شهد التاريخ الفيكتوري للعلوم ثورة حقيقية في فهمنا للحواس، وتحديدًا في تاريخ تحويل الصوت إلى محتوى مرئي عبر التجارب العلمية. من بين جميع الحواس التي جرى تطويرها خلال القرن التاسع عشر، كانت حاسة السمع هي التي شهدت التحول الأكثر درامية، فقد تقدَّم علم الصوتيات بسرعة كبيرة. يتعمَّق لوكاس طومسون في نوع معيَّن من الكتب التمهيدية الشعبية في علم الصوتيات، أو ما يُعرف بـ(كتب العلوم الشعبية)، الموجَّهة للأطفال والهواة على حدٍّ سواء التي تكشف عن الطموحات التربوية واللعبية والروحية للمجتمع الفيكتوري.
أشكال كلادني: كيف أصبح الصوت مرئيًا؟
في عام 1777، صمَّم الفيزيائي الألماني إرنست كلادني -الذي سيُلقَّب لاحقًا بـ«أبو علم الصوتيات»- تجربة أحدثت ثورة في فهمنا للصوت، وأجابت عن تساؤل: كيف أثرت تجربة كلادني على فهم الصوت؟
بعد أن وضع حبيبات من الرمل على صفيحة معدنية رقيقة، ثم مرَّر قوس كمان على أحد أطرافها، شاهد كلادني الرمل وهو يرقص ويتحرَّك مكوِّنًا أشكالًا مدهشة كلها متناظرة تمامًا، لكنها تتغير تبعًا لطريقة استخدام القوس. في جمالها وتعقيدها، بدت هذه الأشكال (التي سمَّاها العالم بذكاء «أشكال كلادني») كما لو أنها مرتَّبة بيدين غير مرئيتين. في تجربة صغيرة وأنيقة، أصبح الصوت مرئيًا.

كيف غيَّرت أشكال كلادني فهم العلماء للصوت؟
وهنا ظهر الدليل القاطع أخيرًا على أن الصوت لا يُنتَج عبر توليد جسيمات صغيرة في الهواء -كما أصرَّ منظِّرو القرنين السابع عشر والثامن عشر- بل هو نتيجة اهتزازات موجية ما رسخ مفهوم الصوت والموجات.
بينما كانت الادعاءات المبكرة حول الطبيعة الموجية للصوت (التي تعود فعليًا إلى كتاب الفيزياء لأرسطو) قد قوبلت بتجاهل كبير، قدَّمت تجربة كلادني دليلًا لا يمكن إنكاره على أن الصوت ناتج عن موجات يمكنها الحركة عبر الهواء والمادة معًا وهو ما يوضح الصوت كظاهرة موجية.
وأظهرت براعة كلادني كذلك أن الصوت يمكن ملاحظته بطرق جديدة، وأنه لن يبقى حبيس الأثير اللامرئي. إضافة إلى ذلك، كانت التجربة سهلة التكرار لأي شخص يمتلك صفيحة نحاسية وقوس كمان وبعض الرمل، وهو ما مهد لانتشار التجارب الصوتية الفيكتورية.
وقد أُعيد تنفيذ هذه التجربة على نطاق واسع لدرجة أنه في عام 1901، استطاعت آني بيسانت وتشارلز ليدبيتر، في دراستهما الثيوصوفية الغريبة «صور الفكر» التي تدمج العلاقة بين العلم والروحانية في القرن التاسع عشر، أن يكتبا بأن أشكال كلادني «أصبحت مألوفة لكل طالب في علم الصوتيات»، وأنها «تُعاد باستمرار في كل مختبر فيزيائي».
كتب العلوم الشعبية والتعليم الفيكتوري
كان الطلاب الذين قصداهم بيسانت وليدبيتر يتلقَّون تعليمهم بواسطة مجموعة واسعة من الكتيبات والكتب المدرسية والمقدِّمات العلمية الشعبية كتب علمية شعبية التي قرأها كثيرون عبر القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من كونها غير معروفة اليوم، كانت تلك النصوص جزءًا من موجة مهمة في تبسيط العلوم في القرن التاسع عشر وتبسيط العلوم في العصر الفيكتوري، فقد رأى مؤلفوها -حسب المؤرخ برنارد لايتمان- أنفسهم على أنهم «يقدِّمون الترفيه والتعليم لقرَّائهم» في آن واحد.
دور التجارب المنزلية في تبسيط علم الصوتيات في القرن التاسع عشر
كُتبت هذه الكتب لجمهور متنامٍ من الطبقة الوسطى، وقدَّمت أوصافًا مفصَّلة لتجارب علمية رائدة مثل التجارب العلمية الفيكتورية، مشجِّعة القرَّاء على تخيُّل بيوتهم كمختبرات للاكتشاف العلمي واللعب التجريبي ما عزز دور الهواة في العلوم.
وأعلنت تلك الكتب أن التعلم الحقيقي والمتعة الغنية يمكن أن يوجدا داخل المنزل، وأن أي قارئ يملك الصبر والفضول وبعض الأدوات الأساسية أو أدوات العلم المنزلية يمكنه أن يتابع أحدث الاكتشافات العلمية.

إدخال الأطفال إلى العلوم: اللعب والجمال
وفي الواقع، حتى الأطفال كانوا قادرين على ذلك، إذ عُرضت التجارب في هذه الكتب بطريقة ديمقراطية موجَّهة لعموم أفراد الأسرة ضمن منهج تجارب علمية للأطفال. وعلى الرغم من أن محتواها شمل عددًا من التخصصات العلمية -بما في ذلك الكيمياء والبصريات والفيزياء والمغناطيسية والفلك- فإن تقديمها لفرع علم الصوتيات الناشئ يبدو لافتًا على نحو خاص؛ لأنه يكشف جوانب متعددة من ثقافة القرن التاسع عشر.
فقد عبَّرت هذه الكتب عن شغف واسع لدى الهواة بالعلم، وكشفت عن رغبة في إدخال الأطفال إلى العلوم وعلم الصوت للأطفال حتى الصغار جدًا إلى عالم الاكتشاف الفكري والمتعة. وبذلك، وضعت نموذجًا جديدًا للتعلم -قائمًا على اللعب والجمال واللذة- يسبق عددًا من المناهج التعليمية اللاحقة. ثم إنها قدَّمت رؤية للعلم أصبحت منسية إلى حد كبير اليوم.
فبينما يُنظر للعلم في عصرنا بوصفه معرفة قائمة على التجرد والموضوعية، كانت المعرفة والجمال في تلك الكتب متداخليْن وهو ما يُعرف بـ الجماليات العلمية وعلاقة الجماليات بالعلم في التجارب الصوتية.
وأخيرًا -وربما على نحو غير متوقع- دفعت هذه الكتب قرَّاءها للتأمل في أسئلة روحانية ومتجاوزة للمادة الصوت بين العلم والفلسفة، فقد قدَّمت علم الصوتيات طريقًا جديدًا للعبور إلى ما وراء العالم المادي، ما يوضح كيف دمج الفيكتوريون بين العلم والروحانية بالصوت؟
لماذا اعتبر القرن التاسع عشر «عصر الإصغاء»؟
أثرت هذه التجارب الصوتية أيضًا في عادات استماع جديدة ونظريات جديدة عن الصوت أخذت تتكوَّن عبر القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي وصفه الناقد جون بيكر مؤسس تاريخ الاستماع بأنه «عصر الإصغاء»، نسبة إلى مصطلح الطبيب رينيه لاينك مخترع السماعة الطبية الذي أشار به إلى «الإنصات الدقيق لعالم واسع ومتحوِّل».
تأثير الفونوغراف والهاتف على ثقافة الاستماع
وقد شهد هذا القرن أيضًا ولادة تقنيات تضخيم الصوت ونقله وتسجيله، مثل آلة البيانو ذات العزف الذاتي، الفونوغراف، الهاتف، والراديو، ما أسهم في تطور تقنيات السمع في العصر الفيكتوري. ومن بين جميع الحواس التي اعتنى الفيكتوريون بتنميتها، كانت حاسة السمع التي شهدت التحول الأكبر، فقد عاش الفيكتوريون -حسب جوناثان ستيرن- ما أسماه «أنسنة الصوت»: تنويرًا صوتيًا.

تطور حاسة السمع في الفكر الفيكتوري
وكان جزء من هذا التحول يتمثَّل في فهم جديد لحساسية الأطفال للصوت، أو تأثير التعليم الفيكتوري في فهم الأطفال للصوت. ففي مقالته عام 1878 بعنوان «لعب الأطفال»، جادل روبرت لويس ستيفنسون بأن سمع الأطفال أكثر تطورًا من بقية حواسهم. فهو يرى أن الأطفال «لا يملكون قدرة كبيرة على النظر» لأنهم «لا يستخدمون أعينهم للاستمتاع بها، بل لأغراض أخرى يبتغونها»، وأن «حاسة اللمس لديهم ليست نظيفة أو دقيقة كما هي لدى الراشد». لكن سمع الأطفال -وكذلك حاسة الشم- أكثر تطورًا منها عند الكبار.
ومع ذلك، يعتقد ستيفنسون أنه يمكن تنمية قدرات الأطفال السمعية أكثر، فعلى الرغم من كل ما يبدو جديدًا ومبهجًا للأذن الطفولية، فإن «السمع قابل لتحسين هائل كأنه وسيلة للمتعة، وهناك بون شاسع بين نظرة الدهشة أمام صخب الطيور وبين التأثر الذي يشعر به الإنسان عند الاستماع إلى موسيقى واضحة التعبير». يبدو أن كتَّاب الكتب العلمية الشعبية للأطفال شاركوا ستيفنسون هذا الاعتقاد؛ فقد أرادوا هم أيضًا أن يدرِّبوا آذان الأطفال وعقولهم، ليختبروا الصوت ويفهموه بدقة وحساسية أكبر.
التجارب العلمية المنزلية: اكتشاف مرح
كانت العائلات المتوسطة في ذلك العصر غالبًا ما تقرأ بصوت مرتفع من الروايات ومجموعات الشعر والصحف والمجلات، أي إن النصوص المطبوعة كانت تُختبر سمعيًا في كثير من الأحيان، ما يشير إلى جانب آخر من عادات الاستماع الفيكتورية وثقافة الاستماع. لكن الأمسيات الطويلة في القرن التاسع عشر قبل الكهرباء أفسحت وقتًا وفيرًا لممارسات أخرى، بما في ذلك العلوم المنزلية للهواة. وقد أكَّد مؤلفو تلك الكتب أن تجاربهم يمكن لأي فرد من الأسرة القيام بها، وحتى أصغر الأطفال لم يكونوا بحاجة إلى تفويت المتعة.
وفعلًا، كانت توجد متعة كبيرة، فمن الواضح أن جزءًا من جاذبية تلك التجارب يكمن في قيمتها الترفيهية الخالصة، لأن كثيرًا ما استخدمت هذه الكتب مصطلحات مثل «تسلية علمية»، «رياضات علمية»، حتى «سحر الصالون العلمي» للتأكيد على مدى إمتاع العلم، وكيف شجَّعت الكتب الفيكتورية الأطفال على التجريب العلمي.
أمثلة على التجارب الصوتية للأطفال في القرن التاسع عشر:
- كان بإمكان طفل صغير بسهولة صنع «منحنيات صوتية» معقَّدة بمساعدة بندول صغير لفهم الموجات الصوتية.
- صنع صفَّارة صغيرة تتيح القيام بملاحظات مفيدة حول اختلاف النغمة.
- احتوت تلك الكتب أيضًا على نصائح للعثور على أنواع مختلفة من الهارمونيَّات، والأوتار المهتزة لفهم الموجات والاهتزازات.
- مراقبة الأصوات المنعكسة بواسطة لهب صغير.
- حتى تجربة صغيرة جدًّا -مثل تدوير صفَّارة مربوطة بخيط بسرعات مختلفة- كانت قادرة على تقديم معرفة قيِّمة حول الاهتزاز والتردد.
في الختام، يكشف لنا تاريخ الصوت في العصر الفيكتوري عن لحظة فارقة في تطوّر المعرفة العلمية؛ لحظة تحوّل فيها الصوت من ظاهرة عصيّة على الإدراك المباشر إلى نمط مرئي يمكن تأمله وفهمه. فمن خلال تجربة كلادني البسيطة التي حوّلت الاهتزازات إلى أشكال هندسية ساحرة، ومرورًا بانتشار الكتب العلمية الشعبية وتجارب الأطفال المنزلية، تشكّلت رؤية جديدة للعلم تقوم على الفضول والمتعة والجمال. لقد أدرك الفيكتوريون أن المعرفة لا تُكتسب فقط عبر المختبرات الجامعية، بل يمكن أن تولد في غرف الجلوس وعلى موائد العائلات، وأن الطفل الذاهب إلى اكتشاف صوت صفّارة صغيرة إنما يخطو أولى خطواته نحو فهمٍ أعمق للعالم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.