدًا في الطرف الآخر من الجملة؟ لا، لأنه في المثال التالي، تكون المسافة بين أداة الاستفهام والفعل بعيدة أيضًا ولكن الجملة سليمة:
(3) ماذا قالت ماري إن جون اعتقد أن بيل كان يأكل؟
كل هذا يشير إلى أن المبدأ النحوي لا يشير إلى شيء يمكننا ملاحظته مباشرة مثل ترتيب الكلمات والمسافة الفيزيائية بينها، بل إلى مستوى ثانٍ من التحليل المستنتج: وهو تجميع الكلمات في هيكل شجري هرمي داخل العقل.
الأسلوب الجاليلي والتجريد العلمي في اللسانيات
إن تحديد طبيعة تلك الهياكل كان مشروع علم اللغة لعقود. اللغوي يمثل فرضية حول بنية الكلمات، وصياغة قاعدة تشير إلى تلك البنية التي تنتهكها الجملة غير المقبولة، ثم يختبر الفرضيات عبر توليد المزيد من الجمل السليمة والركيكة.
هذه طريقة حدسية للتفكير في اللغة التي هي في النهاية شيء نعرف بالفطرة كيف نستخدمه. لكنه يظل علمًا؛ محاولة لاكتشاف طبيعة الشيء بصياغة الفرضيات واختبارها ضد الأدلة.
الجملة هي دليل على أن الفرضية القائمة على المسافة السطحية غير صحيحة. والدليل هنا ليس لغة منطوقة «خارجًا» في العالم الفعلي، بل هو مجموعة مثالية من الجمل المصاغة بوعي.
إن الأمثلة المصنوعة عمدًا ليست شيئًا غريبًا في العلوم؛ فالأسطح عديمة الاحتكاك، والغازات المثالية هي تجريدات مفيدة بشكل هائل لتبسيط واقع «الأشياء في العالم» الفوضوي. ومع ذلك، فمن غير المعتاد أن يعتمد علمٌ ما بقدر ما يعتمده علم اللغة على الانتهاكات المقصودة والأمثلة النحوية الخاطئة.
ما الذي يدرسه علم اللغويات؟
من هذا المنظور، فإن هدف الدراسة في اللغويات ليس الكلمات أو السلوك التواصلي البشري المرئي والمسموع، بل هو نظام أساسي مجرد يقدم تنبؤات حول الأحكام البديهية للمتحدثين.
وفي صياغة تشومسكي، نحن لا نكتفي بعدّ مجموعة من القواعد المجردة التي تفسر الظواهر، بل نبحث عن سبب كونها على هذه الطبيعة. وفي أواخر السبعينيات، بدأ تشومسكي يشير إلى طريقة التحري هذه باسم «الأسلوب الجاليلي» (Galilean style).
لكي يتمكن غاليليو من الوصول إلى القوانين الرياضية، كان عليه التخلص من تأثيرات العالم الحقيقي التي تشوش على الملاحظات؛ فقوانين سقوط الأجسام اعتبرت بمعزل عن مقاومة الهواء أو الاحتكاك.
مقاومة الهواء حقيقة واقعة، لكن النظرة العلمية المجردة لحركة الأجسام هي «الحقيقة الأعمق». وكما وصفها الفيزيائي ستيفن واينبرغ عام 1976، فإن هذه «نماذج رياضية مجردة للكون، يعطيها الفيزيائيون درجة أعلى من الواقعية مما يمنحونه لعالم الأحاسيس العادي».
من هو مؤسس علم اللغويات؟ وما حدود نظريته؟
تاريخيًا، مؤسس علم اللغويات بمفهومه البنيوي الحديث، هو العالم السويسري فرديناند دي سوسير الذي وضع ركائز التفريق بين «اللغة» كنسق و«الكلام» كممارسة يومية. أما في العصر الحديث، فقد أعاد نعوم تشومسكي صياغة هذا الحقل تمامًا عبر مدرسته التوليدية.
كانت رؤية تشومسكي الجاليلية هي أن أحكامنا البديهية حول اللغة تنبع من ملكة لغوية فطرية، وهي «القواعد العالمية» المستندة إلى العتاد البيولوجي البشري. مشروعه هو تحديد الطبيعة الأساسية لهذه القواعد؛ أي طبيعة القدرة البشرية على اللغة وليس مجرد رصد اللغات الوصفية.
التمييز هنا دقيق؛ فكثير من اللغويين يستخدمون الأدلة نفسها (أحكام القبول البديهية للناطقين الأصليين) والأساليب نفسها، ولكنهم يريدون ببساطة اكتشاف قواعد لغات معينة، أو دراسة كيفية معالجة اللغات المختلفة للمقارنة بين الظواهر. وينظر كثير من اللغويين إلى استخدام اللغة في العالم الحقيقي، ويريدون الإجابة عن أسئلة اجتماعية ونفسية، دون الالتزام بما إذا كانت هذه الأوصاف جزءًا من قواعد عالمية فطرية أم لا.
ومع ذلك، وفقًا لأنصار تشومسكي، هناك التزام دائم بهذه الفكرة. القواعد العالمية ليست فرضية خاضعة للاختبار، بل فرضية تأسيسية. ويختلف العلماء حول مصدر هذه القيود؛ فقد تأتي القواسم المشتركة بين اللغات من المجالات المعرفية الأكثر عمومية، مثل قدرات الذاكرة ومعالجة المعلومات، أو من الثقافة.
لا يعتقد تشومسكي ذلك؛ ففي كتابه «عمارة اللغة» (2000)، قال: «هناك خصائص لملكة اللغة لا توجد في مكان آخر، ليس فقط في العقل البشري، بل في الكائنات الحية الأخرى بقدر ما نعلم».
تعطي عبارة «قواعد عالمية» (Universal Grammar) الانطباع بأنها قائمة بالميزات المشتركة بين جميع اللغات، مثل «جميع اللغات لها أسماء وأفعال». ولكن هناك ميزات قليلة جدًا مشتركة بين جميع اللغات المعروفة، وربما لا شيء على الإطلاق. كلمة «عالمي» مضللة هنا؛ فهي لا تعني «موجود في كل اللغات» بالضرورة، بل تعني «موجود كاستعداد فطري في جميع البشر».
برنامج الحد الأدنى والنزوع نحو التجريد
يبدو كل هذا يدور في حلقة مفرغة: القواعد خاصية للغة، لكن القواعد العالمية ميزة للإنسان، والبشر قادرون على تعلم لغاتهم لأن لديهم قواعد عالمية! إذن ما الدليل؟
يبدو أن حدس اللغة الأصلية حول نطاق واسع من اللغات البشرية هو أفضل مكان للبدء. ومع ذلك، كلما زادت اللغات التي حاولت النظرية التشومسكية دمجها في جوهرها التجريدي؛ تعقدت الأمور.
تم إنتاج مجموعة كبيرة من الأعمال النظرية، ولكن من أجل تحقيق هذا الإنجاز، ازدادت النظرية تعقيدًا من الناحية التقنية، مع مزيد من المستويات والشروط والاستثناءات. كانت الأجندة برمتها بعيدة كل البعد عن النموذج الجليلي للبساطة التفسيرية، وكان من غير المحتمل أن يكون هذا التعقيد قد تطور بيولوجيًا في الدماغ البشري.
في التسعينيات، قدم تشومسكي «برنامج الحد الأدنى» (Minimalist Program)؛ ولم يقدمه كنظرية جاهزة، بل كمخطط يعطي الأولوية للبساطة والأناقة والبخل التفسيري، مسترشدًا بالفكرة الجاليلية بأن أعمق قوانين الطبيعة يجب أن تكون أبسطها.
قد تظن أنه سيكون من السهل شرح هذا التفسير البسيط للجمهور، ولكن لسوء الحظ ليس الأمر كذلك؛ فالدافع نحو البساطة هنا هو في الواقع محرك نحو التجريد الشديد، والابتعاد عن الملاحظات المباشرة إلى درجة تتحدى النماذج الملموسة أو الاستعارات أو حتى الصيغ الرياضية.
ما الذي نقيسه الآن؟ وما الذي نلاحظه؟ هل هذا علم أم فلسفة؟ وهل يهم ذلك فعلًا؟ ما لدينا هو حقل ذو فكرة مثيرة في قلبه -أن هناك سمة عالمية فطرية للغة البشرية- لكن جزءًا كبيرًا منه غير قابل للتقييم التجريبي المباشر.
أصبح علم اللغويات التشومسكي مثل الفيزياء النظرية، مع القواعد العالمية كـ «نظرية كل شيء» المراوغة. يؤكد العالم اللغوي سيدريك بويكس أن البساطة هنا ليست نظرية بل برنامج عمل، وبالتالي فهي ليست صحيحة ولا خاطئة، بل «إما أن تكون مثمرة أو عقيمة».
تجربة «بيراها» والعودة إلى أرض الواقع
من هذا المنطلق، يبرز تميز علم اللغويات التطبيقية؛ وهو الفرع الذي يأخذ هذه النظريات المجردة ليوظفها في حل مشكلات الواقع الملموس، مثل تعليم اللغات الأجنبية، والتخطيط اللغوي، والترجمة الآلية.
وتتعدد مجالات علم اللغة التطبيقي لتشمل اللغويات الحاسوبية، وعلم اللغة النفسي، وتحليل الخطاب، وهي المجالات التي تحول الفلسفة اللغوية إلى أدوات عملية يستفيد منها المجتمع البشري.
وعلى النقيض من التعمق في التجريد، فإن التحليلات الأخرى تعيدنا إلى فكرة الانتظامات الناشئة عن العادات الثقافية والاجتماعية. ولم يعد لكثيرين رفاهية الجدال دون النظر إلى الوقائع؛ فكل مدرسة لها حقائقها المثيرة للاهتمام.
إن قبيلة «بيراها» أنفسهم لا ينشغلون بهذه الجدليات التجريدية؛ ففي ثقافتهم -كما يصفها إيفريت في مذكراته «لا تنم، هناك ثعابين» (2008)- ليس لديهم شغف للحقيقة كواقع متسامٍ، بل يعيشون وفقًا لـ «مبدأ فظاعة التجربة الفورية».
ولم يكن هدف إيفريت في البداية هو تفنيد نظرية تشومسكي، بل إظهار أن التزام القبيلة الثقافي بالتجربة الفورية والملموسة قد تغلغل في بنية لغتهم: فلم يكن غياب تضمين الجمل (العودية) سوى نتيجة لتركيزهم على «هنا والآن». ومن بين الأدلة الأخرى: بساطة نظام القرابة، ونقص الأعداد، وغياب الأساطير الخيالية.
كان للانغماس في هذه الثقافة تأثير شخصي عميق على إيفريت؛ إذ جعله يعيد التفكير في كثير من قناعاته الفكرية والدينية. إن تخليه عن القواعد العالمية شمل خيبة أمل مماثلة، بعد أن عمل ضمن إطارها لأول 25 سنة من حياته المهنية.
ومع ذلك، فإن دراسة إيفريت لا تفند القواعد العامة بشكل حاسم، لأن النظرية في الأصل لم تصمم لتكون قابلة للتفنيد بسهولة، بل هي طريقة للتعامل مع الواقع عبر تقديم مجموعة من الافتراضات لتوليد خط من البحث قد يؤدي في النهاية إلى الحقيقة.
اللغويات في اللغة العربية وازدهار البحث التجريبي
وعند إسقاط هذه النظريات العالمية على اللغات الحية -ومنها اللغة العربية- نجد أن اللغويات تمثل أرضًا خصبة لاختبار تلك الفرضيات في اللغة العربية؛ نظرًا لما تتمتع به العربية من نظام اشتقاقي فريد وبنية إعرابية مرنة.
يتيح علم اللغويات العربية للباحثين دراسة ظواهر مثل الرتبة النحوية، والحذف، والتقدير، ومقارنتها باللغات الهندو-أوروبية لمعرفة مدى دقة «القواعد العالمية» وتشابه العقل البشري في إنتاج الدلالة.
في النهاية، يمكنك بالتأكيد رفض افتراضات قواعد اللغة العالمية وما زلت تستدعي نفسك لغويًّا؛ بل إن الدافع وراء فضح افتراضات تشومسكي وتفنيدها قد أدى إلى ازدهار العمل التجريبي في هذا المجال.
توفر نظرية القواعد العامة إطارًا ملهمًا للاكتشاف، ومكانًا يوجه إليه الباحثون عدساتهم المكبرة أو كراتهم الهادمة. قد تبسط القصص الإنسانية الحقائق أو تبالغ فيها، والقواعد العالمية ليست استثناءً؛ ولكن سواء أكانت ميثولوجيا ملهِمة للبناء النظامي أم محفزًا للصراع العلمي، فإنها بلا شك تساعدنا في التوصل إلى فهم أعمق لآلة الفكر البشري: اللغة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.