الفُصال العظمي أو التهاب المفاصل التنكسي ليس مجرد تآكل في المفاصل، بل هو حالة التهابية متفاقمة تتطلب تدخلًا متوازنًا يشمل النظام الغذائي والمكملات الطبيعية. ففي حين يركز الطب التقليدي على تخفيف الأعراض بالأدوية؛ يمكن لنهج غذائي مدروس ومكملات مختارة بعناية أن يبطئ تطور المرض، ويمنح المفاصل فرصة حقيقية للراحة والمرونة من جديد. في هذا الدليل، نكشف عن إستراتيجيات مدعومة علميًا للتخفيف من ألم المفاصل وتحسين جودة الحياة.
ما الفُصال العظمي (التهاب المفاصل التنكسي)؟
الفُصال العظمي هو تآكل تدريجي في الغضروف الذي يغطي أطراف العظام داخل المفصل، وهذا الغضروف يعمل وسادة تحمي العظام وتُسهّل الحركة، ويكون مغطى بسائل يُسمى «السائل الزلالي» يساعد على الانزلاق وتقليل الاحتكاك، ويتكون الغضروف من ألياف الكولاجين وبروتينات خاصة تُسمى «proteoglycans البروتيوغليكانات»، وهي تحتفظ بالماء وتمنح الغضروف مرونته، وتوجد أيضًا خلايا تُسمى «الخلايا الغضروفية» تُنتج هذه المواد وتُصلح التلف.

في حالة الفُصال العظمي، تبدأ هذه الخلايا في تدمير مكونات الغضروف بدلًا من إصلاحها، ما يؤدي إلى فقدان الغضروف وحدوث ألم وتيبّس في المفصل بسبب الاحتكاك المباشر بين العظام والتهاب المفصل.
كيف نحد من الالتهاب المصاحب لالتهاب المفاصل التنكسي؟
بمجرد فهم أن التهاب المفاصل التنكسي هو أولًا حالة من الالتهاب، فإن الخطوة الأولى للدفاع هي الحد من هذا الالتهاب بأي وسيلة ممكنة، هذا المنطق صحيح بغض النظر عن مرحلة المرض، وكلما كان ذلك في وقت مبكر كان أفضل، فكيف نفعل ذلك؟
المبادرة الأولى: إنقاص الوزن وأثره في التهاب المفاصل
المعيار المهم هنا هو محيط الخصر، فيجب أن يكون أقل من 94 سم عند الرجال وأقل من 80 سم لدى النساء، إذا كانت هذه الأرقام أعلى، فإنك لا تضع فقط ضغطًا زائدًا وغير ضروري على المفاصل السفلية، ولكنك أيضًا تعيش في بيئة محتملة تؤدي إلى الالتهاب، إذ إن محيط الخصر الكبير يترافق مع إنتاج السيتوكينات، وخاصة TNF-alpha.
كيف يمكننا تقليل محيط الخصر؟
يمكننا ذلك عن طريق الجمع بين برنامج رياضي منتظم ونظام غذائي قليل السكريات والنشويات والمواد الدقيقية مثل نظام «أتكينز الجديد»، ويضم هذا النظام في صورته الجديدة المعلومات العلمية الجديدة المرتبطة بمؤشر قياس نسبة السكر في الدم، وخصم الغرامات الخاصة بالألياف، وهو أمر لم يتناوله الدكتور أتكينز، أو نظام منخفض مؤشر الجلوكوز مثل «نظام GI الجديد».
وهذه الأنظمة الغذائية قليلة النشويات أو ذات المؤشر الجلايسيمي المنخفض تقلل أيضًا من علامات الالتهاب، فنستغني عن الخبز والمعكرونة والأرز والمخبوزات، ونعوضها بخضراوات وفواكه وبروتينات ذات جودة عالية.

الدهون تولّد وسطاء تنشط الالتهاب
على وجه الخصوص، الزيوت والسمن الصناعي مثل زيت دوار الشمس، والذرة، وفول الصويا، وبذور العنب يجب الاستغناء عنها وتعويضها بالدهون الغنية بأوميغا-3 مثل زيت الكانولا، والكاميلينا، وزيت الجوز، وتفضيل المنتجات العضوية، ذات الضغط الأولي، في حاويات غير شفافة (زجاج أو معدن).
ولزيادة تأثير مضادات الالتهاب لهذه الزيوت -مثل زيت الكانولا- يمكنك نقع أعشاب مثل الزعتر، والروزماري، والأوريجانو، والنعناع، والثوم، وفي الوقت نفسه، تناول يوميًا اللوز وبذور الكتان و3 إلى 4 مرات في الأسبوع السمك الدهني (السردين، الماكريل، الرنجة، السلمون) ويُفضل إعداده مشويًّا أو مسلوقًا.
التوابل والنباتات المضادة للالتهاب
من أهم التوابل والنباتات المضادة للالتهابات القرفة، والفلفل الأسود، والكركم، خاصة الزنجبيل، لذا ينصح باستخدامها بكثرة، فقد كشفت دراسة عام 2003 عن التهاب المفاصل التنكسي في الركبة، عن تفوق الزنجبيل على العلاج الوهمي بعد 24 أسبوعًا من العلاج، وقد أُعطي مسحوق الكركم مدة 3 أشهر لـ41 مريضًا يعانون التهاب المفاصل التنكسي، وذلك بالاشتراك مع الزنك ونباتين آخرين من الطب الهندي، وأظهرت النتائج تحسنًا واضحًا وسريعًا في الألم والصلابة الصباحية، لاستخدامها في الطهي مع البصل، والثوم، والأوريجانو، والغار، والروزماري.

باختصار، يمكن تقليل الالتهاب والتخفيف من أعراض التهاب المفاصل التنكسي بالجمع بين هذه الإستراتيجيات الغذائية وممارسة الرياضة بانتظام.
المكملات الغذائية الأساسية
نستعرض فيما يلي أهم المكملات الغذائية الأساسية لمكافحة التهاب المفاصل التنكسي:
هارباجوفتيوم وجلوكوزامين
لمكافحة التهاب المفاصل التنكسي، يوجد مكملان غذائيان أساسيان وهما: «هارباجوفتيوم» (Harpagophytum) أو ما يُعرف بـ«مخالب الشيطان»، والـ«جلوكوزامين» (Glucosamine) الذي يمكن أن يُستخدم مع أو دون «كوندرويتين» (Chondroitin).
هارباجوفتيوم: نبات يمتلك خصائص مضادة للالتهاب قوية؛ لأنه يقلل مستوى السيتوكينات، أما عن الجرعات المستخدمة فهي تراوح بين 50 و60 ملغ يوميًّا من مركب «هارباجوسيد» (المادة الفعالة)، وعند استخدام هذه الجرعات، فإن «هارباجوفتيوم» يقلل الألم بنسبة 40 إلى 50% عند لمس المنطقة المصابة، ويقلل الصلابة في المفاصل بنسبة 35%.
يجب تناول هذا النبات مدة شهرين في الأقل للحصول على الفوائد، كما «هارباجوفتيوم» فعالًا بدرجة الأدوية الحديثة نفسها مثل «coxibs» ولكنه أقل آثارًا جانبية.
جلوكوزامين وكوندرويتين: «كوندرويتين سلفات» و/ أو «كوندرويتين سلفات» عنصران غذائيان ضروريان لتغذية الغضاريف، وهذه المكملات تمنح الخلايا مواد جاهزة لبناء الغضاريف (بروتوجليكانيات) بدلًا من الاعتماد على السكر (الجلوكوز) الذي أصبح من الصعب تحويله إلى مكوناته اللازمة بسبب الالتهاب.
يساعد الجلوكوزامين على: تصنيع العمود الفقري للبروتوجليكانيات في الغضاريف لأنه يستخدم في سلاسل حمض الهيالورونيك hyaluronic Acid.
- تصنيع الخيوط المرتبطة بالعمود الفقري لهذه البروتوجليكانيات لأنه يدخل في تركيب «الكيراتين سلفات» وكذلك بطريقة غير مباشرة في تركيب «الكوندرويتين سلفات».
- الجلوكوزامين فعال عمومًا في تخفيف أعراض التهاب المفاصل التنكسي الخفيف والمتوسط وفقًا لتحليلات حديثة.
- يقلل الجلوكوزامين الألم ويعزز الحركة، خاصة في حالة التهاب مفصل الركبة.
- على عكس مضادات الالتهاب التقليدية التي قد تسرع تطور المرض، فإن الجلوكوزامين يبطئ تقدم المرض.
- الجرعات المستخدمة هي نحو 1500 ملغ يوميًا من «جلوكوزامين سلفات».
- ترى الجمعية الأمريكية لطب الروماتيزم أن «جلوكوزامين سلفات» يبدو فعالًا وآمنًا لتخفيف الألم وتحسين وظائف المفاصل على المدى القصير (6 أشهر)، لدى المرضى الذين يعانون التهاب المفاصل التنكسي.
وقد أعلنت مؤسسة التهاب المفاصل الأمريكية أن «جلوكوزامين سلفات» يخفف الأعراض ويساعد في منع الأضرار بغضاريف المفاصل، وأنه يمكن عده علاجًا صالحًا بالقدر نفسه من الفعالية مثل العلاجات الطبية التقليدية.

الكوندرويتين
نتائج استخدام الكوندرويتين ليست واضحة كما هي بالنسبة للجلوكوزامين، لكنه يظهر أنه يبطئ تطور المرض، ومن المعروف أن الكوندرويتين جزيء أكبر من الجلوكوزامين، وبذلك فهو أقل امتصاصًا، وبهذه الطريقة، تمثل هذه المكملات الغذائية حلولًا طبيعية فعالة لتخفيف أعراض التهاب المفاصل التنكسي وتأخير تطور المرض.
المكملات الغذائية الداعمة لعلاج التهاب المفاصل التنكسي
إضافة إلى المكملات الرئيسة المستخلصة من «هارباجوتيوم» و«جلوكوزامين/ كوندرويتين»، يمكن الجمع مع المواد التالية للحصول على فائدة إضافية:
1. الشبت (leavesNettle)
تحتوي أوراق الشبت على مركبات مضادة للالتهاب تمنع الإنترلوكينات interleukins، فإن الوظيفة الأساسية للإنترلوكينات هي تنظيم النمو والتمايز والتنشيط في أثناء الاستجابات الالتهابية والمناعية، وقد أظهرت دراسة فرنسية أن مستخلص الشبت، عند دمجه مع زيوت السمك وفيتامين E، يحسن أعراض التهاب المفاصل التنكسي في الركبة، ويقلل الحاجة إلى الأدوية المضادة للالتهاب.

وفي دراسة شملت 8,955 شخصًا يعانون التهاب المفاصل التنكسي والتهاب المفاصل الروماتويدي، أظهر الشبت تحسينات بنسبة 55% في الألم في أثناء الراحة، و45% في الألم في أثناء الجهد، و38% في الإعاقة، وبدأت هذه التحسينات تظهر بعد اليوم الحادي عشر من العلاج، وقد تمكن نحو 60% من المرضى من تقليل أو إيقاف استخدام الأدوية الكيميائية نتيجة لاستخدام الشبت.
2. ميثيل سلفونيل ميثان MSM (Methyl sulfonyl methane)
يتمنع هذا المركب الغني بالكبريت بخصائص مضادة للالتهاب، وقد أظهرت بعض الدراسات تأثيرًا متواضعًا للـMSM في الألم والمرونة لدى مرضى التهاب المفاصل التنكسي، مع جرعات تُوصى بها تراوح بين 2 و3 غرامات يوميًا.
3. زيوت السمك الغنية بأوميجا-3
تُؤخذ بسهولة على شكل كبسولات، وهي مفيدة للأشخاص الذين لا يستهلكون كثيرًا من الأسماك الدهنية، وتحافظ الأوميجا-3 على الغضاريف، عن طريق حجب أحد فروع الالتهاب وتثبيط الإنزيمات المسؤولة عن تحلل الغضاريف.

وفي دراسة سريرية أجريت على 31 مريضًا مصابين بالتهاب المفاصل التنكسي، وكانوا بحاجة إلى زراعة مفصل، أظهرت النتائج أن مستوى الإنزيمات المدمرة (aggrecanases) انخفض بدرجة كبيرة في غضاريف 86% من المرضى الذين تناولوا الأوميجا-3، مقارنة بـ25% فقط من المرضى الذين تلقوا العلاج الوهمي، ويُنصح باختيار المكملات التي تمنح بين 500 ملغ و1000 ملغ من EPA وDHA يوميًّا.
وعلى الرغم من أن هذه التدابير والإستراتيجيات السابق ذكرها لن تجعل التهاب المفاصل التنكسي يختفي فجأة؛ فإنها تساعد في علاج المفاصل بطريقة لطيفة ومستدامة.
في ختام مقالنا، يُعدّ الجمع بين نظام غذائي مضاد للالتهاب، والمكملات الغذائية المدروسة، والنشاط البدني المنتظم، إستراتيجية فعالة للتعامل مع التهاب المفاصل التنكسي دون الاعتماد المفرط على الأدوية، فبتغيير نمط حياتك، وتبني الخيارات الصحية المدعومة علميًا؛ يمكنك تقليل الألم، وتحسين مرونة المفاصل، وتأخير تدهور الغضاريف. ابدأ بخطوة صغيرة اليوم، فكل تعديل إيجابي في نظامك يعيد لمفاصلك شيئًا من راحتها المفقودة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.