التفكير المفرط.. كيف تتوقف عن التفكير الزائد وتستعيد هدوءك؟

التفكير المفرط هو الشعور بأن عقلك عالق في حلقة مفرغة من الأفكار التي لا تتوقف، هل تعاني التفكير السلبي المستمر الذي لا يتوقف؟ هل تجد صعوبة في التخلص من التفكير الزائد الذي يستهلك طاقتك ويؤثر على حياتك؟ في هذا العصر يأتي مرض التفكير المفرط ليتصدر المشهد، فقد يعاني معظم الناس من التفكير المبالغ فيه، ويصل كثيرون منهم إلى مرحلة التفكير الزائد، ما تجعله حالة مرضية تحتاج إلى علاج.

في هذا المقال نتعرف إلى التفكير المفرط، وأسبابِه، وأعراضِه، ووسائل علاجه، إضافة إلى بعض النصائح لكيلا يتحول التفكير إلى نوع من أنواع الإدمان في السطور التالية.

ما التفكير المفرط؟

يمكن تعريف التفكير المفرط (Overthinking) بأنه انشغال دائم بالتفكير في أمر أو عدة أمور مدة طويلة، ما يؤثر في الحالة النفسية للإنسان لعدم قدرته على التوقف عن التفكير، وهي حالة شائعة منها ما هو طبيعي، ومنها ما يمكن الإشارة إليه بعدّه مرضًا يحتاج إلى علاج.

ما التفكير المفرط؟

في التفكير الطبيعي يتعرض الإنسان إلى ضغوط أو ظروف تدفعه إلى الاستمرار في التفكير في حل مشكلته، أو الوصول إلى قرار في أمر مؤقت، وتنتهي عملية التفكير الزائد بانتهاء هذه الظروف، سواء توّصل الإنسان إلى حل أم كان الوقت كفيلًا بخروجه من عملية الضغط والتفكير.

وفي الحالة الأخرى التي يطلق عليها التفكير المفرط المرضي، فإن الإنسان لا يتوقف عن التفكير حتى مع عدم وجود الظروف أو المشكلات، أو الأمور التي تستدعي ذلك التفكير، فقد يلجأ إلى استعادة أحداث من الماضي ومواقف بعيدة وإعادة التفكير فيها، ما يسمح باستعادة مشاعر القلق والندم والتأنيب، كأنه يعيش هذه الأحداث في الحاضر.

الاجترار مقابل القلق: نوعان رئيسان للتفكير المفرط

يميز علماء النفس بين نوعين رئيسين للتفكير المفرط، وكلاهما ضار بطريقته الخاصة وفقًا للجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA):

  • الاجترار: وهو التركيز بشكل متكرر ومستمر على أحداث ومشاعر سلبية من الماضي. الشخص المصاب بالاجترار يعيد مضغ نفس الأفكار والمواقف مرارًا وتكرارًا، سائلاً نفسه: «لماذا حدث هذا لي؟» أو «ماذا لو فعلت كذا؟».

  • القلق: وهو التركيز على التهديدات والسيناريوهات السلبية في المستقبل. الشخص القلق يقضي وقته في تخيل أسوأ النتائج الممكنة، ويسأل نفسه «ماذا لو فشلت؟» أو «ماذا لو حدث شيء سيء؟».

أسباب التفكير المفرط من الضغوط إلى الاضطرابات

عند الحديث عن أسباب التفكير الزائد فإن المختصين يقدمون مجموعة من الأسباب التي تتعلق بالسلوكات، وكذلك بطبيعة الشخص نفسه، ولعل أبرز هذه الأسباب ما يأتي:

المعايير العالية والتوقعات

يوجد كثير من الناس الذين يضعون لأنفسهم معايير عالية وتوقعات فيما يخص تعاملاتهم مع الأشخاص الآخرين، وفيما يخص المستقبل، ويحاولون الوصول إلى هذه المعايير والتوقعات بالخطط المختلفة والسيناريوهات، ما يجعلهم في تفكير دائم بخصوص كل شيء حتى التفاصيل الصغيرة.

الاضطرابات النفسية

غالبًا ما يكون الأشخاص المصابون بالاضطرابات النفسية أقرب للإصابة بالتفكير المفرط على غرار المصابين بالرهاب الاجتماعي والقلق والذين لا يستطيعون التوقف عن التفكير حتى دون وجود ضغوط خارجية.

الاضطرابات النفسية والتفكير المفرط

الاضطرابات الشخصية

كذلك يعاني الأشخاص المصابون باضطرابات شخصية التفكير المفرط، وهو ما يتجلى في حالات مثل اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية.

الضغوط الحياتية

لا شك بوجود كثير من ضغوط الحياة التي يمكن أن تدفع الناس إلى التفكير الزائد، خاصة التجارب القوية والنتائج الصعبة؛ مثل: حالات الطلاق، والصدمات، والحوادث، وحالات الوفاة، لا سيما إذا لم يتعامل مع الأمر بكيفية صحيحة.

الضغوط الحياتية والتفكير المفرط

البيئة المحيطة

تعد البيئة المحيطة بالأشخاص من أهم العوامل التي قد تؤدي إلى التفكير المفرط؛ لأن البيئات المغلقة تدفع الأفراد الموجودين فيها إلى التفكير على نحو مفرط في كثير من الأمور، في حين البيئات المنفتحة التي تتميز بالاستقلالية والمرونة تساعد أفرادها على التخلص من الضغوط النفسية، وتدفعهم إلى العمل بدلًا من التفكير.

أعراض التفكير المفرط: علامات نفسية وجسدية

يمكن التعرف إلى الأشخاص المصابين بالتفكير الزائد بأعراض عدة قد تظهر على الشخص المصاب، أو يظهر بعضها مع الوقت؛ وأهم هذه الأعراض والعلامات ما يأتي:

1. صعوبة النوم، وعدم القدرة عليه مدة ة طويلة، فقد يجد الشخص نفسه غير قادر على النوم في مواعيد منتظمة، وإذا نام فإنه يستيقظ عدة مرات في أثناء النوم.

2. القلق مدة طويلة، والإحساس بعدم القدرة على السيطرة على الأمور، والخوف من حدوث أشياء ونتائج سيئة.

3. التردد المستمر في اتخاذ القرارات مع التشكيك في القرارات التي اتخذت والعودة إلى التفاصيل بعد مراجعتها عدة مرات.

4. الإفراط في تحليل الأمور والمواقف المختلفة، مع استرجاع المواقف السابقة والحديث عنها وعن تفاصيلها على نحو مزعج، بالإضافة إلى كثرة التوقعات، ووضع السيناريوهات المستقبلية، ومحاولة إيجاد سبب ومعنى لكل شيء مهما كان بسيطًا أو يتعلق بتفاصيل غير مهمة.

5. الشعور الدائم بالإرهاق النفسي والعقلي، والإحساس بأن الأمور ليست على ما يرام مع التفكير في النهايات السيئة والسيناريوهات التي قد تكون بعيدة تمامًا.

6. عدم الإحساس بالمتعة والسعادة نتيجة انشغال العقل بالتفكير واستحضار التجارب المؤلمة التي تتسبب بحالة من القلق والخوف.

7. ظهور عدد من الأعراض الجسدية نتيجة الضغط النفسي المستمر؛ مثل: الصداع، والآلام المتفرقة، والإحساس بالإجهاد البدني، وربما الحكة، والتهيجات في بعض المناطق، وظهور الحبوب في الجسم، والهالات السوداء تحت العين.

أعراض التفكير المفرط

أضرار التفكير المفرط

بلا شك توجد أضرار متعددة قد تكون حصيلة التفكير المفرط مدة طويلة، وهذه الأعراض تختلف من شخص إلى آخر حسب حدة التفكير وطبيعة البيئة وقدرة الإنسان على التحمل؛ ومن هذه الأضرار:

الأضرار النفسية

كثير من الأضرار النفسية تصيب الأشخاص الذين يفكرون على نحو مفرط، ويأتي في مقدمتها الخوف والقلق والأرق، ما يؤدي مع الوقت إلى الشعور بفقدان السعادة والاستمتاع بالحياة، بالإضافة إلى نقص التركيز وعدم القدرة على إنجاز المهام بالجودة المطلوبة.

الأضرار البدنية

غالبًا ما يصاب الأشخاص الذين يفكرون على نحو مفرط مدة طويلة بأضرار بدنية؛ مثل نقص الشهية والقولون العصبي، وفي كثير من الحالات يتطور الأمر إلى الإصابة بأمراض الضغط، وأمراض القلب، وأمراض المناعة بسبب الإفراز المستمر لهرمون القلق وعدد من الأمراض الجلدية؛ مثل: الحكة، وحب الشباب.

كيف تتوقف عن التفكير المفرط؟ 5 طرق عملية

على الرغم من أن الحالات التي تصل إلى التفكير الزائد غير الطبيعي قد تحتاج إلى تدخل المتخصصين من الأطباء والمختصين النفسيين، لكن علاج التفكير المفرط يرتبط بأساليب التفكير، وتعامل الشخص مع نفسه، ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين؛ وبذلك يكون العلاج معرفيًا أكثر منه دوائيًا في معظم الحالات. إليك 5 طرق عملية للتخلص من التفكير المفرط:

  1. العلاج المعرفي السلوكي: يعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) من أنجح الأساليب لعلاج التفكير المفرط. ويهدف هذا العلاج، كما تشرح الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) إلى مساعدتك على تحديد أنماط التفكير السلبية وتحديها وتغييرها. ويستهدف إقناع الشخص بأن الكمال البشري فكرة مبالغ فيها، لذا لا بد أن يتقبل الإنسان النقص.

  2. تغيير نمط التفكير: يجب أن يفكر الشخص في الأمور الإيجابية الموجودة في حياته، ويتجنب التفكير السلبي المستمر، ما يساعده على الدخول في حالة مزاجية جيدة، ويساعده أيضًا على التوقف عن التفكير الزائد والقلق والتوتر، لا سيما عندما يحتفل بالانتصارات التي حققها مهما كانت بسيطة، فإنها تشغل حيزًا كبيرًا من تفكيره، وتبعده عن منطقة القلق والتوتر.

  3. الاستعانة بالأنشطة والهوايات: ينصح بالانخراط في الأنشطة والهوايات التي تجعل الشخص يتوقف عن التفكير؛ مثل: ممارسة الرسم، أو الكتابة، أو مشاهدة مباريات الكرة، أو الخروج في جولات سياحية ومصاحبة المجموعات المختلفة ومشاركة الآخرين في اهتماماتهم، ما يمنح الشخص الفرصة في العودة إلى الحياة الطبيعية والتوقف عن التفكير المفرط.

  4. حل المشكلات العالقة: كذلك من الأمور المهمة من أجل التخلص من التفكير الزائد، حل المشكلات العالقة ومحاولة الوصول إلى أسلوب من أساليب التصالح مع الذكريات والمشكلات التي مرت، ولا يمكن العودة إليها أو حلها حتى لا ينشغل العقل بالتفكير فيها في أوقات الوحدة التي يمكن أن تعيده إلى دوامة التفكير الزائد مرة أخرى.

  5. طلب المساعدة المتخصصة: قد يكون اللجوء إلى المختص النفسي أمرًا ضروريًا في عدد من حالات التفكير المفرط، فالمختص النفسي يدرب الشخص على عدد من التقنيات التي تساعده على مقاومة التفكير المفرط؛ مثل تقنية توجيه التفكير وتقنية التفكير الإيجابي، كذلك يمكن الانضمام إلى مجموعات الدعم، أو الدخول في خطط علاجية بما يتناسب مع ظروف الشخص وحالته.

  6. ممارسة اليقظة الذهنية: تُعد اليقظة الذهنية من أقوى تمارين للتخلص من التفكير السلبي. تقوم هذه التقنية على تدريب عقلك على ملاحظة الأفكار والمشاعر دون الحكم عليها أو الانغماس فيها، ثم إعادة تركيز انتباهك بلطف على اللحظة الحاضرة، غالبًا بالتركيز على التنفس. هذه الممارسة تساعد على كسر حلقة الاجترار والقلق.

كيف تتوقف عن التفكير المفرط؟

علاج التفكير المفرط لا يقتصر على المسكنات أو العلاجات الطبيعية فقط، بل يشمل تغيير نمط الحياة والوقاية. الوقاية من الأسباب المحتملة مثل الإجهاد واضطراب النوم قد تمنع النوبات من الحدوث من الأساس. التخلص من التفكير الزائد هو رحلة تحتاج إلى الصبر، والوعي بالذات، والدعم من الآخرين. كل خطوة صغيرة نحو الأفضل هي انتصار، وكل محاولة فاشلة هي فرصة للتعلم.

وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال عبر مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة