الحياة من منظور البيولوجيا ربما تقاس ببعض الصفات التي يمكننا ملاحظتها في عالم المادة، مثل: الإحساس والاستجابة للمؤثرات الخارجية، أو مدى قدرتها على تكرار نفسها بواسطة التكاثر، أو قدرتها على تطوير نفسها من نظام بسيط إلى معقد؛ لكن من منظور ميكانيكا الكم تختلف النظرة؛ بسبب تلك النظرة العجيبة التي تُضفي سحرًا مُدهشًا على تفسير الحياة لا يسعنا هنا سوى أن نتذكر كلمات عراب ميكانيكا الكم (نيلز بور): "إذا قرأت ميكانيكا الكم ولم تشعر بشيء من الغرابة فأنت حتمًا لم تفهمها..".
الفرق بين ميكانيكا الكم والميكانيكا الكلاسيكية
الميكانيكا الكلاسيكية تختلف في نظرتها للحياة فتبحث في أمر الأجسام المرئية التي يمكننا مشاهدتها وملاحظتها بالعين المجردة، من خلال الميكانيكا الكلاسيكية يمكننا قياس حركات وإحصاءات الأجسام المرئية في الطبيعة. وتنقسم ميكانيكا الكم إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهي: ميكانيكا نيوتن، وميكانيكا لاغرنغ، وميكانيكا هاملتونيان. وتعتمد هذه الأنواع الثلاثة على الأساليب والكميات الرياضية لدراسة الحركة، فمثلًا ميكانيكا نيوتن تهتم بدراسة متجهات مثل الإزاحة، والسرعة، والتسارع الخاصة بالأجسام التي يمكننا ملاحظتها بوضوح في الطبيعة، بينما ميكانيكا لاغرنغ تهتم بدراسة الطاقة ومعدل تغيرها. من خلالهما يتم تحديد الطريقة المناسبة اعتمادًا على المشكلة المراد حلها، يتم تطبيق الميكانيكا الكلاسيكية في دراسة حركة الكواكب، والمقذوفات، ومعظم الأحداث اليومية في الطبيعة، في الميكانيكا الكلاسيكية يتم التعامل مع الطاقة على أنها كمية مستمرة ويمكن للنظام أن يأخذ منها أي قدر يريده لإتمام مهمته في الطبيعة.
ميكانيكا الكم تختلف في نظرتها لتفسير الطبيعة ونظرتها للأجسام فمهمة ميكانيكا الكم هي دراسة الأجسام المجهرية التي لا يمكننا ملاحظتها في الطبيعة ومصطلح الكم يأتي من حقيقة أن الطاقة في الأساس هي نظام مجهري يمكن تحديده كميًا، وتُعد نظرية (الفوتون) أحد أهم الأركان الأساسية لميكانيكا الكم، وتنص على أنّ طاقة الضوء في شكل حزم موجية. ويعتبر (ألبرت أينشتاين)، و(هايزنبرج)، و(ماكس بلانك) هم بعض البارزين المشاركين في تطوير ميكانيكا الكم. وتنقسم ميكانيكا الكم إلى فئتين وهما:
ميكانيكا الكم للأجسام غير النسبية ويدرس هذا المجال ميكانيكا الكم للجسيمات ذات السرعة الصغيرة نسبيًا مقارنة بسرعة الضوء.
والشكل الآخر منها هو: ميكانيكا الكم النسبية ويدرس الجسيمات التي تتحرك بسرعات متوافقة مع سرعة الضوء، واعتبر العلماء المهتمين بدراسة ميكانيكا الكم أنّ مبدأ عدم اليقين لـ(هايزنبرج) هو أيضًا نظرية مهمة جدًا وراء ميكانيكا الكم، وينص هذا المبدأ على أنه لا يمكن قياس اندفاع هذا الجسيم وموضع ذلك الجسيم في نفس الاتجاه في وقت واحد بدقة 100.
ولكن يبقى السؤال الأهم قائمًا بعد التفرقة بين النظرة الكمّية للحياة والنظرة الكلاسيكية هل نجحت النظرة الكلاسيكية في تفسير ظواهر الحياة؟ بالطبع لا، كانت النظرة الكلاسيكية نظرة قاصرة جدًا لم تستطع تفسير ظواهر الحياة على مستواها الذري، وما دون الذري، فلم تتمكن الميكانيكا الكلاسيكية من تفسير الأمور المدهشة في الطبيعة مثل طريقة (إصلاح الحمض النووي – DNA Repair)، ولا تفسير طريقة حدوث الطفرات التي تحدث في الأحماض النووية، والمعروف أن الطفرات هي عبارة عن التغيرات المفاجئة في تركيب الحمض النووي (DNA)، لم تستطع الميكانيكا الكلاسيكية تفسير ما يحدث في عالم الخلية الحيّة التي تعتبر هي اللبنة الأولى من لبنات الحياة الحيّة على الأرض وتعتبر نظامًا حيويًا مُستقلًا بذاته. لحاجتنا الماسة في تفسير ظواهر الطبيعة على مستواها الذري تحديدًا تفسير الظواهر الطبيعية التي تحدث في خلايانا وتفسير ما لا يمكننا رؤيته في الطبيعة؛ سعى العلماء في تفسير تلك الظواهر بالاستعانة بمبادئ ميكانيكا الكم فنتج عن تلك المحاولات علم «الأحياء الكمومي» وهذا ما سوف نتعرف عليه في هذه الرحلة القصيرة المُربكة للعقل البشري.
ما هو علم الأحياء الكمومية؟
يعتبر علم الأحياء الكمومية هو تطبيق مبادئ ميكانيكا الكم والكيمياء النظرية على المشكلات البيولوجية، والسعي بكل الطرق الممكنة إلى حلها، والبحث في تفسير الظواهر الخلوية مثل طريقة عمل الإنزيمات، وتفسير مسارات الطاقة الحيوية التي تحدث داخل الخلايا الحيّة. كما يهتم أيضًا بدراسة التفاعلات الحيوية ذات المسارات المعقدة لكونها تفاعلات ذات طبيعة كمومية، مثل: تفاعلات امتصاص الضوء، وتفاعلات نقل الطاقة التي تحدث داخل الخلايا، وطريقة نقل الإلكترونات والبروتونات (أيونات الهيدروجين) في العمليات الكيميائية المختلفة مثل التمثيل الضوئي، والشم وتمييز الروائح، وعمليات التنفس الخلوي.
لماذا علم الأحياء الكمومية مهم؟
بدأت نظرية الكم كمحاولة لشرح انحراف الظواهر المادية عن وصفها الكلاسيكي وبالطبع قوانين الخلية الحية لا يمكن أن نطبق عليها قوانين الميكانيكا الكلاسيكية، ورغم ذلك يعتبر علم الأحياء الكمومية هو علم نظري لا زال حديثًا في مهده محاولًا تفسير الظواهر البيولوجية في الخلية الحيّة، من خلاله يمكننا دراسة التفاعلات البيوكيميائية مثل الإنزيمات ووصف سلوكها. حركة الإلكترونات على طول الإنزيم تتحرك إلى مستوى طاقة أعلى تمامًا كما تفعل في المعادن وفسر العلماء هذه الحركة على أنها تتحرك عبر (أنفاق كمومية – Quantum Tunneling) عن طريق تلك الأنفاق تعمل الإنزيمات في الخلية بسرعة كبيرة في أقل زمن ممكن يمكنها إتمام التفاعل عبر مسارات معينة.
ومنذ ذلك الاكتشاف أصبحت دراسة الأنفاق التي تعبرها الإلكترونات والبروتونات محل دراسة هامة من علماء من البيولوجيا ومجالًا راسخًا في البحث تحديدًا في مجال الإنزيمات. كما تم اقتراح النفق الكمّي كوسيلة جديدة لتفسير ظواهر مثل ظاهرة حاسة الشم وتمييز الروائح المختلفة، وانتقال السيالات العصبية في الدماغ، ولا يزال العلم يقدم اقتراحات مُستقاة من مبادئ ميكانيكا الكم من أجل الوصول للتفسير الأمثل للظواهر الطبيعية على سبيل المثال طريقة امتصاص الطاقة الضوئية ونقلها عبر سلسلة من الجزيئات لإتمام تفاعل مهم من التفاعلات، وهو تفاعل البناء الضوئي التفاعل الأهم لاستمرار الحياة الحيّة على كوكب الأرض فتستخدمه سائر النباتات للاستمرار في الحياة كما تستخدمه بعض أنواع البكتيريا الضوئية أيضًا في إتمام دورة حياتها وإنتاج غذائها.
لذا يعتبر العلماء المهتمين بدراسة علم الأحياء الكمومية أن الطاقة المتماسكة، والنفق الكمي، وطريقة نقل الشحنة من الأمور الهامة لبداية الحياة على الأرض واستمرارها أيضًا. لذا تتمحور أهمية علم الأحياء الكمومية في كونه قادرًا على تفسير الظواهر غير المرئية داخل الخلية الحية باعتبار الخلية نظام حيوي متكامل من خلاله يمكننا تفسير التفاعلات البيوكيميائية ومسارات نقل الطاقة، من خلاله أيضًا يمكننا دراسة آليات التوارث وكيف تعمل، وكيف تنقل الخلية المعلومات من وإلى غيرها من الخلايا، كيف يتم نسخ المادة الوراثية من الخلية الحية إلى مجموعة من الخلايا الأخرى دون خطأ، كل هذه التساؤلات تسعى الأحياء الكمومية لحلها.
نماذج في الطبيعة تعتمد على مبادئ علم الأحياء الكمومية
في ظاهر الأمر، يبدو أن التأثيرات الكمومية في الطبيعة، والكائنات الحيّة تشغل عوالم مختلفة تمامًا، عادة ما يكون العالم الأول (التأثيرات الكمومية) يمكننا ملاحظته فقط على مقياس نانومتر، محاطًا بفراغ صلب ودرجات حرارة منخفضة للغاية وبيئة شديدة الإحكام، كما يمكن وصفه على أنه عالم مجهري دافئ وفوضوي ولا يمكن التحكم فيه بأي شيء، لن تدوم ظاهرة كمومية مثل (التماسك - coherence)، حيث تظل أنماط الموجة لكل جزء من النظام في خطوة، ميكرو ثانية في عالم الخلية الحيّة المضطرب أو هكذا يعتقد.
لكن الاكتشافات في السنوات الأخيرة تشير إلى أن الطبيعة تعرف بعض الحيل التي لا يعرفها علماء الفيزياء: قد تكون العمليات الكمومية موجودة في كل مكان في الطبيعة، تتراوح الأمثلة المعروفة أو المشتبه بها من قدرة الطيور على التنقل باستخدام المجال المغناطيسي للأرض إلى الأعمال الداخلية لعملية التمثيل الضوئي، العملية التي تحول من خلالها النباتات والبكتيريا ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون والماء إلى مادة عضوية، ويمكن القول إنها أهم تفاعل كيميائي حيوي على الأرض.
يقول لويد الفيزيائي في معهد (ماساتشوستس) للتكنولوجيا في (كامبريدج): "إنّ الفهم الأفضل لكيفية الحفاظ على التأثيرات الكمومية في الكائنات الحية يمكن أن يساعد الباحثين على تحقيق الهدف المراوغ المتمثل في الحساب الكمي، أو ربما يمكننا صنع أجهزة تخزين طاقة أفضل أو خلايا شمسية عضوية أفضل".
عملية البناء الضوئي
لطالما اشتبه الباحثون في أن شيئًا غير عادي يحدث في عملية التمثيل الضوئي، تصل جزيئات الضوء التي تسمى "الفوتونات"، الأخرى التي تمتص الضوء والتي تتجمع داخل خلايا كل ورقة، وداخل كل بكتيريا ضوئية، ولكن بمجرد أن تتسرب طاقة الفوتونات، فإنها لا تبقى عشوائية، بطريقة ما، يتم توجيهه إلى تدفق ثابت نحو مركز تفاعل التمثيل الضوئي للخلية، والذي يمكنه بعد ذلك استخدامه بأقصى قدر من الكفاءة لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى سكريات، ومنـذ ثلاثينيات القرن المنصرم، أدرك العلماء أن هذه الرحلة (عملية البناء الضوئي) يجب أن توصف بميكانيكا الكم، والتي تنص على أن الجسيمات مثل الإلكترونات غالبًا ما تعمل مثل الموجات، ستطلق الفوتونات التي تصطدم بجزيء الهوائي تموجات من الإلكترونات النشطة الإكسيتونات؛ (مستوى الطاقة المقيّد للإلكترون) مثل الصخور التي تُلقى في بركة ماء، ثم تنتقل هذه الإكسيتونات من جزيء إلى جزيء إلى آخر حتى تصل إلى مركز التفاعل، لكن هل يمكننا أن نعتبر أن تلك القفزات هي قفزات عشوائية غير موجهة كما افترض العلماء في البداية؟ أم يمكن أن تكون حركة متماسكة منتظمة؟ أشار بعض الباحثين المعاصرين إلى أن الإكسيتونات يمكن أن تكون متماسكة، حيث تمتد موجاتها إلى أكثر من جزيء واحد بينما تبقى في خطوة وتعزز بعضها البعض.
البناء الضوئي ليس المثال الوحيد للتأثيرات الكمية في الطبيعة، على سبيل المثال، عرف الباحثون منذ عدة سنوات أنه في بعض التفاعلات التي تستخدم الإنزيمات كعوامل مُحفزة، تنتقل البروتونات من جزيء إلى آخر عن طريق ظاهرة ميكانيكا الكم المتمثلة في النفق "النفق الكمومي"، حيث يمر الجسيم عبر حاجز للطاقة بدلًا من الاضطرار إلى حشد الطاقة من أجل أن يتسلق فوقه، وتدعي نظرية أخرى مثيرة عن حاسة السم مفادها أن الرائحة تأتي من الاستشعار الكيمائي الحيوي للاهتزازات الجزيئية؛ وهي عملية تتضمن نفقًا للإلكترون بين الجزيء المسؤول عن الرائحة والمستقبل الذي يرتبط بالأنف.
بوصلة عين الطائر
أحد الأحجيات البيولوجية القديمة التي يمكن تفسيرها بالتأثيرات الكمية الغريبة هو كيفية قدرة بعض الطيور على التنقل من خلال استشعار المجال المغناطيسي للأرض، من المعروف أن المستشعر المغناطيسي للطيور يتم تنشيطه عن طريق الضوء الذي يصيب شبكية عين الطائر، أفضل تخمين للباحثين حاليًا في آلية ما هو أن الطاقة المودعة بواسطة كل فوتون وارد تخلق زوجًا من الجذور الحرة، جزيئات عالية التفاعل، لكل منها إلكترون غير مزدوج، كل من هذه الإلكترونات غير المزاوجة لها زخم زاوي جوهري، أو مغزلي، يمكن إعادة توجيهه بواسطة مجال مغناطيسي، وكل إلكترون يؤثر على الآخر نتيجة هذه العملية تحدث بعض التفاعلات الكيميائية في عين الطائر من خلاله يتمكن الطائر من الهجرة لمسافات طويلة مُتلاشيًا الطرق الوعرة والمسطحات المائية الواسعة.
ربما بواسطة علم الأحياء الكمومية يمكننا في المستقبل فهم العمليات الحيوية الهامة التي تحدث حولنا في الحياة الدقيقة غير المرئية، وفهمنا لتلك العمليات نتمكن من فك المعضلات التي تواجهنا اليوم لتصبح معارف الغد متاحة، ربما بواسطتها يمكننا حل تلك الأسئلة وجعلها أجوبة الغد أيضًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.