هو المجاهد عبد العاطي الجرم، من قبيلة الحسون الشهيرة، كان من رجال رمضان السويحلي المقربين والمعدودين الذين يعتمد عليهم في المهمات، كان فارساً لا يُشق له غبار، ومقداماً ومغواراً وشجاعاً، وبعد استشهاد رمضان السويحلي استمرت له نفس الحظوة والمكانة عند أخيه سعدون، والذي جعل من عبد العاطي ذراعه الأيمن الذي لا غنى له عنه.
اقرأ أيضاً من عظماء ليبيا المنسيون. أحمد المنقوش
سيرة البطل الليبي عبد العاطي الجرم
شخصياً تذكرني سيرة هذا البطل بسيرة أبي دجانة -رضي الله عنه- صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلماذا يا ترى؟ ومن هو أبو دجانة؟
إنه البطل الهُمام، والأسد الضرغام أبو دجانة، واسمه سماك بن خرشة بن زيد الساعدي.
شهد بدراً وأُحداً، وثبت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ وبايعه على الموت، وقُتل يوم اليمامة، وهو ممن شارك في قتل مُسيلمة الكذاب.
يتميز بطريقة قتالية متفردة، يتميز بها عن بقية الأصحاب، ففي ساحة القتال نراه قد اعتجر بعصابة حمراء وشدّها على رأسه شعاراً له بالشجاعة، يتبختر في مشيته كأنه يسخر من الباطل ويستخف بأهله، شاهراً سيفه كأنَّه شُعلة من نار، وكلما قطف رأسَ مشركٍ يتمايل يميناً وشمالاً، يزأر كالأسد "أنا أبو دجانة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مِشية أبي دجانة: "إنها لمشية يبغضُها الله ورسوله إلا في مثل هذا الموطن".
قال أنس -رضي الله عنه-: يوم أُحد أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيفاً فقال: "من يأخذ مني هذا"؟ فبسطوا أيديهم، كلهم يقول: أنا، أنا، قال: "فمن يأخذه بحقه"؟
قال: فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه، ففلق به هام المشركين".
اقرأ أيضاً لماذا تخلى نابليون عن فكرة تحرير الرقيق وماذا فعل خلفاء محمد على مع ظاهرة النخاسة في السودان
العلاقة بين الصحابي أبي دجانة والبطل عبد العاطي
ولكن ما هو الرابط بين أبي دجانة وعبد العاطي؟ لنرَ:
حمل عبد العاطي السلاح في وجه الطليان منذ ظهور سُفنهم على شواطئ طرابلس في أكتوبر 1911م، حتى استشهاده عام 1922م، كانت شجاعته وحماسته ظاهرة للعيان، فكان يتمخطر بفرسه بين المجاهدين وأمام الصفوف الأولى للعدو، في مشية يحبها الله ورسوله في مثل هذه المنازل.
ألم أقل لكم إنه يذكرني بأبي دجانة...
وأثناء مفاوضات صلح بنيادم مع الإيطاليين سنة 1919م كان عبد العاطي شديد الحماس لدينه ووطنه، فساءه أن يرى الرومي -الإيطالي- يساومه على بلاده، حتى إنه في إحدى الجلسات صفع أحد المفاوضين الطليان كفاً ساخناً، ثم طلب من رفاقه المغادرة.
وفي جولة أخرى قال عندما سمع أثناء التفاوض أعضاء الوفد الليبي يقولون: إن أعضاء الوفد الوطني كذا... وأعضاء الوفد الإيطالي كذا...، يعددون ما للمجاهدين وما للطليان من أمور حسب الاتفاق الذي توصلوا إليه عبد العاطي صارخًا: وي! نتساوى أنا والرومي؟ في كبرياء محمود في مثل هذه المواقف.
هل تذكرتم كبرياء أبي دجانة؟
شارك عبد العاطي في كل المعارك الجهادية ضد الطَّليان منذ قدومهم وحتى استشهاده، وتحامل في كثير منها على جراحه، وأكمل المعركة وهو ينزف أو يكتم الألم، كما حدث مثلاً في معركة جرف الحفير قرب لبدة؛ حيث أُصيب فيها بجُرح بليغ وخُشي عليه من الموت، فقال لمن حوله -وهو مثخن بالجراح-: إنه لن يموت في هذه المرة، لأنه لما وقع لم ير الحور العِين، فعرف أنه لن يموت؛ في مشهد يظهر قدر ثقته بالله تعالى، وقد تحقق ما قال، ولم يلبث أن شُفي، ومد الله في عمره بعدها إلى ما شاء.
امتاز عبد العاطي بدقة إصابته للهدف عند التصويب ببندقيته، وكان يسأل رفاقه بعد أن يصوب البندقية إلى العدو، وقبل أن يطلق النار: (وين تبوها؟ في رأسه، أو كتفه، أو قلبه، أو جبهته؟)، وبعدها يسددها بإذن الله حيث قالوا، وكان خلال المعركة يقاتل ببندقيتين، حيث كان (الشوشان) وهو العبد الذي يخدمه يقف وراءه ليعطيه البندقية الثانية بعد أن تنهي الأولى رصاصها، وبينما هو يستخدم الثانية يقوم (الشوشان) بتعبئة الأولى؛ عبد العاطي لا يضيع الوقت مع العدو.
عبد العاطي وقيام الجمهورية الطرابلسية
بعد قيام الجمهورية الطرابلسية عام 1918م، كان عبد العاطي من فرسانها المقدمين والمغاوير، وسجّل له التاريخ موقف خالداً؛ عندما رفض مع بقية قادة جيش الجمهورية الامتثال لأوامر عبد القادر الغناي رئيس جيش الجمهورية الذي خان الأمانة وتفاهم مع الطّليان على تسليم جيش الجمهورية وسلاحه للإيطاليين، فقام عبد العاطي ورفاقه بنقل الخبر بسرعة إلى رمضان السويحلي، الذي تحرك بسرعة وقضى على ما تفاهم عليه الغناي مع الطليان.
استمر عبد العاطي على صهوة جواده يبحث عن الطليان في كل مكان يمكن لجواده أن يصل إليه، حتى جاءت معركة يوم السبت، والتي كانت بعد سنتين من استشهاد رفيقه وصديقه رمضان السويحلي، وكانت في 11 فبراير 1922م، والذي صادف يوم سبت، حين هجم الطّليان على قوات المجاهدين في مصراتة مستخدمين مدافعهم بكثافة شديدة، فكانت معركة عنيفة استبسل فيها المجاهدون بقيادة سعدون لمدة خمس ساعات تقريباً.
كفاح عبد العاطي ضد الطليان
استشهد في المعركة قرابة مئتين وستين مجاهدًا كان من بينهم البطل عبد العاطي الجرم، وكان لاستشهاده قصة عجيبة، فقد جُرح أثناء المعركة في رقبته، وأراد أحد إخوانه أن يخفف عنه قائلاً له: إن إصابته بسيطة، ولا داعي للخوف، فطلب منه عبد العاطي في شجاعة معهودة أن يغطيه بـ (البرنوس) الذي كان معه لأن حياته قد انتهت، وكان يقول لرفاقه في المعركة وهو ينزف: "اتقوا بي، ما حاجة بي"؛ أي إن حياتي قد انتهت فاجعلوا جسدي ساترًا لكم من الرصاص، يقول هذا بعد أن رأى الحور العين تلف به، وقيل إنه وُجد بعد نهاية المعركة وقد فصل رأسه عن جسده، وقُطعت رجليه، فرثاه أحد الشعراء الشعبيين بقوله:
يا هل ترى يا جرم وين تقعد
ملوح لا راس لا رجلين
ودُفن -رحمه الله- في مصراتة بعد مشوار طويل من الجهاد، والشجاعة، والصبر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.