عطيتو

ز هقتنا جارتنا الإسماعيلاوية مدام منى التي أجبرنا على مصادقتها !

نعم .. أجبرنا بل أرغمنا على صداقتها .

وكان السبب في صداقتها الفراغ و الهدوء القاتل لشتاء القرية السياحية التي عشنا فيها أنا وزوجتي وطفلنا الرضيع .

و كانت مدام منى هي جارتنا الوحيدة بالمكان الصامت فصارت رفيقة المساء والسهرة التي نقابلها حين تزورنا كل ليلة  !

كانت مدام منى حالة فريدة لم أرى مثلها في حياتي، فلم تكن تنطق جملة واحدة دون أن تضع فيها كلمة واحدة كررتها ألآف المرات ..

الكلمة هي عطيتو !..

نعم عطيتو..

كان عطيتو هو اسم زوجها الذي تتكلم عنه طوال الوقت بلا كلل أو ملل .. كانت كل ليلة تعيد وتزيد :

-         عطيتو هو كل حياتي.

-         عطيتو بيحبني حب مش عادي.

-         عطيتو بيغير علي موت ..

-         عطيتو مايحبش حد غريب يدخل عندنا .

-         عطيتو رومانسي.

-         عطيتو إنسان كله حب وحنان.

-         عطيتو ماقدرش أعيش من غيره.

-         عطيتو في عيد الحب قال .

-         عطيتو في العيد الكبير عاد.

-         عطيتو راح .. عطيتو جه.

-         عطيتو سافر.. عطيتو رجع.

-         عطيتو عمل .. عطيتو سوى.

أسابيع وشهور وسيرة عطيتو وسنين عطيتو هي شغلنا الشاغل، وكانت زوجتي تحرص مجاملةً طوال الوقت على ألا تحس مدام منى بزهقي وتذمري من هذا الملل الأعظم، فزوجتي تعلم إني أمَّل بسرعة، خاصة وأننا لم أرى عطيتو هذا مطلقاً !

ولأن لكل شيء نهاية ، فقد حان وقت مفارقتنا للإسماعيلية  الجميلة وعودتنا للقاهرة وقبحها، فودعتنا مدام منى وكادت تبكي وهي تقول:

-        

****

مرت أربع سنوات قبل أن أعود للإسماعيلية في مأمورية عمل، فانتهزت الفرصة وأخذت معي زوجتي وإبني ليتعرف على محل ميلاده ومسقط رأسه، وطبعاً زرنا مدام منى جارتنا القديمة في القرية السياحية ، وأندهشنا قليلاً في البداية لأنها لم تتذكرنا إلا بعد فترة وجيزة، لكنها سرعان مارحبت بنا مهللةً، خصوصاً بإبننا الذي أخذت تقبله فرحاً به لأنه كبر (وصار  رجلاً) وبعد السلامات والتحيات سألتها زوجتي وهي تنظر لي مداعبةلتغيظني :

-         وإيه أخبار الأستاذ عطيتو ؟

وكانت الصاعقة التي حطت علينا وضربتنا بشدة حين ردت مندهشة:

-         عطيتو مين ؟

قلت مذهولاً:

-         جوز حضرتك يا مدام منى .. الأستاذ عطيتو !

فردت بحدة وقد تجمدت ملامحها وتحجرت عيناها واخشن صوتها :

-         عطيتو ؟ .. إيه الإسم الغريب ده ..

فأصابنا الهلع .. نعم أصابنا الهلع نحن الثلاثة .. وهي تؤكد وتكرر بقوة وبصوت أجش :

-         أنا ماعرفش حد بالإسم ده .. أنا ماعرفش حد بالإسم ده !!

****

لا أدري كيف مر ت الثواني كالدهر علينا حتى تمكننا من الاستئذان منها وانصرفنا بسرعة فيما يشبه الهروب رعباً ، ولم ننتظر حتى عصير الفراولة الذي قامت لتحضِّره .

علىى بوابة القرية طلبت زوجتي من فردي الأمن ماءاً لتشربه ، فقد جف حلقها مما حدث، وعلى سبيل الفضول كعادة كل المصريين سألتهما عن أحوال مدام منى ، فجاءتنا الصدمة الجديدة منهما حين ردا معاً :

-         مدام منى مين ؟

-         زوجة المهندس عطيتو

ردا مؤكدين :

-         مافيش حد في القرية بالإسم ده

سألتهما ملحاً :

-         اللي ساكنين في شاليه نمرة كذا ..

وكانت آخر صدمة نتلقاها في ذلك اليوم من الشابين :

-         الشاليه ده عمر ماحد سكنه من يوم ما اتعملت القرية ! ..

-         ده مهجور .. وبنخاف نروح عنده ..

-         ماشفتوش الشجر اللي مغطيه وماحدش قصُّه من سنين .. والعنكبوت مغطي بابه !!

-         ماشفتوش العنكبوت اللي مغطي بابه .. والقفل القديم اللي عليه !!

**  تمت  **       

 

 

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
Jul 1, 2020 - محمد صفي الدين البيلي
Jun 30, 2020 - سارة السيد معلاوي
Jun 30, 2020 - فريدة محمد
Jun 29, 2020 - ايمان ادم محمد
نبذة عن الكاتب