قبل قرابة السنتين قرأت اعلانا لصحيفة أجنبية تدعو قراءها إلى الترحيب بـ "زيلانديا" القارة الجديدة التي دخلت أجواء المنافسة على هذا الكوكب، لتصبح الثامنة بعد عدة قرون من هيمنة سبع قارات عجاف على جغرافية الأرضية واحتكار خرائطها ومناهجها بلا منازع.
ورغم ضخامة قارتنا الجديدة ــ حوالي 5 ملايين كيلو متر مربع ــ وقربها من قارة أستراليا، إلا أن أمرها لم يحسم نهائيا إلا مطلع العام قبل الماضي بعد أن ظهرت للعلماء ككتلة أرضية ضخمة مغمورة في جنوب غرب المحيط الهادئ، لا يظهر منها فوق السطح سوى نقطتين فقط ، هما نيوزيلندا وكاليدونيا الجديدة .
وإلى هنا والأمر عادي جدا، فهذا الكوكب الذي نعيش فيه من الضخامة بمكان تجعل من سبر جميع أغواره ومعرفة مختلف مناطقه أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، حتى مع كل الإمكانيات والتقنيات التي أصبحنا نملكها اليوم !
لكن ما يحز في النفس صراحة، تلك النظرة الدونية التي نوجهها لبعضنا نحن البشر معاشر الأرضيين، فهذا الخبر على أهميته – يشبه انتظار طفلك الأول بعد أن غادرت عقد الخمسينات بنجاح - إلا أنه لم يحض بالاستقبال اللائق ولم ينل حجمه من الاهتمام، ولو معشار ما أعطي خبرا مماثل، يخص إخواننا الفضائيين، كإعلان وكالة ناسا عن اكتشافها لسبعة كواكب جديدة شبيهة بكوكب الأرض، يرجح أن تكون بعضها قابلة للحياة !
وطبعا مجموعة الكواكب الجديدة هذه والتي أطلق عليها إسم "ترابست" تقع خارج نظامنا الشمسي وتبعد عنا بحوالي 39 سنة ضوئية، يعني حوالي (368960607795000 كيلو متر) - ما علينا – المهم ، أن التغطية الصحفية والإعلامية لهذا الخبر حينها فاقت خبر اكتشاف القارة الثامنة بمراحل، وتصدر مختلف وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة، وبجميع اللغات، وأصبحت ترابست حديث المجالس وفاكهة المنتديات.
وحتى في اختيار العلماء للأسماء لم يخل الأمر من تحيز واضح للفضائيين، فاسم مثل زيلانديا ينفع اسم مرض معدي أو بالكثير يطلق على قطيع من القرود، بينما "ترابست" اسم جميل وشاعري، يشعرك بأن حامله إن لم يكن غني جدا وابن ناس، فعلى الأقل زوجته من أسرة ثرية ومرفهة جدا.
ولكم أن تتخيلوا أشقاءنا في القارة الجديدة كم سيحتاجون لتهجئة اسم قارتهم الوليدة وكيف سيقنعون أبنائهم أن الاسم خطام لا اكثر، كما يقال في الأمثال.
نسيت أن أقول لكم أن عمنا ترابست يحمل أيضا الرقم 1، يعني أكيد علماءنا الأجلاء في ناسا ليسوا ناويين أن يتركوه وحيداً، وخلال فترة وجيزة سيكتشفون له أشقاء جدد لموا نسته، وسنسمع قريبا عن ترابست2 وترابست4، وحتى ترابست أطفال إن لزم الأمر.
وكل هذا طبعا من أجل خاطر إخواننا الفضائيين وعيونهم البشعة، التي بذلنا لأجلها المليارات والدولارات، بحثا عنها وعن أصحابها لعشرات السنين دون فائدة.
وعلى ذكر الكائنات الفضائية والفضائيين الذي أهلكنا أنفسنا بحثا عنهم في أرجاء هذا الكون الشاسع وثقوبه السوداء، وهم ولا حتى سائلين فينا، أريد أن أنبه أنهم ليسوا مُسالمين وودودين مثلنا نحن البشر، بل على العكس، فالفضائيين أشرار جدا وخطرين، وبالإمكان أن يهددوا وجودنا رغم كل ما نبذله ونقدمه لأجلهم، وقد فطن الباحثان كيبينغ وتيتشي، من جامعة كولومبيا في نيويورك، لذلك الخطر وابتكرا طريقة لحجب الأضواء الصادرة من كوكبنا الأرض عن أنظار الكائنات الفضائية من خلال استخدام أشعة ليزر بشكل مكثف.
وكتب الباحثان في مجلة الجمعية الملكية لعلم الفلك عن ابتكارهما قائلين "هناك جدال حول ما إن كان ينبغي على البشر أن يعلنوا عن وجودهم في الكون أو أن يخفوه عن حضارات متطورة قد تكون موجودة في مكان ما من الفضاء" ، مضيفين " إن أبحاثنا تزود البشر بخيار أن يخفوا وجودهم، ثم علينا أن نفكر في ما ينبغي فعلا أن نفعله" .
يعني تخيلوا المصيبة التي وقعنا فيها، بسبب حبنا للفضائيين على حساب أشقائنا الأرضيين، فمن الآن وصاعدا سنحتاج إلى غرفة تحكم مركزية لجميع مصادر الكهرباء والإضاءة في العالم ، تقوم كل ليلة قبل أن ننام جميعا بإطفاء الأنوار للحفاظ على سلامة هذا الكوكب من عيون المتربصين به من الكواكب والمجرات الأخرى !
ومع أن الأمر يبدو ضربا من الخيال والدعابة إلا أن عالم مشهور مثل الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ - الذي توفي قريبا - دائما ما كان يحذر من كائنات متطورة اكثر من البشر بكثير، قد لا ترى في سكان الأرض سوى "حشرات مزعجة" !
وهكذا ، وبالرغم من كل ذلك سيستمر علماء الفضاء في أبحاثهم، وستستمر ناسا في إنفاقها السخي، بحثا عن أي إشارة لوجود حياة عاقلة أو غير عاقلة في هذا الكون الواسع، مهما كانت الخسائر والتضحيات وشحة الاحتمالات في تحقيق أي نجاح يذكر، فيما كانت حياة عاقلة أكيدة كانت قريبة جدا منهم وعلى مرمى حجر من إحدى قاراتنا الرئيسية، ولم تظهر لنا إلا بالصدفة، وكل ذنبهم أنهم أرضيون مثلنا وليسوا من المتكبرين والمغرورين أصحاب العيون الغائرة ، كارهي الحشرات .. ودمتم سالمين ،
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.