اكتشاف الذات: رحلة التحرر من عقلية القطيع وبناء الشخصية

تُعد رحلة اكتشاف الذات من أعقد التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر. ففي حين نعيش في عالم يضج بالأصوات والصور النمطية، يصبح السؤال «من أنا؟» صرخة مكتومة تحت ركام التوقعات الاجتماعية.

في هذا المقال، نغوص في أعماق النفس البشرية لنفكك مفهوم عقلية القطيع، ونعيد رسم خارطة الطريق نحو الشخصية الحقيقية المستقلة.

وهم الصورة الاجتماعية والهروب من الحقيقة

من أيِّ زمنٍ كان الإنسان يعرف ذاتهُ؟ من زمنٍ بعيد إلى الآن نحن نجهلُ أنفسنا ونرى ذواتِنا بأعيُنِ الآخرين، نحن نهرب من حقيقة انجرارنا كالقطيع خلفَ أسطورة (الجميع يفعل)، نحن نُهمل رغبة كيف أريد نفسي أن تكون، ونقدِّس كيف أريد الناس أن تراني، فعجبًا لنا!

فالإنسان بطبيعتهِ يفضِّل ذاته ورأيه على غيره وماذا يروق له أن يكون ويفعل، إلَّا في هذا الأمر نحن نرفع من شأن صورتنا بأعين غيرنا، حتَّى أصبحت كلوحة فنِّية مكرَّرة رسَمها شخصٌ وقلَّدها الباقون.

يشير علم النفس الاجتماعي إلى أن هذه الظاهرة تنبع من الخوف من الإقصاء، ما يدفع الفرد لتبني سلوكيات لا تشبهه لأنه ينتمي للمجموعة.

مواجهة المرآة: أسئلة المكاشفة الضرورية

إن معرفة أنفسنا تبدأ بمواجهتها وإزالة الغبارِ عنها. علينا أن نقف أمام مرآتنا تاركين خلفنا قيلَ وقال، ونبدأُ بكثرةِ السُّؤال. نحن الآن بحاجةٍ ملحَّة لبعض الأسئلة التي سرعان ما تنهمر على رؤوسِنا بمجرد التَّفكير قليلًا لاكتشاف حقيقة شخصيَّاتنا.

صحيح أنَّنا نعيش بأجسادنا لكنَّنا نعيش بشخصياتٍ لا تعرفنا ونظنُّ أنها ملكنا، لكن الحقيقة غير ذلك، وهي أنَّنا نتقمَّص شخصيَّاتٍ وهمية ونعيشُ بها على أنَّها لنا دون أن نشعر، ننجرفُ وراءَ المعتاد ونبقى جميعنا بالمضمون نفسه وبنسخٍ كثيرة.

إلى هنا علينا أن نقف ونسأل أنفسنا: من أنا؟ ليس ماذا يريد الناس أن أكون، ماذا أفضل وماذا أكره؟ ما شخصيتي الثَّمينة؟ وما لوحتي الفريدة؟

كل هذه الأسئلة نحن بحاجة لها كي نخرج من بقعة التفافنا حول التَّقليد، وواقع أصواتنا مشوَّشة لمسامِعنا، نُصغي بإتقان لأصوات الآخرين كما لو أنَّنا في خُطبة الجُمعة، شخصٌ يتكلّم وصفوف هائلة خلفه تُصغي بانتظام. تُعرف هذه المرحلة بالوعي الذاتي، وهي الخطوة الأولى لفك الارتباط مع التأثيرات الخارجية.

علينا أن نسأل أنفسنا ما نريد نحن وليس ما يريد الناس

تعدد المشاهد: التخلص من التكرار

علينا أن نقصَّ هذا المشهد من فيلم حياتنا القصيرة، فهي صغيرة، فلماذا لا نجعلها متعدِّدة المشاهد كي تكون أقوى؟ ونتخلَّص من المشاهد المكرَّرة أو حتَّى المتشابهة، هكذا نستطيع أن نسمَعَ صوتنا الدَّاخلي بوضوح ونبدأ برؤية حقيقتنا التي داهمها واحتلَّها التَّزييف.

التغيير يبدأ من الداخل (قانون البدء بالنفس)

إن كنت تريد تغيير شيء أو إحداث قليل من الأشياء الجديدة فلا تبدأ بغيرك؛ لأنَّك ستبذل مجهودًا يُضاعف مجهودك عندما تبدأ بنفسك، وعلى الرغم من هذا ستحصل على نتيجةٍ يتيمة أو ربَّما ضعيفة. كلُّ تغيير للأفضل يبدأ بقرار وتصرف صغير، فلنفرضهُ على أنفسنا ونرى النَّتائج قبل أن نعرضه على غيرنا. وأَستقبحُ في نفسي كل من يظن نفسه بهذا الأمر (فأر التجارب).

وكما قال الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مِثلَهُ *** عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ

ابدأ بنفسِكَ وانهها عن غَيِّها *** فإذا انتهتْ عنهُ فأنتَ حكيمُ

نعم، وبهذا تكون قد بدأت بنفسكَ وأصلحتها وتعرَّفت قليلًا عليها وبدأتْ علاقتك بها تقوى شيئًا فشيئًا، أو أنَّك بدأتَ بإعادة تعريفِ ذاتِك وبلورة شخصيَّتك من جديد؛ للوصول لشخصيتك الحقيقية التي كنت قد جهلتها منذُ انخراطِكَ بحياةٍ يغزوها أُناس مختلفون في الشَّكل ومتشابهون في الأفعال والشَّخصيات والتَّصرفات وأساليب الحياة، إلى آخر هذهِ المصطلحات.

القلب بوصلة الحقيقة

اجلس مع قلبك قليلًا، واسمع صوته حين يهمس، ولا تنتظره حين يصرخ؛ لأنَّ القلب لا يكذب، وبه أصدق شعور لكننا نتجاهل سماعه. نحن عندما نبتعد عن سماعِ قلوبنا سنبتعد عن ذواتِنا ونَجهلها، وحينها ستبحثُ عن نفسك ولا تجدها، ومهما طال بحثُك عنها ستصلُ لنتائج غريبة عنك.

اعترف بما يوجِعُك من الدَّاخل ولا تهرب مِمَّا يضيقُ صدركَ به، اخرج من دائرةِ تكذيبِ نفسكَ ولا تخدعها وكن صادقًا معها؛ كي تُعطِيكَ ما تريد.

 قف أمام كاميرا حياتكَ بشخصيَّتك الحقيقيَّة دون تمثيل، عليك أن تكتفي بدورٍ يشبهك وتترك أدوارًا أنت تمثِّلها على الرغمَ بُعدها عنك؛ فقط من أجلِ إرضاء المشاهدين وإعجابهم. وهنا يكمن جوهر الأصالة النفسية التي تحرر الفرد من عبء التصنع.

لا تكن إمعة

هنا ومن هذه اللحظة تبدأ بالتَّعرف على نفسك، لا أن تهرب منها ويطاردكما شبحُ الغموض، لا واحدًا منكما يعرف نفسه؛ فهي تتقمَّصكَ في الوقت ذاته الذي تتقمَّصُ به أنت عدَّة شخصياتٍ.

وكما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساؤوا فلا تظلِموا» رواه الترمذي.

اختبأنا بما يكفي خلفَ ستارٍ ملونٍ بآلاف الألوان، واعتدنا على عرض جميع الأدوار لكن دون إتقان. كان همُّنا الوحيد الإرضاء والإعجاب أكثر من همِّنا على إبراز (عنوانٍ) ينبضُ بشخصيَّاتنا نحنُ، ركضنا نهرولُ خلف كلِّ معتاد حتى أهلكنا الرَّكض وأدركنا قيمة ذاتنا، تعرَّفنا عليها ووجدناها فريدة كانت تستحق الاعتناءَ أكثر، وحين وجدناها قيِّمة تعرَّفنا أكثر عليها واعترفنا بتقصيرنا بحقِّها، هكذا أصبنا الصَّحيح وانتحينا عن الخاطئ الباهت.

وصدقَ الإمام علي بن أبي طالب حينَ قال:

كُن ابن من شئتَ واكتسبْ أدبًا *** يُغنيكَ محمودُهُ عنِ النَّسبِ

فكنْ نفسكَ، واحرص على جوهر ذاتك؛ فقيمتكَ الحقيقيَّة تكمنُ في الجَّوهرِ لا في التَّشبُّه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.