عصر ما بعد الرقمنة: هل يبتلع الذكاء الاصطناعي مستقبل البشر

يؤدي التحول الرقمي وتطور الذكاء الاصطناعي إلى إنهاء المهن التقليدية وتغيير جذري في سوق العمل، فتحل الروبوتات والأنظمة الذكية محل البشر في مختلف القطاعات.

وعلى الرغم من الرفاهية التكنولوجية والطبية المتوقعة، تواجه البشرية خطرًا وجوديًّا يتمثل في البطالة التكنولوجية، اتساع الفجوة الرقمية والطبقية، وفقدان المشاعر الإنسانية الحقيقية لمصلحة عالم تحكمه الآلات، ما يهدد بتخلف المجتمعات غير القادرة على مواكبة هذه الرقمنة.

يطرح هذا النص الفلسفي والاستشرافي رؤية نقدية عميقة للتحولات التي يشهدها العالم في عصر ما بعد الرقمنة، فيعيد الذكاء الاصطناعي صياغة المهن، والفنون، حتى العلاقات الإنسانية.

بينما تسير البشرية نحو رفاهية تكنولوجية فائقة، يبرز القلق من تعمق الفجوات الطبقية والرقمية، وظهور البطالة التكنولوجية، ما يطرح تساؤلات وجودية حول مصير الإنسان وهويته في عالم تحكمه الخوارزميات، خاصة في المجتمعات النامية.

نهاية المهن التقليدية وصعود الأتمتة

انتهت مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة، ومعها تلاشت المفاهيم التَّقليديَّة المرتبطة بالحِرف والمهن، ليحلَّ محلها عصر جديد بات يؤرِّخ لما قبل الرَّقمنة وما بعدها.

في ظلِّ هذا التَّحوُّل، انقسمت المجتمعات إلى رقميَّة وما قبل رقميَّة، فبدأ الذَّكاء الاصطناعيُّ والرُّوبوت في إقصاء مهن عريقة، وتغيير أدوار المختصِّين ووظائفهم، من أطبَّاء ومهندسين وأساتذة وجنرالات حرب، وصولًا إلى ربَّات البيوت.

لقد أصبحت المعرفة والأنشطة الإنسانيَّة نتاج تصنيع ذكيٍّ، ولعل مهنتيْ الأدب والفنِّ خير مثال على ذلك؛ إذ أضحى الذَّكاء الاصطناعيُّ قادرًا على صياغة الرِّواية والقصيدة والسِّيناريو والفيلم، والتَّرجمة بدقَّة متناهية.

بل إنَّ بعض الشَّركات بدأت تحوِّل أيَّ شخص إلى كاتب بمجرَّد دفع المال وتحديد الخطوط العريضة للعمل الذي يرغب فيه، ليتولَّى الذَّكاء الاصطناعيُّ مهمَّة تحرير الكتاب وتسويقه، وربَّما ضمان أعلى المبيعات.

أمَّا التَّرجمة، فقد أصبحت مهنة على حافَّة الانقراض؛ بعد أن تفوَّقت البرمجيَّات (لاسيَّما من خلال التَّرجمة المقارنة) بملكاتها التي تعادل قدرات عشرات المترجمين من البشر.

أدب الذكاء الاصطناعي والوهم العاطفي

ومع ذلك التطور، يتردَّد تساؤل جوهريٌّ: هل يفتقد أدب الذَّكاء الاصطناعيُّ للرُّوح والإحساس؟ الحقيقة الصَّادمة أنَّ الرُّوبوتات باتت تُزوَّدُ بمشاعر اصطناعيَّة تجعلها تضاهي البشر في التَّعامل، بل وتتفوَّق عليهم أحيانًا، كما نرى في قطاع الفندقة حيث تنال الخدمات الرُّوبوتيَّة رضا النزلاء رضًا لافتًا.

ولا عجب، فالبشريَّة تترقَّب مستقبلًا سيتزوَّج فيه الإنسان من روبوت قادر على تعويضه عاطفيًّا، فقد تصبح القبلة الرُّوبوتيَّة ألذَّ من القبلة الطَّبيعيَّة، والحضن الرُّوبوتيُّ أكثر دفئًا وأمانًا (وأشدِّد هنا على كلمة أمان) وحنانًا من حضن الإنسان. أو حتَّى القيام بمهمَّة الحمل خارج الرَّحم الطَّبيعيِّ لتخفيف أعباء الأمومة عن النِّساء العاديَّات.

البشريَّة تترقَّب مستقبلًا سيتزوَّج فيه الإنسان من روبوت قادر على تعويضه عاطفيًّا

الخريطة الجينية والتوأم الرقمي.. خلود أم فجوة طبقية؟

وعلى صعيد آخر، يعدنا اكتشاف الخريطة الجينيَّة بتمديد عمر الإنسان ليصل إلى 150 عامًا، فأشارت دراسة نُشرت في مجلة نيتشر (Nature) إلى أن الحد الأقصى المطلق لعمر الإنسان قد يتراوح بين 120 إلى 150 عاماً بناءً على قياسات مرونة الجسم البيولوجية، شريطة التغلب على الأمراض المرتبطة بالشيخوخة.

لكنَّ هذا الرَّفاه العلميَّ يحمل في طيَّاته فجوة رقميَّة سحيقة، هي استمرار لفجوة طبقيَّة؛ لأنه ستحتكر أقلية غنيَّة المعرفة، في حين تظلُّ الأغلبيَّة محرومة منها إلا بالمال.

ومع ظهور التَّوأم الرَّقميِّ، سنشهد استنساخًا للبشر رقميًّا، فيمكن لمؤسَّسة ما الاحتفاظ بنسخة رقميَّة لموظَّف أو مدير حتَّى بعد تقاعده أو وفاته، ليستمرَّ في العمل واتِّخاذ القرارات الحاسمة، وهو ما بدأ يحدث فعليًّا.

البطالة التكنولوجية ومستقبل المجتمعات العربية

إنَّ البشريَّة تسير نحو رفاهيَّة مفرطة بفضل «الرَّوْبتة»، لكنَّها تخاطر بفقدان جوهرها ومرجعياتها. فالمصانع التي كانت توظِّف الآلاف ستوظِّف الرُّوبوتات، وتكتفي بقليل من المهندسين والفنيِّين، ما يحيل العمالة إلى البطالة.

وحينئذ يبرز السُّؤال الوجوديُّ: إذا استأثر الرُّوبوت بالعمل والثَّروة، فكيف ستعيش الأغلبية العاطلة؟ وكيف ستحصل على الخدمات التي تقدِّمها الشَّركات بمقابل ماديٍّ وهي لا تملك ثمنها؟

قد يرى بعضنا في هذا مبالغة، لكنَّ الحقائق والوقائع تؤكِّد أنَّ كثيرًا من المهن تموت فعليًّا. أمَّا مجتمعاتنا العربيَّة، باستثناء الثَّريَّة منها، فهي تواجه خطر التَّصنيف كأمم ما قبل رقميَّة تزداد تخلُّفًا عن الرَّكب، وهكذا يصبح الإنسان عبدًا للرَّقمنة والرُّوبوتات والذَّكاء الاصطناعيِّ.

إنَّنا بصدد عالم رهيب بلا قيم ومعايير تكون فيه العلاقات البشريَّة كعلاقات تبادل المصالح والسِّلع، عالم لن يعترف إلا بالنُّخب التي تبتكر التَّقنيَّات والرُّوبوتات الذَّكيَّة، عالم سيبتلع حتمًا كلَّ من لا يعانقه «شوق الرَّقمنة»، «عالم ليس لنا»، كما قال ذات يوم الشَّهيد غسَّان كنفاني.

في الختام، يضعنا عصر ما بعد الرقمنة والذكاء الاصطناعي أمام اختبار حضاري غير مسبوق. إن التطور التكنولوجي المذهل الذي يعد بإطالة العمر وابتكار وسائل رفاهية مطلقة، يحمل في وجهه الآخر تهديدات وجودية تتمثل في طمس الهوية الإنسانية وتعميق الفوارق الطبقية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة