عقلية الجمهور... تأثير الجماعة على الفرد

هل صادف وأن رأيت يومًا مجموعة من البشر يقومون بأفعال تخريبية أو غير مقبولة فاندهشت وقلت ماذا تفعلون؟ أين ذهبت عقولكم أيها البشر؟ أو هل تساءلت يومًا لماذا يتم النظر إلى الجمهور على أنهم همج؟

هل تأملت من قبل في المصطلحات التي تطلق عليهم مثل الدهماء والعامة وغيرها من تلك المسميات؟ 

قوة الجماهير

في الواقع قوة الجماهير قوة لا يُستهان بها، وهي المعول الذي يهدم الأنظمة، ويبني وينشئ الحضارات، هو الأداة التي يستخدمها العدو للإيقاع بأي بلد يطمع فيه

حسنًا، في الواقع لكي نفهم المغزى من هذه الأسئلة يجب علينا أن ندرك جيدًا أن هذه القضية معقدة قليلاً إذ لا يمكن الحكم عليها بهذه النظرة السطحية.

إذا أردت حقًا أن تفهم هذه المواقف فيتحتم عليك أن تتعلم سيكولوجية الجماهير.

تأثير الجماعة على الفرد

في البداية دعنا عزيزي القارئ نمهد لموضوع حديثنا... ربما لاحظت يوما أنك عندما تكون بين مجموعة من البشر تنتابك حماسة شديدة وتشعر كما لو كنت إنسانا مختلفا تماما

في الواقع عندما تكون في تجمع تصير أكثر همجية وحماسة وقابلية لفعل أشياء جنونية

هل ما زالت الصورة غير واضحة؟ إذن تأمل معي المثال القادم

تخيّل أنك ذهبت في يوم من الأيام لمشاهدة مباراة كرة قدم لفريقك المفضل في الاستاد... أنت الآن وسط الآلاف من جمهور فريقك تشجعون بكل ضراوة وحماس، ومن ثم بدأت المشاحنات وبدأ الجمهور الآخر يسب فريقكم فصار جمهورك هو الآخر يسب، وبدأت المشاجرات ووجدت نفسك تقوم بتصرفات حيوانية غير متحضرة.

ضربت هذا وآذيت ذاك وقمت بتحطيم مقعد ورميته على أحدهم وبلغت أعتى درجات الغضب بسبب أمر تافه

ألا يبدو لك الأمر مألوفًا وشائعًا؟ ألم تفعل هذا في حياتك من قبل أو حتى أحد أقربائك أو أصدقائك؟ بالطبع حدث، لكن الصادم في الأمر أنك عندما تكون بمفردك قد تكون إنسانًا عاقلاً ناضجًا يعرف قيمة نفسه، ويعلم أن مثل تلك الأفعال الصبيانية لا تليق به، بل عندما تشاهد هذا الجمهور الغاضب لفريقك على التلفاز تشعر بالانزعاج الشديد وتنفر من تصرفاتهم رغم أنك كنت تفعل مثلهم منذ بضعة أيام على سبيل المثال... فتتساءل كيف وصل بي الحال لهذه الدرجة من الانحطاط لا تقسو على نفسك عزيزي القارئ فهذا ما يعرف بـ (تأثير الجماعة).

أتمنى أن تكون الصورة بدأت في الاكتمال، وأن تكون قد فهمت ما أسعى إليه حتى الآن

الفرق بين الجماعة والفرد:

الجماعة، رؤيته للمستقبل وتحليله للمواقف أكثر وضوحًا، هو بمفرده يتفوّق عليهم مجتمعين، ولكن لماذا؟ 

لأن شخصية الفرد في الجمهور غير موجودة، هو بلا رأي، أو نفوذ، هو فقط يدافع عن فكرة معينة باستماتة لدرجة أنه قد يتأذى أو حتى يُضحي بروحه.

ربما أنت الآن صرت تعلم عزيزي القارئ أنه بالرغم من أنانية الإنسان الشديدة فإن تواجده في تجمع هي الحالة الوحيدة التي يعرِّض نفسه فيها للخطر من أجل فكرة معينة دون الالتفات لنفسه

حسنًا ربما تقول الآن إن هذا الكلام منطقيّ إلى حد ما لكن ألا يعقل أن يكون بين تلك الجماهير شخص عاقل يستطيع أن يقودهم للتحضر والتعقل؟ 

ألا يمكن أن يكون بينهم رجل رشيد من ذوي الحكمة والخبرة أو غيرهم من أهل العلم والعقل؟ 

لقد توقعت هذا السؤال منك لكن الإجابة في منتهى البساطة: "الجميع سواسية".

إذا طبقنا هذا السؤال على الموقف السابق فسنصل للإجابة بدون أدنى شك.

حسنًا، ربما الفرق في درجة العلم بين عالم مثلاً وعامل نظافة مع (مطلق الاحترام والتقدير لعامل النظافة الذي يعد من وجهة نظري الشخص الأهم في ذلك المجتمع) كبيرًا، لكن داخل المباراة لا فرق بينهما نهائيا

هما الاثنان على حد السواء جاؤوا لتشجيع فريقهم هنا أي أن كليهما يمثل الآن عضوا في الجمهور المناصر للفريق، فبالتأكيد ستشغلهم نفس القضية

لذلك هما الآن مع باقي الجمهور الذي يتألف بالتأكيد من طبقات مختلفة ومن فئات عديدة وذوي فكر مختلف، لكن بالرغم من ذلك فهم يمثلون كيانًا واحدًا أعتقد أنك يمكنك أن تطبق هذا على أي تجمع للبشر وستجد الأمر متشابها

ثقافة الشعوب وتأثيرها على عقلية الجمهور

دعنا الآن نتطرق لمثال آخر، لربما قد تساءلت يومًا وأنت تشاهد مسرحية على التلفاز مثلاً: لماذا يضحك الناس بهستيرية وأنا حتى لم أبدِ سوى ابتسامة خفيفة؟ هل هم حقًا يبالغون أم أني لا أفهم أم ماذا؟ 

لا هذا ولا ذاك! إنها نفس النقطة التي ندور حولها عزيزي القارئ... عندما صار الناس في تجمع انخفض مستوى الوعي والفكر عندهم، وصاروا إلى حد ما أكثر بلاهة

أثر الجماهير في الثورات التي غيرت التاريخ

لا تحسب نفسك متناقضًا عندما تذهب بنفسك لمشاهدة مسرحية ثم تجد نفسك تتصرف بنفس الأسلوب

إن كنت تشكك في كلامي هذا جرب بنفسك وصدقني ستشعر بشيء مختلف

حتى الآن نستنتج أن شخصية الفرد مغايرة تمامًا لشخصية الجماعة إذ إن الشخص بمفرده يكون في حال أفضل من الجمهور وهو مجتمعين.

قرارات الفرد أذكى وأدق من الجمهور:

ربما هذا أيضًا قد يفسر لماذا قد لا تروقك الأعمال الفنيَّة لدى دولة أخرى وذلك ببساطة اختلاف عقليات وثقافات الشعوب.

الحديث عن عقلية الجمهور لا يهدف إلى التقليل منهم أبدًا، ولكن لتوضيح بعض الظواهر والأسرار الغامضة، فلولا الجمهور على مرّ العصور لما قامت الثورات التي غيرت مجرى التاريخ في مختلف دول العالم وغيرها من الانتفاضات والأحداث الهامة

الحديث في هذا الموضوع صادم لأقصى حد مليء بالحقائق المدهشة ويطول الحديث فيه، ولكن هذا لا يعد سوى تمهيدًا أو بداية لفهم الموضوع وتغيير نظرتنا للأمور التي نراها عادية.

إذا أردت أن تفهم الحقيقة الكاملة فأنصحك بقراءة كتاب "سيكولوجية الجماهير للكاتب الكبير غوستاف لوبون"، وستجد في هذا الكتاب توضيحًا للحقائق التاريخية وطريقة تفكير الجماهير، وكيفية السيطرة عليها مع شرح مستفيض، الذي سيفتح لك آفاقا جديدة لترى الوضع الحالي... بعين أخرى ستمكنك من ربط الأحداث كذلك بالثورات العربية وغيرها

وختامًا يجب علينا بالرغم من معرفة تلك الحقائق أن نسعى لنكون أكثر تحضرًا عندما نكون في تجمع، وأن نعمل على ضبط النفس وتعديل سلوكنا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.