هل يعاني طفلك من القلق المدرسي عند الأطفال أو يرفض الذهاب للمدرسة تمامًا؟ وهل تساءلت يومًا: كيف عالج العلماء المسلمون الخوف عند التلاميذ؟ قبل قرون من ظهور علم النفس الحديث، وضع علماؤنا أسس علاج الخوف المدرسي في التراث الإسلامي، محذرين من أسباب الفشل الدراسي المرتبطة بالقسوة.
التراث التربوي -كما يُعرفه أهل الاختصاص- هو ما كُتب عن آداب المعلم والمتعلم وأساليب التعليم والموضوعات التي يُقام فيها التعليم.. أو هو بتعبير آخر، يعني: «مجموعة الآراء والأفكار والنظريات التي احتوتها دراسات الفقهاء والفلاسفة والعلماء المسلمين، وتتصل اتصالًا مباشرًا بالقضايا والمفاهيم والمشكلات التربوية».
ومن أوائل ما كتب بعناوين تتداخل مع المعنى الخاص للتراث التربوي رسالة الإمام أبي حنيفة (150هـ) التي عنوانها: «العالِم والمتعلم»، وهي رواية يرويها المتعلم (أبو مقاتل) عن العالِم (أبي حنيفة) لينتفع بمجلسه؛ ومجملها مجموعة أسئلة يسألها المتعلم ويطلب فيها من المعلم فتاوى ينتفع بها.
هذا، وقد برع عدد كبير من المؤلفين في هذا الجانب التربوي، فأثرَوا المكتبة العربية بجملة من المؤلفات في هذا الشأن، نذكر منهم كُلًا من:
- سحنون محمد بن عبد السلام بن سعيد (ت. 256هـ) في كتابه: «آداب المعلمين».
- بدر الدين ابن جماعة (ت. 733هـ) بكتابه «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم».
- محمد بن الحسين الآجري (ت 360هـ) في «أخلاق العلماء».
- أبي الحسن علي بن محمد القابسي (ت. 403هـ) بكتابه: «الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين».
- أبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي (ت. 463هـ) في «جامع بيان العلم وفضله».
- النعمان بن خليل الزرنوجي (ت 640هـ) في مؤلفه: «تعليم المتعلم طريق التعلم».
- أحمد بن أبي جمعة المغراوي (ت. 930هـ) في «جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما يعرض للمعلمين وآباء الصبيان».
- أبي مسعود الحسن اليوسي (ت. 1102هـ) في «القانون في أحكام العلم والعالم والمتعلم».
وأفرد غيرهم أبوابًا وفصولًا من مؤلفاتهم لقضايا التربية وأحكام التعليم كما نجدها في:
- «مقدمة» ابن خلدون (ت 808هـ) الشهيرة.
- وكتاب «المدخل» لابن الحاج الفاسي (ت 737هـ) الذائع الصيت.
- وابن عرضون الشفشاوني (ت 992هـ) في كتابه «المقنع» الذي خصص خاتمته في رياضة الصبيان.
- وكتاب: «بلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من الأحكام»، لأبي عبد الله محمد بن مسعود الطرنباطي (ت 1214هـ).
رهاب المدرسة عند الأطفال.. ظاهرة الخوف المدرسي وطرق علاجه
نصل الآن إلى صلب المداخلة التي نَتقصد من خلالها الوقوف على المسائل التربوية الملحة التي انتبه إليها هؤلاء المؤلفون؛ وهي مسألة مراعاة الفروق الفردية لدى المتعلمين دون المساس بشخصية المتعلم، تجنبًا لوقوع الطفل في ظاهرة الخوف من المعلم أو الخوف المدرسي عند الأطفال، أو سقوطه فيما أصبح اليوم يُعرف بـ «صعوبات التعلم بسبب الخوف»، حتى يكاد أن يُصبح ظاهرة مرضية؛ بما تُسببه من حالات القلق والاضطراب النفسي.
وتؤثر هذه الحالة سلبًا في سلوكيات الطفل داخل الوسط المدرسي؛ بما تفرزه من صعوبة في مواجهة الآخرين وتخوف من سخريتهم، فتُفضي بالتالي إلى:
- ظهور مشكلات متعلقة باللغة والنطق، التي ينتج عنها تلعثم الطفل في كلامه.
- عدم القدرة على التفكير الاستدلالي، الأمر الذي ينتج عنه بعض مظاهر البلادة على الأطفال.
- الإصابة بفرط النشاط الحركي، الذي يثير الشغب داخل الوسط المدرسي.
- الوقوع أخيرًا في الفشل الدراسي والإحباط، الذي يؤدي بصفة عامة إلى الهدر المدرسي والهروب من قاعات الدرس، وهو ما يعرف برفض المدرسة عند الأطفال.
ويُعرف الخوف بأنه: حالة رد فعلٍ طبيعي لموقف غير طبيعي، ويشير إليه بعض المختصين في العلوم النفسية على أنه شعور الفرد بالارتباك والإحراج من المواقف التي تواجهه في الحياة أو من مقابلة أشخاص جدد.

لماذا يخاف الطفل من المعلم؟ أسباب الخوف من المعلم
يُعد الخوف من الناس والمدرسة أو الخوف من المعلم عند الأطفال والوالِدَيْن أشد أنواع الخوف تأثيرًا في حياة الطفل، إذ يجعله يتحاشى كل موقفٍ يُعرضه لمقابلة أو مواجهة الناس، لكونه يؤدي إلى سيطرة إحساسٍ بأنه محط انتقادهم أو إهانتهم، وهنا نتساءل: لماذا يخاف ابني من المدرسة؟ وقد يعوق تقدمه في مجالات حياته الدراسية المختلفة.
وأسباب الخوف قد تكون ناتجة أحيانًا عن عوامل وأسباب طبيعية آنية لخوف الطفل، كعدم صفاء الجو الأسري، وخاصة تلك المشاحنات التي تنشب بين الوالدين بحضور أطفالهما. وتوجد أسباب وعوامل أخرى تتمثل في التغييرات الحياتية مثل الانتقال إلى منزل جديد أو ولادة طفل آخر أو ما شابه.
ويُعد رهاب المدرسة (School Phobia) أو مشكلة خوف الأطفال من المدرسة، واحدًا من أهم الاضطرابات التي يعاني منها 5% من تلاميذ المدارس، تحديدًا في المرحلة الابتدائية. ويُسمى أيضًا: اجتناب المدرسة (School Avoidance) أو رفض المدرسة (School Refusal).

كيف عالج العلماء المسلمون هذه الظاهرة؟ الرفق في التعليم
بوقوفنا على مجموعة من النصوص التربوية في المدونة الإسلامية، نستطيع أن نُعين مجموعة من الأساليب الناجعة لمعالجة ظاهرة الخوف عند التلاميذ الناشئين التي تجيب عن سؤال: كيف أعالج خوف الطفل من المدرسة؟
1. أبو حامد الغزالي ومراعاة الفروق الفردية: وصف أبو حامد الغزالي وظيفة التعليم بأنها أشرف وظيفة وأعظمها على الإطلاق، ومن الأمور التي أشار إليها في تحسين جودة التعليم:
- مبدأ مراعاة الفروق الفردية: قائلًا في كتابه «إحياء علوم الدين»: «كما لو أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قَتَل أكثرَهم، كذلك المربي لو أشار على المريدين نمطًا واحدًا من الرياضة أهلكَهم وأمات قلوبهم...».
- مبدأ مراعاة القدرات العقلية: يقول: «يجب على المعلم أن يُشخص طبيعة المبتدئ من الذكاوة والغباوة، ويُعلمه على مقدار سعته، ولا يُكلفه الزيادة في مقداره...».
2. ابن جماعة والتقدير النفسي: أما ابن جماعة فقد بين أن معرفة المعلم بتلاميذه من أهم عناصر كفايته ونجاحه، وأنه لا يؤثر في التلاميذ إلا المعلم الذي يرفق بهم، ويشفق عليهم، ويحبهم مطبقًا مبدأ الرفق في التعليم، ويُكلف نفسه كل مشقة في سبيل رعاية مصالحهم، ويُسمي التلميذ بما يحب، لإشباع حاجته إلى التقدير الاجتماعي، وتنمية شعور الاحترام فيه، وتنمية ثقته في نفسه.
3. الآجري والتحذير من التعنيف: كما ذكر الآجري من بين هذه الكفايات: تجنب التعنيف للتلاميذ؛ لأن آثار التعنيف على الطفل مدمرة، مُبينًا أن على المعلم أن يرفق بالمتعلم، وأن يحترمه ويُعامله معاملة حسنة قائمة على الأخلاق الإسلامية، وحذر من التعنيف الذي يُعد من أساليب العقوبة التي يستخدمها المعلم، وبين أن للتعنيف أضرارًا تُلحق بالمتعلم، مُشيرًا إلى أن التعنيف يؤدي إلى إحباط المتعلم، ويترك أثرًا سلبيا في نفسه، ويُشعره بالمهانة.
ابن خلدون والتربية: أضرار القسوة على المتعلمين
عمل ابن خلدون -عبقري الفكر التربوي الإسلامي- على تأصيل مفهوم التربية، واهتم بالقضايا والموضوعات المرتبطة بها خاصة أضرار القسوة على المتعلمين عند ابن خلدون، وأورد في أثناء تحديده للمنهج التربوي السليم شروطًا، دينية ودنيوية، يجب على المعلم والمتعلم التحلي بها.
هل الضرب في المدرسة يسبب خوف الطفل؟ وهل الضرب في المدرسة يسبب رهابًا؟
ذكر ابن خلدون في الفصل الأربعين أن الشدة على المتعلمين مُضِرة بهم، فقال في «مقدمة ابن خلدون»: «وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة. ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر، وضيق عن النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة...».

وبين ابن خلدون وجه الصواب في تعليم العلوم وطرق إفادته، وكيفية علاج الخوف المدرسي في التراث الإسلامي، في الفصل السابع والثلاثين من «مقدمته»، قائلًا: «اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدريج، شيئًا فشيئًا، وقليلًا قليلًا؛ يُلقي عليه أولًا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويُقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويُراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يَرِد».
وهكذا نجد ابن خلدون يُغالِي في تشاؤمه من استخدام الشدة والضرب مع المتعلمين، فيُقرر أن الطرق التربوية والتعليمية التي تتسم بالشدة والقسوة تجاه المتعلمين مُضِرة بعملية التعليم، وهو ما يؤكده العلم الحديث في إجابة كيف أعالج الخوف المدرسي؟
بهذا الرصيد التربوي لدى العلماء المسلمين من نصوص وشروح، ندرك طريقتهم في معالجة ظاهرة الخوف عند التلاميذ في العملية التربوية الناتجة عن التعنيف والضرب والتعامل بقسوة مع المتعلمين.
من ثم نخلص إلى القول بأن ما طرحه هؤلاء الأعلام هو عبارة عن تجربة تربوية سابقة، فاقت في بعض جوانبها صفات المعلم في التربية المعاصرة، بل تقف على عتبة الريادة والسبق في علاج الخوف المدرسي في التراث الإسلامي.
ما شاء الله .. نفع الله بكم
بوركتم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.