وعلى إثر حديثنا عن موضوع الرياضيات التي تتسم بأنها علم نظري محض، فإن هذا العلم ظهر عند اليونان في مطلع القرن السادس قبل الميلاد، ومع الرياضي فيثاغورس Fithagorase ومدرسته.
غير أن الإرهاصات الأولى لهذا العلم كانت نابعة من الحضارات الشرقية القديمة، وعلى أنقاض هذه الحضارات تمكَّن اليونان من بناء فكرهم وتشييد صرحهم العلمي المتين. ولمعرفة أهم ما ذُكر عن الحضارات الشرقية القديمة لا بد من الإشارة إلى الحضارة المصرية القديمة وحضارة ما بين النهرين.
اقرأ أيضاً لماذا الخوف من مادة الرياضيات؟
علم الرياضيات
إن أهم ما عُرف عن العلم في الحضارة المصرية القديمة أنه وليد الحاجة الاجتماعية، وهذا ينطبق على الرياضيات باعتبارها علمًا، فقد ارتبط علم الهندسة والحساب بظاهرة فيضان نهر النيل الذي دفع بالمصريين إلى إدراك وسائل لمسح الأراضي التي يجتاحها الفيضان.
أضف إلى ذلك تمكنهم من حساب أبعاد الأشكال مثل: «الهرم، الدائرة، المثلث». واستخدموا الكسور في العمليات الحسابية، كما تمكَّنوا من حل معادلات من الدرجة الأولى.
وفيما يخص حضارة وادي الرافدين فإنهم برعوا في الرياضيات، فقد تبين أنهم تمكَّنوا من حل معادلات من الدرجة الثالثة، واستخدموا الرياضيات في الحسابات الفلكية، والزراعة.
ورغم هذا الزخم الوافر من المعرفة الرياضية فما وصلنا من الجانب النظري عندهم قليل يفتقر إلى نظام النسق.
ومن أجل هذا حظيت الحضارة الإغريقية بصدىً أشد من سابقتيها. وتتسم الرياضيات في هذه المرحلة بظهور مفاهيم أساسية لم تكن موجودة من قبل لكنها لم تزل حاضرة إلى اليوم.
اقرأ أيضاً 5 مايو اليوم العالمي للرياضيات.. كيف نحتفل بهذا اليوم؟
أهمية علم الرياضيات
إن أهم ما فعله اليونان في هذا الصدد هو نقل الرياضيات من الممارسة الحسية إلى التفكير العقلي المحض، إذ أصبحت الرياضيات تهدف إلى بلوغ الحقيقة التي تنشدها النفس الإنسانية.
وعلى إثر هذا يقول أفلاطون Platon في جمهوريته: «ليست مهمة العلم الرياضي خدمة التجار في عملية البيع والشراء، كما يعتقد الجهال، بل تسيير طريق النفس في انتقالها من دائرة الأشياء الفانية إلى تأمل الحقيقة الثابتة الخالدة».
ومن هنا كان موضوع الرياضيات مستقلًّا عمَّا هو حسي أو عقلي محض. ويرجع فضل فيثاغورس (530 ق م) في الرياضيات إلى طريقته التي لا تزال قائمة إلى اليوم حول حساب أطوال أضلاع المثلثات، وهي أنَّ مربع الوتر في مثلث قائم يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين.
اقرأ أيضاً نظرة في مفهوم الرياضيات وموضوعها
بعض علماء الرياضيات
إذ يُعد فيثاغورس أول من برهن على ذلك وطالما اتسم بالقوة، وهو إلى ذلك يُعد أول من استخدم المسائل الهندسية من أجل معرفة أي شكل هندسي انطلاقًا من أشكال أخرى. مثال ذلك (مربع مساوٍ لمتوازي الأضلاع)، هذه المسائل التي قدمها فيثاغورس أصبحت مع مر الزمن مفتاحًا لحل المعادلات التربيعية.
أما إقليدس Eclidus فقد قدَّم أكبر وأوسع كتاب في الهندسة، وهو معروف باسم «أصول الهندسة»، الذي جمع فيه ما قدَّمه السابقون.
وأفضل ما فيه هو أنَّه نظم تلك النظريات وفق نسق محكم. ويُعد اختيار إقليدس للمسلَّمات أكثر الأمور بعثًا للدهشة؛ فقد كانت السبب في تخليد هذا الاسم في تاريخ الرياضيات.
فالإنسان البسيط يرى أن هذه المسلَّمات -ولا سيما المسلَّمة الخامسة التي كانت ذات صدى قوي- واضحة لا تحتاج إلى برهان، أما الرياضي العبقري فيحاول البرهنة عليها. لقد كانت هندسة إقليدس هندسة مستوية منسوبة إلى الواقع الذي كان يُعد آنذاك مستويًا.
اقرأ أيضاً الرياضيات.. التطبيق والتقييم والتقويم لكل العلوم 2
الحضارة العربية اللإسلامية وعلم الرياضيات
أما الحضارة العربية الإسلامية فإنها انفتحت على أمهات الكتب في هذا المجال، نذكر هنا كتاب «الأصول» للرياضي الإسكندري إقليدس، ولا نغفل أنهم تعرَّفوا على رياضيات المدرسة الفيثاغورية.
كما تعرَّف العرب والمسلمون على علم الحساب من الهنود، فكان انفتاحهم على حضارتين متباينتين اقتبسوا منهما ما أمكن.
وخلقوا وأبدعوا في الرياضيات ما جعلها تحظى بمكانة راقية في تاريخ العلوم العربية، رغم أن ما وصلنا اليوم من إنجازات العرب في هذا المجال ليس معبرًا كل التعبير عما قاموا به.
إن الرياضيات العربية عرفت تطورًا مدة 7 قرون أي من القرن (3هـ/ 9مـ) إلى القرن (9هـ/ 16مـ) عرفت في هذه المدة ظهور فرع جديد للرياضيات نبع من بيت الحكمة مع حمد بن موسى الخوارزمي في كتابه الذي يحمل موضوعًا وأسلوبًا جديدين، إنه الجبر، فقد سمَّى هذا الكتاب باسم «الجبر والمقابلة»، وهدف الخوارزمي في هذا الكتاب هو إيجاد حلول للمعادلات انطلاقًا من الجذور أو الأعداد الصماء كما تُعرف عند العرب، وهذه العملية تُستخدم في الحساب مثلما تُستخدم في الهندسة، وهذه الطريقة اقتصرت على المعادلات من الدرجة الأولى والثانية واستخدمت كذلك في ميادين شتى من تجارة ومسح الأراضي.
وعليه فلم ينحُ العرب والمسلمون المنحى نفسه الذي اتخذه اليونان حول موضوع الكائنات الرياضية، فقد ربطوها بالذهن وعدُّوها ناتجة عن التجريد العقلي، ثم إن لهم الفضل في اكتشاف الصفر وإدراجه ضمن الأعداد التي تُعتمد اليوم في كل الحسابات، ما سهَّل حل كثير من المعادلات.
علوم الرياضيات وانتقالها غلى الغرب
ومع تسارع الوعي النهضوي والمعرفي، انتقل الزاد العربي الإسلامي إلى أوروبا في سيل جارف وضَّح كثيرًا من المسائل كان لا بد للعقل الغربي أن يأخذ بها، وبعد استيعابها والعمل بها كان من الضروري تبسيطها، فنقلوا الرياضيات من اللغة الطبيعية إلى اللغة الرمزية، فأصبحت أكثر تجريدًا.
كان هذا مع فرانسوا فييت F.VIET ففتح بذلك المجال للإبداع الحسابي، غير أن الرياضيات هي جبر وهندسة، فكيف تُوطَّد العلاقة بين هذين الفرعين؟
هذا التساؤل الذي طُرح أجاب عنه الفيلسوف الرياضي الفرنسي رينيه ديكارت عن طريق توصله إلى الهندسة التحليلية، وبذلك تدنَّت مكانة الهندسة وأصبح الخط المستقيم أساسًا لكل الأشكال الهندسية، فكما يُردُّ الجبر إلى عدة حسابات عددية، فإن الهندسة تعود إلى مجموعة من المستقيمات، وهذه العملية راجعة إلى التحليل. إن ما فعله ديكارت هو إرجاع الهندسة إلى الجبر.
وهكذا بدأت الرياضيات تتقدم، خاصة مع توسع مجال استخدام الدوال وظهور ما يسمى بـ «حساب التفاضل والتكامل» مع الرياضي الألماني ليبنيتز، الذي يعبِّر عنهما بالدالة الأصلية التي يكون فيها المجهول دالة، أما التكامل فهو إمكانية حساب الحيز الواقع تحت منحنى الدالة.
إن التطورات التي عرفتها الرياضيات في هذه المرحلة أثَّرت في مختلف فروع العلم دون النظر والعودة للبحث في أساس بنائها، فكانت مشتتة رغم اتصافها باليقين.
هذا اليقين الذي امتد طويلًا في تاريخ الرياضيات ما لبث أن اهتزَّ في المرحلة المعاصرة، بعد ما ظهر ما يُعرف بالهندسات اللاإقليدية Géométries non Euclidien فهي لا تقوم على حدس مكاني موحد.
وانطلقت هذه الهندسات من محاولة إثبات استقلالية المُسلَّمة الخامسة لإقليدس عن نسقه، تم هذا مع الرياضي الروسي لوباتشفسكي Lopatcheweski، الذي عدَّ السطح شبه كروي أي مقعرًا، وبهذا أسقط المسلمة القائلة: إن الخطين المتوازيين لا يلتقيان. فمن هذا التصور يتضح لنا وجود أكثر من موازٍ.
أما الرياضي الألماني ريمان Rimman فقد عدَّ أن السطح كروي، ومنه فإن الخطين المتوازيين يلتقيان عند نقطتين. وتمت هذه العملية أي استخلاص أنساق جديدة عن طريق الانطلاق من مسلَّمة مخالفة للمسلَّمة الخامسة لإقليدس، ومن هنا عرفت الهندسة منحىً جديدًا.
فلم تعد تبحث في مدى مطابقتها للواقع الخارجي، وإنما تعددت الهندسات بتعدد الفروض وأصبح المنهج الرياضي منهجًا فرضيًّا خلافًا للمنهج الواحد أو المنهج اليقيني.
هذه النقلة التي عرفها منهج الرياضيات كانت ضرورية؛ نظرًا للتداعيات التي عرفتها العلوم المختلفة، واتساع منظور الإنسان ومحاولة الربط بين الفيزياء الكونية والهندسة الفضائية، فأصبحت الفرضية هي التي تحدِّد المكان، وليس المكان هو الذي يحدِّد الفروض والمسلمات.
المراجع
-
جورج سارتن، تاريخ العلم، ترجمة: لفيف من العلماء، الجزء 01، دار المعارف، القاهرة، ص- ص231-261،257.
-
جورج سارتن، تاريخ العلم، ترجمة: لفيف من العلماء، الجزء 03، ص،ص 87 ،88.
-
رشدي راشد، دراسات في تاريخ العلوم العربية وفلسفتها، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ط1، 1991، ص-ص257-261.
-
مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، المجلد 27، العدد 1، 2005، ص، ص 143، 144.
-
محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ص 57.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.