عدَّ أفلاطون (428- 347 قبل الميلاد) في كتابه «تيماوس» أن العالم والسماء محدودان، فهو يرى أنهما -في نهاية المطاف- محصوران في كرة تحيط بالعالم، ولا يوجد خارجها أي شيء.
ولم يبحث عن الانسجام أو التناظر الأعظم؛ لأن الكرة تمثل في الواقع الشكل الأمثل، فمظهرها لا يتغير مهما كانت الزاوية التي تنظر إليها منها، ولذلك فمن «الطبيعي» أن تتناسب الكرة مع تصميم الكون، وتظهر الكمال والاستقرار.
اقرأ أيضاً اللغة عند أرسطو
ما هي اللانهائية بالنسبة للعالم أرسطو؟
وكان أرسطو (322- 384) قبل الميلاد هو الذي أثار مسألة اللانهاية في المصطلحات الحديثة، وهو يميز بين اللانهاية «النشيطة» (قيد الفعل) واللانهاية «الكامنة» (ممثل السلطة).
اللانهاية «الفعالة» هي ما يمكن تحقيقه في الطبيعة، أما اللانهاية «الكامنة» فهي مجرد نسيج من الخيال ضروري للفكر عندما يتعلق الأمر بحل مشكلات معينة، لكن لا يوجد واقع مادي يعبر عنه هذا المفهوم.
وقد رفض أرسطو في كتابه «الفيزياء» وجود اللانهاية النشطة؛ لأنه عدَّ أن اللانهاية هي ما لا يمكن الإحاطة به، وبذلك لا يوجد إلا في صورته الكامنة، وعلى وجه الخصوص، الفضاء محدود ولا يوجد شيء خارج الكرة السماوية.
اقرأ أيضاً أنت تسأل وأرسطو يجيب.. هل أنت شخص جيد حقًا؟
اللانهائية في الرياضيات
ومع ذلك، يعترف أرسطو بضرورة اللانهاية في الرياضيات، وقد نضطر إلى اللجوء إليها في البراهين، وهكذا نلاحظ وجود 3 وسائل لجعل الكمية النوعية غير نهائية (اللانهاية الكامنة).
يمكن أن تكون هذه كمية لا حصر لها بفضل التركيبة، والمثال النموذجي هو الأرقام التي يؤدي جمعها أو ضربها إلى إنتاج أرقام أكبر بلا حدود، وقد استغلوا هذه الفكرة، بعد ألفي عام، لتكون بمنزلة نقطة انطلاق لخلق انعدام النهائيات الأصلية (6 كاردينالز)، أي منطق النظرية الرياضية للانهايات.
ويمكن أيضًا أن تكون كمية غير نهائية بالقسمة، ومثال ذلك المادة؛ لأننا نستطيع تقسيمها إلى ما لا نهاية على افتراض أنها متصلة ببعضها، ولا تحتوي على عناصر قابلة للانقسام، وهذا مخالف للنظرة الذرية، ومن ذلك ولدت نظرية عدم النهاية 7 والتي دونها لم تكن الفيزياء الحديثة لترى النور.
وأخيرًا، يمكن إنشاء كمية غير نهائية عن طريق التركيب والقسمة في المرة الواحدة.. إنها حالة الزمن، أي حركة الأفلاك السماوية التي لا تعرف نهاية ولا بداية.
اقرأ أيضاً أهم نظريات أرسطو في الحياة
علم الكونيات عند أرسطو
وهكذا نرى أن علم الكونيات عند أرسطو يجيب عن الأسئلة المتعلقة بالكبير غير المتناهي والصغير غير المتناهي، وأما غير المتناهي في الحجم فلا بد من استبعاده؛ لأن العالم متناهٍ ولا يمكن أن يوجد شيء خارج هذا العالم، وهذا يتناقض مع الصغر غير المتناهي الذي نقبله، لكن التقسيم غير المتناهي للمادة هو تقسيم كامن وليس فاعلًا.
واجه أرسطو بعض الانتقادات في ما يتعلق بآرائه بشأن غير النهائي، مثل أرخميدس، حاول عالم الرياضيات الشهير، الذي مات وهو يدافع عن مدينته سيراكيوز عندما حاصرها الرومان، اعتبار اللانهاية الهندسية «نشطة» وليست «كامنة»، ويرى تجسده في «عدد حبات الرمل المنتشرة على وجه الأرض».
وفي كتابه «أرناريوس» طور أرخميدس أساليب رياضية جديدة تتيح له التعبير عن أكبر عدد ممكن باستخدام الرموز المتاحة له، وقد حقق هذا الرقم.. لقد «أثبت» أنه أكبر من عدد «حصوات الرمل اللازمة لملء مجال النجوم الثابتة» (وهو ما يتطلبه فقط، حسب تأكيده الحسابي).
وعلى الرغم من ذلك، ظل علم الكون والفيزياء عند أرسطو متداولًا حتى أوائل القرن السابع عشر الميلادي، ووصل إلى ذروته في يد عالم الفلك السكندري كلوديوس بطليموس نحو عام 150 ميلاديًّا.
ولكي تكون الملاحظات متسقة مع مجالات أرسطو، استبدل بطليموس بهذا النظام (باستثناء الكرة الأخيرة المرتبطة بالثوابت) مجموعة من الدوائر الإضافية، وهذا يتضمن تكوين حركات هذه الدوائر -تسمى «أفلاك التدوير8» و«المعادلات9»- وهي البنية التي تعبر عن الحركات الجارية للكواكب المعقدة (المباشرة وغير المباشرة).
لكن هذا اللجوء إلى الهندسة يرفض فيزياء السماء التي طالب بها أرسطو.. إن القوانين الفيزيائية الموجودة على الأرض لا وجود لها في السماء، فالسماوات مقدسة وتخضع لمبادئ ثابتة، في حين العالم تحت القمر يخضع لقوانين صارمة تحكم التوالد (التكاثر) والدمار.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.